فيسبوك فيسبوك
يوتيوب يوتيوب
تويتر تويتر
واتساب WhatsApp
انستقرام instagram
تيليجرام instagram
RSS instagram

حركة ، الحرية ، والتغيير ، اخبار ، حدث وتحليل ، من الصحافة ، الفكري السياسي ، وثائقيات ، دراسات

حركة الحرية والتغيير
الأحد 1/ربيع الأول/1439 هـ 2017/11/19 م / آخر تحديث : 08:48 مكة المكرمة
آخر الاخبار السعودية تستعيض عن هزيمتها في اليمن بفتح حروب جانبية     المملكة السعودية ترعي تجمعا جديدا لقبائل ’’قحطان’’ ضد قطر باستخدام بن سحيم     جنون بن سلمان : اعتقل 30 من نساء الأمراء وهذا ما فعل بهن..     الصحف الألمانية تهاجم السعودية      تفاصيل حملة التطهير بالحرس الوطني.. وهذا سر اختيار «بن عياف»     الكاتبة الشهال :السعودية: ولي العهد ونصحاء السوء!     أزمة سعودية ألمانية بسبب الحريري.. وبرلين تتوعد الرياض     واشنطن تعتزم التسريع في تعزيز الدفاعات الجوية السعودية لمواجهة الخطر الإيراني     تقارير إعلامية: الرياض للمعتقلين: "حرياتكم مقابل أموالكم"     الكيان الصهيوني والكيان السعودي : توام استعماري سري لماذا يتم إظهاره الان ؟؟     تفاصيل عن تعذيب متعب بن عبد الله وخمسة أمراء آخرين في السعودية..     مِن حكم العائلة إلى حكم الفردْ: ديكتاتور السـعوديّة     النخب الأميركية... بن سلمان طائش وآل سعود لن يصمدوا     وثيقة السفير الامريكي الى خارجية بلده حول القساد المالي      بعد تصدع مقوماته الأساسية....كيف سيكون مستقبل نظام آل سعود !؟    

الحقوق السياسية في القرآن الكريم ـ الفصل الأوّل

التاریخ : 2015-01-19 18:27
-
+
الحقوق السياسية في القرآن الكريم ـ  الفصل الأوّل
  • ٣٠٨٢
  • ٠

الفصل الأوّل


 منشأ الحقّ


الحقّ والعدالة الاجتماعِيّة


بما أنّ القضايا الحقوقية ترجع کُلّها الی الحق، وجميع الغايات المختلفة المنظورة في الحقوق تصب في إقامة العدالة الاجتماعية، کان من اللازم أن نعرف الحق والعدالة مسبقاً، لقد لوحظ في الاصل اللغوي للعدالة ومشتقاتها لون من التساوي، اذ جاء «العَدْل» بمعنی تساوي المثيل والنظير والتساوي بين طرفي الحِمْل، و«العدل» يعني المثيل، النظير والطرف من الحِمْل المعادل للطرف الآخر.


ولکن العدالة في المفهوم الاجتماعي تعني «اعطاء الحق لصاحب الحق»، فلو تنازع اثنان علی مال وادعی کل منهما ان المال له، فلا يحق للقاضي أن يقسم المال بينهما نصفين تحت عنوان بسط العدالة، لأن المال _في الواقع_ لأحدهما لا الآخر، ومقتضی العدالة هو إعطاء کل شخص ما يستحَقّه، سواء تساوت أسهم جميع الافراد أم لا. ان العمل بالعدالة لا ينتهي بالتساوي في اغلب الموارد، ويکون التساوي في مورد تقتضي العدالة فيه عدم التساوي عين الَّلا عدالة.


في الکثير من الاحکام الحقوقية في الاسلام تقرر وجود فرق واختلاف بين الافراد کـ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ونعتبر ذلک عادلاً استناداً للکتاب والسُنّة وکل عصيان له ظلماً، ولکن الذي لا يلتزم بالقرآن والسُنّة ويناقش کيف يمکنه ـ مستعينا بالعقل ـ تقديم اجابة مناسبة عن هذا الفرق؟


هنا نقترب من اعمق الاسس لمسائل فلسفة الحقوق واکثرها إثارة للبحث وهي: «ما هي العدالة؟» ان مفهومها واضح، ولکن کيف تحدد مصاديقها؟


نعرف جيداً ان العدالة هي ان نعطي الحق لصاحبه، ولکن من أين نشخص حق کل شخص؟ وما هي حدوده؟


نترک استقصاء الاجابات العديدة ونقدم اجابتنا المقبولة.


 


منشأ الحقّ والغاية الحقوقِيّة في النظرِيّة الإسلامِيّة


 


الحق بصورة عامة وان کان مفهوما اعتباريا إلّا أنه ذو اصل حقيقي وينتزع من العلاقة بين الفعل وغايته.


و للايضاح نقول: حينما اعتبرنا وجود غاية أخلاقية للفرد، وغاية حقوقية للمجتمع، وطالبنا الفرد والمجتمع بتحقيق غايتهما، فمن الطبيعي أن يستعينا بوسائل للوصول اليها، وينبغي أن يکون لهما الحق في استخدام النعم الالهِيّة لذلک، فلا يمکن الطلب من الفرد والمجتمع بذل الجهود والنشاطات للوصول الی الغاية ولکن لا يسمح لهما استخدام الوسائل المطلوبة.


إذا کانت الاستعانة بالقوی الجسمية والروحية والقابليات المختلفة المادية والمعنوية، وکل ما هو متاح خارج وجود الانسان لتحقيق الغاية الاخلاقية السامية فانها مشروعة ومجازة تماماً، وللمجتمع ايضاً ـ علی هذا النحو ـ حقّ الاستعانة بکلِّ النعم الموجودة داخلاً وخارجاً لتحقيق غايته الحقوقية.


إنّ الغاية الحقوقية للمجتمع هي تحقيق المصلحة الاجتماعية للإنسانية في العالَم، في هذا الأمر يوافق الاسلام الانظمة الحقوقية الأخری ، وما يميز الإسلام ـ وربما الانظمة الحقوقية الالهية الاخری ـ عن الأنظمة غير الاسلامية ويمتاز عنها هو أن الاخيرة لا تنظر إلی خارج إطار الغاية النهائية للحقوق، بينما النظرية الاسلامية تری الغاية النهائية للحقوق ـ في نفسها ـ هدفا وسطيا ووسيلة لبلوغ الغاية النهائية للاخلاق، وهي اکتمال النفس الانسانية والقرب من الله.


ان المذاهب الاخری تری ان استدامة وبقاء الانسان يکون في حدود هذه الحياة القصيرة لهذا العالم، وبالتالي تلاحظ فيما تخطط له وتقدمه من انظمة حقوقية تحقيق المصلحة العامة لافراد الانسان لتتوفر حياة مريحة وهادئة لهم، بينما يعتقد الاسلام بوجود حياة أخری وراء هذا العالم، وليست الدنيا سوی مزرعة للآخرة، وعليه في الوقت الذي يسعی فيه لتحسين أوضاع الحياة الاجتماعية للناس قد وضع نظاماً حقوقياً قيماً وراقياً وجعل الحقوق في خدمة الاخلاق، من هنا فان النظام الحقوقي في الاسلام جزء من النظام الاخلاقي وينسجم ويتلاءم مع کل ما يتضمنه من أحکام جزئية وکلية وينضم اليه دون أي تکلف.


إنّ الالتزام التام بالاحکام والاسس الحقوقية في الاسلام والعمل بمقتضاها ـ إضافة الی تقديم أفضل نظام للحياة الاجتماعية للبشر ـ اذا کان بنية تحصيل الکمال والسعادة الحقيقية أي القرب من الله، فانه في الوقت ذاته امتثال للواجبات الاخلاقية، فالفرد المسلم إذا انصاع للنظام الحقوقي في الاسلام ـ بدون أخذ وردّ ـ وکان دافعه نيل رضا الله والتقرب الی الساحة الربوبية فحسب، فانه يحقق المصالح الدنيوية لنفسه ومجتمعه، کما ينال کماله الحقيقي وبالتالي تتحقق الغايتان الحقوقية والاخلاقية.


و لذا يذکر القرآن الاحکام الحقوقية الی جانب الاحکام الاخلاقية، لأن الاحکام الحقوقية کافة يجب وضعها في إطار الاخلاق.


الآن وقد توضّح إنّ الغاية النهائية للنظام الحقوقي في النظرية الاسلامية بمثابة الغاية النهائية للنظام الاخلاقي نقول:


اذا کان الهدف الإلهي من خلق العالم وموجوداته هو اکتمال فرد واحد فقط کان من حقه ان يستخدم النعم الالهية کلها للوصول الی الهدف المنشود، ولکن الهدف من الخلق هو اکتمال البشرية کلها وليس فرداً واحدا، فيحق للجميع اذن استخدام النعم المادية والمعنوية.


و عند التطبيق وحينما يريد الجميع استخدام النعم الالهية ينشأ التزاحم والنزاع، وللقضاء علی حالات التزاحم يتوجب تعيين حدود للافراد والمجموعات، لکي يستخدم کل فرد أو مجموعة جزءاً من مجموع النعم الالهية لکي يتحقق أفضل النظام.


و عليه فان منشأ الحق ـ في النظرية الاسلامية ـ مجموعة من الامور الحقيقية، مرتبطة من جهة بـ «المبدأ» لأن الله خلق العالم والانسان لهدف معلوم، وبـ «المعاد» من جهة اخری لأنه المحطة الاخيرة لوجود الانسان والغاية لجهوده ومساعيه، وبالتالي فانها مرتبطة بـ «الحکمة الالهية» اذ ان الحکمة الالهية البالغة تقتضي اقامة النظام الافضل، وسلوک البشرية بنحو تتحقق فيه أسمی الکمالات.


في هذا المجال يمکن تقسيم الحقوق الی مجموعتين:


مجموعة يدرک العقل الانساني ـ مستقلاً ـ دليل حقانيتها، أي يدرک جيداً ان البشرية اذا حرمت منها فان الهدف الالهي من الخلق سوف لن يتحقق، فمثلاً اذا منعت البشرية من حق التمتع بالماکولات والمشروبات والألبسة والمساکن، فان الحياة سوف لن تطاق، وهکذا اذا منع الرجال والنساء من حق التزاوج والاستمتاع المتقابل استحال بقاء النسل البشري، أو اذا لم يمتلک افراد الانسان حق الاستعانة ببعضهم والتعاون فيما بينهم تعرض وجود المجتمع والفرد للخطر، وبالتالي لن يتحقق الهدف من الخلق.


في هذه الموارد والکثير من الحقوق الاخری يدرک العقل جيداً ـ بدون الاستعانة بمصدر آخر ـ الترابط بين الفعل والهدف، وبالکشف عن هذا الترابط يدرک ثبوت الحق. ان ثبوت الحق اذن في مثل هذه الموارد من «المستقلات العقلية» ويطلق أحياناً علی هذه المجموعة من الحقوق «الحقوق العقلية» أو «الحقوق الفطرية».


و ثمة مجموعة اخری من الحقو لا يدرک العقل الانساني ما في مواردها من ترابط بين الفعل والهدف، ويتم ادراک ثبوت هذه المجموعة من الحقوق عن طريق الوحي الإلهي، فعندما يُقَرَرُ حقٌّ بالوحي ندرک ضرورة منح هذا الحق لشخص أو فئة خاصة لتحقيق الهدف الإلهي.


و باختصار ان الحق يُنْتَزَعُ دائماً بملاحظة الهدف والترابط بين الفعل والهدف، بيد أنَّ العقل يدرک ـ مستقلّاً ـ في موارد عديدة الترابط بين فعل خاص وبين الهدف، ويحکم بثبوت الحق، ويعجز في موارد اخری عن الکشف عن هذا الترابط، ويقوم الوحي باثبات الحق.


 


منشأ الحقِّ في نظرِيّة المذاهب غير الإلهِيّة


 


لنری الآن ـ بقطع النظر عن الرؤية الکونية الالهيةـ هل يمکن العثور علی توجيه عقلائي للحق أم لا؟


قلنا في مبحث «علم الاجتماع في رؤية القرآن» عن منشأ الحياة الاجتماعية وظهور المجتمع إنّ جماعة تری أنّ منشأ الحياة الاجتماعية هو المتطلبات الطبيعية والباطنية للانسان، وتری جماعة اخری ان ظهور المجتمع ناشيء عن اضطرار بني [البشر]، وتؤکد جماعة ثالثة علی انتخاب افراد الانسان وارادتهم الحرة.


نحن نعتقد ان الحياة الانفرادية بعيداً عن المجتمع وان کانت صعبة وشاقّة إلّا أنها ليست محالة، إذن اشتراک الانسان في الحياة الاجتماعية ـ لحد ما ـ إرادي، ولذا فان لبني آدم في التحاق بعضهم للآخر وتکوين الحياة الجماعية دافعاً وهدفاً عقلائياً، وهو تحقيق المصلحة العامة بنحو أفضل.


و لو لا تحقيق المصلحة الفردية في الحياة الاجتماعية بنحو افضل من الحياة الانفرادية لما کان للانسان دافع للحياة الاجتماعية، وعليه لا بُدَّ من تقسيم حصيلة وثمار الحياة الاجتماعية بين افراد المجتمع کافّة.


و السؤال هنا هو: ما هو ملاک التقسيم وکم هو سهم کل فرد؟


من الطبيعي أنْ يتمتع کل فرد بحصيلة الحياة الاجتماعية بمقدار ما قدّمه من جهود في تحصيلها، أي يجب وجود تناسب وتعادل بين سهم کل فرد من مجموع المنجزات الاجتماعية وبين دوره الفاعل في تحصيلها.


و بما أنّ مستوی العمل والجهد بين الأفراد في توفير المتطلبات العامّة ليس واحدا فان تساوي الأسهم بين جميع الافراد ليس مطلوباً وعادلاً أبداً، وعلی هذا الاساس لا بُدَّ أن يحدد القانون حق کل فرد بمعنی تمتعه بمنجزات الحياة الاجتماعية، وتکون العدالة بمعنی الالتزام الکامل بالتناسب بين العمل وجهود الافراد وبين انتفاعهم.


ولکن يواجه هذا الامر طريقاً مسدوداً في بعض الموارد، فمثلاً ليس علی العجزة والشيوخ أي واجب في تحصيل المنجزات الاجتماعية أو أنّهم يعملون عملاً بسيطاً، ومع ذلک فان المجتمع يصرف قسماً من حصيلة جهوده لرعايتهم وصيانتهم، فعلی أساس الرؤية المذکورة ينبغي حرمانهم من جميع المنجزات الاجتماعية لکي يموتوا عاجلاً او آجلاً ـ لأن من لا يعمل ينبغي ان لا ينتفع بشئ أيضاً ـ إلّا أن يتحمل المجتمع استجابة للمشاعر الانسانية ما تحتاجه رعايتهم من جهود ونفقات.


 


ضرورة وجود الحقوق والاسس الحقوقية في المجتمع


 


لإثبات ضرورة وجود نظام حقوقي في کلِّ مجتمع، نستفيد من مقدمتين:


أ ـ الحياة الاجتماعية للانسان ضرورة عقلية، وهناک اختلاف کبير بين فلاسفة الاجتماع وفلاسفة الحقوق والمفکرين الآخرين ولا وحدة في الرأي بينهم في مجال منشأ ظهور المجتمع والحياة الاجتماعية.


في اعتقادنا ان للعامل الطبيعي والغريزي والعامل العقلاني معاً دوراً في ظهور المجتمع وبقائه، فتلک الضرورة في الحياة الاجتماعية بالنسبة للنمل او النحل لا توجد بين افراد الانسان، أي ليست القضية هي أنه لا يستطيع ان يعيش لوحده، وان تکون الحياة الاجتماعية مقتضی طبيعته، او تصل الی مرحلة من الضرورة بحيث لا يتحمل اجتنابها. نعم للعوامل الطبيعية والغريزية تاثير کبير لا يبلغ الحد الذي لا يدع مجالاً لحرية الارادة والاختيار لدی الانسان، لانه يختار الحياة الاجتماعية، ويتدخل العامل العقلاني في انتخابه، ان انتخاب هذا النوع من الحياة ـ کفعل إرادي ـ يقعع في دائرة القيم الاخلاقية، فعندما يحکم العقل بان الحياة الاجتماعية أرجح من الحياة الانفرادية، وعليه فانها حياة جيدة وقيمة فانه يقصد ـ طبعاً ـ غاية في ذلک، لان مفهوم القبح والحسن الاخلاقي ينتزع من الترابط بين الفعل والغاية.


ان الغاية لدی افراد الانسان من الحياة الاجتماعية هي «التحقيق الافضل لمصالح اکبر عدد من الافراد»، فتلاحظ الکمية والکيفية معاً، فالانسان لو عاش وحيداً لا تتحقق مصالحه، ولو استطاع بعض الافراد من تحقيق قسم من مصالحهم فان ذلک غير متيسر للجميع، وعليه لکي يصل الانسان الی درجة أعلی في کماله لا بد ان تکون له حياة اجتماعية.


ب ـ وجود الاختلافات في الحياة الاجتماعية. کما أنّ الغرائز في باطن الانسان تتزاحم فيما بينها حين الاستجابة لها، ويکون هذا التزاحم منشأ لظهور القيم الاخلاقية فان مثل هذا التزاحم يحصل في المجتمع أيضاً، لان متطلبات الأفراد ـ الناشئة من الميول الغريزية والفطرية ـ تتزاحم فيما بينها عند تحقيقها، والتزاحم الحاصل عند الانتفاع من الامور المادية ينجر ـ شئنا أم أبينا ـ الی الخلاف في المنتفع بالشئ الفلاني وکيف وکم ينتفع به؟ ولحل الخلاف يثبت حق ويتوجه تکليف.


نعم، لو لم يوجد تزاحم، ويجد الانسان کل ما يريده لم تکن هناک ضرورة لوجود الحقوق ولاعتبار الحق والتکليف، لانه في المنطقة التي يجد أي انسان کل ما يبحث عنه فلا حاجة لتخصيص شئ بشخص بحيث يستلزم حرمان الآخرين من ذلک الشئ، ولکن حينما يحصل تزاحم ولا يتأتّي للانسان أن ينتفع بشئ الا بحرمان فرد أو عدة افراد فلا بُدَّ من فرض تحديدات، وکل شئ اختص بفرد او أفراد يکون (حقاً) ويطلب من الآخرين الاقرار بهذا الاختصاص والالتزام بلوازمه وهو (التکليف). من الممکن ان يقر شخص بأصل التزاحم ولکنه ينکر ضرورة وجود اسس حقوقية ويستدل علی ذلک بانه في موارد التزاحم يحصل الافراد ـ علی اساس العقل ـ علی مصالحهم کُلّها، وکُلّ فرد ينتفع من مجموع النعم بمقدار واسلوب تتحقق معه المصلحة العامة بشکل کامل ويحل التزاحم بافضل الصور.


هذا الاستدلال يکذّبه التاريخ قبل أي بحث، فتاريخ الحياة البشرية ـ من البداية حتی اليوم وفي کُلِّ مکان ـ لم يسجل مثل هذا الحل العقلائي وبدافع من حسن النية، ويمکن التنّبؤ ان البشرية في المستقبل لن تخضع لمقتضيات المصلحة العامة الی هذا الحد. وضعف هذا الاستدلال من الناحية النظرية هو أنَّه لَمْ يلاحظ اختلاف افراد الانسان في الدوافع والمعرفة، لأن الالتزام الکامل بالحدود المعينة نتيجة للتوافق الحاصل بين جميع افراد المجتمع رعاية للمصلحة العامة رهين دوافع الحب للانسانية وطلب الخير والحق، وبدون هذه الدوافع لا يمکن أبداً ان يراعي أفراد الإنسان الحدود المصادق عليها والمقررة ولا يتجاوزونها. وتَحَقُق مثل هذه الدوافع السامية هي الأخری رهينة الرشد المعنوي الأخلاقي الخاص والذي لا يحصل للجميع بمستوی واحد أبداً، وإنْ حصل فَإنَّه تدريجي جداً ويستغرق زماناً طويلاً.


و في الوقت الحاضر حيث لم يصل فيه اغلب الناس الی مثل هذا الرشد، وهم ـ طبعاً ـ محرومون من تلک الدوافع نصل الی هذه النتيجة، وهي أن روح الطغيان والتمرد ودافع العدوان والتجاوز هي الغالبة في کُلِّ مجتمع، ولا يقنع اغلب الناس بحقوقهم، ولنيل سهم اکبر يتعدّون الحدود، ولا يراعون حقوق الآخرين.


و من جهة أخری ينتهي الاختلاف في مستوی المعرفة بالخلافات الاجتماعية، افترِضوا ان فرداً أو أفراداً يرغبون في رعاية حدودهم، ولا يبغون ظلم الآخرين أبداً، إلّا أنهم کثيراً ما يختلفون في تعيين الحق والتکليف لکُلِّ فرد، لِأنهم ليسوا في مستوی واحد من المعرفة.


باختصار بما أن جميع الناس لا يتساوون في الدوافع لإحقاق الحق، ويختلفون في مستوی معارفهم فان التزاحم يجرّهم الی الخلاف، ولذا يصبح من الضروري وجود الحقوق ـ بمعنی الضوابط الاجتماعية الالزامية والتي تدعمها الحکومة ـ ولا تکفي أبداً القواعد الاخلاقية المتفق عليها من قِبَل الجميع لحلِّ المشکلات الاجتماعية. مع قطع النظر عن ان عدد هذه القواعد ضئيل، ونظراً لوجود مناقشات طويلة في اغلب الشؤون الاخلاقية فلا بُدَّ من وجود قواعد تشمل شؤون الحياة الاجتماعية کافّة، وتوجِّه تکاليف الزامية، ويکون لها متصدٍّ تنفيذي لکي يمنع الفرد او الفئة التي تريد معارضتها والعقوبة حالة العصيان. بهذه الطريقة تستقيم الحياة الاجتماعية وتنجو من اللانظام والهرج والمرج وتصل الی الغاية النهائية.


 


السلطات الثلاثة


 


کما قلنا ان مستوی المعرفة بين أفراد الانسان ليس واحداً، وهذا الاختلاف في المعرفة يسبب عدم وحدة الرأي في تحديد الحقوق والتکاليف لکل فرد من افراد المجتمع، وفي النتيجة لا يتوقع ان يحدد ويصادق علی مجموعة القواعد الحقوقية في مجتمع ما من خلال الرجوع الی الرأي العام والاستفتاء من الناس، فلا بُدَّ من أنْ يتصدى مرجع ذو صلاحية لهذه المسؤولية المهمّة والخطيرة ويبين حققو الجميع وتکاليفهم، هذا المرجع ذو الصلاحية هو «السلطة التشريعية» في لسان فلاسفة الحقوق.


و بعد وضع الحدود من قبل السلطة التشريعية، واتضاح الاحکام والضوابط الحقوقِيّة ينشأ اختلاف أيضاً عند تطبيق الأحکام والضوابط المذکورة في مواردها الخاصّة، لأن القواعد الحقوقية عبارة عن مجموعة من القوانين العامّة ولا يمکن وجود قانون مستقلّ لکل قضية جزئية، ولذا قد يحصل اختلاف في مصداقية هذا المورد الجزئي لاي قانون ومنشأ هذا الاختلاف أحد أمرين:


إما ان يطلب کُلّ طرف من طرفي الاختلاف حقه حقيقة، ولا ينوي التعدِّي علی حقوق الآخرين، ولکنه لا يعلم ما هو حقه وحق طرفه؟ أو ان کل طرف او احدهما ينوي التعدي علی حقِّ الآخر، ويريد فرض غرضه السيء استناداً الی اساس حقوقي.


علی أيِّ حال لا يکفي مجرد وجود السلطة التشريعية لتحقيق الغاية من الحقوق وبسط العدالة الاجتماعية وتحقيق المصلحة العامة، بل من الضروري وجود سلطة اخری تقوم بالقضاء بين الناس لدفع التزاحم والنزاع بين الافراد، هذه السلطة ـ التی تمثل المرجع لأفراد المجتمع في تطبيق القواعد الحقوقية علی مواردها الخاصة ـ هي >السلطة القضائيةالسلطة التنفيذيةالضوابط الاجتماعية».


في الانظمة الديمقراطية لکي تکون الحقوق الاساسية معتبرة يقوم الشعب أوّلاً بانتخاب أعضاء «المجلس التأسيسي»، ثم يقوم هؤلاء بوضع مجموعة من الحقوق الاساسية ويصادقون عليها، وللمزيد من الاعتبار لها ـ ويطلق عليها القانون الاساسي ـ تعرض علی الشعب للموافقة عليها.


 


أقسام الحقوق


 


باستثناء الحقوق الاساسية فان جميع الضوابط الاجتماعية الاخری توضع بعد تشکيل السلطة التشريعية، وتضم أقساما يتمّ توضيحها.


إنَّ أوّل ما ينتظره المجتمع من المرجع الذي له صلاحية التقنين هو: أنْ يحدد الحق والتکليف لکل فرد وفئة، ويطلق على مجموعة القواعد الحقوقية التي تتولی بيان حقوق افراد المجتمع وتکاليفهم: «الحقوق المدنية»، والمقنن قبل کل شئ يوجه اهتمامه نحو وضع القوانين المدنية، والحقوق الاقتصادية جزء من الحقوق المدنية.


و بعد وضع القوانين المدنية وتحديد الحقوق والتکاليف بالنسبة للأفراد والفئات ـ کواقع ونفس الامر ـ تطبق القوانين المذکورة علی مصاديقها، ويوکل أمر تحديد حقوق وتکاليف الافراد ـ رسما وبصورة معتبرة ـ الی السلطة القضائية، ولکن هذه السلطة في نفسها بحاجة الی أحکام وضوابط. يطلق علی القسم الآخر من الحقوق الذي يختص بهذا النوع من الضوابط: «الحقوق القضائية» وموضوعها الخلافات الواقعة بين الشعب، فبعد ان يرفع القاضي الخلاف يحدد حق وتکليف کل من المتخاصمين، ولا يحق لاحدهما التمرد علی حکمه، ومن قام بذلک فانه يستحق العقوبة.


و عليه يجب وضع قوانين للعقوبات کماً وکيفاً، ولذا يوجد قسم آخر من الحقوق هو «الحقوق الجزائية».


و بعد تحديد العقوبة ـ من قبل القاضي ـ يکون تنفيذها من واجبات الحکومة، کما يجب علی الحکومة تنفيذ القوانين المدنية في وقتها المناسب بمقدار ما يتعلق بالسلطة التنفيذية.


و کيفية التنفيذ ايضاً بحاجة الی أحکام وضوابط تبين في «الحقوق السياسية»، وعليه فان «الحقوق السياسية» جزء من الحقوق التي تعتبر الحکومة والاعمال المتعلقة بها موضوعاً لها.


و أخيراً، نحن بحاجة الی مجموعة أخری من الضوابط التي تحکم العلاقات بين المجتمعات المختلفة، فکل مجتمع ـ في داخله ـ قد يعتبر نظاماً حقوقياً يختلف مع الانظمة والاحکام المعتبرة في المجتمعات الاخری ، فاذا تضاربت مصالح مجتمعين أو أکثر فحلّ المشکلة يقتضي وجود ضوابط يتم طرحها علی صعيد «الحقوق الدولية»


الی هنا توضَّح أنّ الحقوق ذات أقسام أساسية ست هي علی التوالي:


الحقوق الاساسية، الحقوق المدنية، الحقوق القضائية، الحقوق الجزائية، الحقوق السياسية والحقوق الدولية.


هذا التقسيم يلاحظ کذلک مع اختلاف يسير في جميع الکتب الحقوقية وبحوث الحقوقيين.


 


مصادر الحقوق


 


کل نظام حقوقي عبارة عن مجموعة من القواعد والأحکام الحقوقِيّة، وتستخرج _ في الغالب_ من مصدر أو مصدرين أو عدة مصادر، وما اقتبس من مصادر مختلفة يعرض بصياغة ونظم جديد. وفي الحقيقة ما يکون سبباً لتميز نظام حقوقي عن الانظمة الاخری قد يکون هو الصياغة التأليفية الجديدة، ولتحقيق هذا التمايز لا ضرورة للتغاير بين أجزاء وعناصر ومفاهيم وقواعد النظام المذکور مع مواد الانظمة الاخری . وفي الاساس لا يمکن العثور علی نظام حقوقي تختلف جميع مواده المؤلفة مع مواد الانظمة الاخری تماماً، وعليه من الممکن أنْ تقتبس عدة أنظمة حقوقية مختلفة في عناصرها وأجزائها من مصادر مماثلة، وعلی أيِّ حال فان «مصادر الحقوق» لنظام حقوقي عبارة عن المصادر التي استخرجت منه أحکام وقواعد ذلک النظام.


إنّ مصدر الحقوق نفسه يمکن أن يکون نظاماً حقوقياً، فمثلاً تعدُّ «حقوق الروم» و«حقوق الاسلام» ـ وهما نظامان حقوقيان ـ من «مصادر الحقوق الفرنسية» کما أنَّ الحقوق الفرنسية كانت من مصادر الحقوق المصرية واللبنانية والعراقية وكذلك الحقوق الفرنسية والحقوق البلجيکية کانت من مصادر الحقوق الإيرانية بعد ثورة الدستور.


و «المنهج القضائي» أيضاً يمکن أنْ يکون من مصادر الحقوق، أي ما يتحصل من مجموع الدراسات في تاريخ القضاء والقضاة يمکن أنْ يکون مستنداً للقاضي ـ في الحکم الخاص الذي يصدره في مورد خاص ـ وعليه فان منهج القضاء ـ بمعنی عمليات القضاء المتشابهة التي مارسها القُضاة المشهورون في العالَم في القضايا المشابهة ـ يضفي اعتبارا علی حکم القاضي سواء ورد ذلک في نص «الحقوق القضائية» أم لا.


و اضافة الی أنظمة الحقوق السالفة والمنهج القضائي فان العرف والاخلاق والدين ايضاً يمکن ان تکون من مصادر النظام الحقوقي.


 


مصادر الحقوق في الاسلام


 


لم يستعمل أصوليو وفقهاء الاسلام ـ قديما وحديثا ـ اصطلاح «مصادر الحقوق» ابداً، بل استعملوا عبارة «أدلة الفقه» وان لم ترادفها في المفهوم ولکن يمکن استعمالها بديلة عنها. وعلى أي حال يذکرعلماء المسلمين مجموعة من المصادر تحت عنوان ادلة الفقه منها: الکتاب، السنة، الاجماع والعقل، ويضيف بعض الاصوليين ادلة أو مصادر أخری اليها وهي: القياس ، الاستحسان، المصالح المرسلة، فتح وسدّ الذرايع، العرف، مذهب الصحابي، والشرائع الالهية العامة التي سادت قبل الدين الاسلامي. والحق هو ان المصدر الوحيد للحقوق في الاسلام هو «الارادة التشريعية الالهية» فحسب، ويعني ذلک ان القاعدة والحکم يکون معتبراً في منظار الاسلام حينما يستند الی الارادة التشريعية الالهية، وان الاستناد لأي مصدر آخر لا يمنح الاعتبار للقاعدة والحکم الحقوقي. إنّ أهمية الکتاب العزيز التي لا نظير لها في الدرجة الاولی والسنة في الدرجة الثانية تنشأ من کونهما دليلين علی الارادة التشريعية الالهية، أي إذا أردنا معرفة حکم الله تعالی في مورد فلا سبيل سوی الرجوع اليهما، وبعبارة أخری انّهما ليسا في أنفسهما مصدرين بل انهما يرشداننا الی المصدر الاساس.


و «الاجماع» لا يعتبر مصدراً مستقلّاً فاذا أصدر جميع الفقهاء وعلماء الدين في زمان ما أو في جميع العصور حکماً واحداً في مسألة ما، فان مجرد وحدة الرأي لا تضفي اعتباراً وقيمة لذلک الحکم، کاعتبار «المنهج القضائي» بوصفه أحد مصادر الانظمة الحقوقية الأخری .


و لهذا الدليل لا نعتبر أي اجماع حجة، وانما يکون حجة في حالة واحدة هي ان يحصل لدينا يقين أو ظن متاخم للاطمئنان ـ علی الاقل ـ بان اتحاد رأي العلماء في مورد قد حصل من توصّلهم جميعاً الی سنة لا علم لنا بها حالياً، أي کان في ايديهم جميعا خبر أو عدة اخبار من السنة فاستخرجوا ذلک الحکم منها. ان حجية الاجماع اذن ناشئة من کونه حاکياً عن السنة وکاشفا عن الإرادة التشريعية الالهية.


و «العقل» هو الآخر ليس مصدراً مستقلّاً أبداً، بل انه حجة ومعتبر مادام قادراً علی الکشف القطعي عن الارادة التشريعية الالهية.


و الادلة السبعة أو المصدر الآخر الذي ذکرناه لا تصلح لان تکون مصدراً للحقوق، لان حجية بعضها قد تمّ نفيه وانکاره تماماً، ويرجع ما بقي منها ـ في أغلب الموارد ـ الى أحد الأدلة الأربعة: الکتاب، السنة، الاجماع والعقل.


يجب القول إذن إنّ الحقوق الاسلامية کافة تستند فقط الی الارادة الالهية وحجية الکتاب، السنة، الاجماع والعقل ناشئة من کونها کاشفة عن الارادة الالهية، ولا تعتبر أبداً مصادر مستقلة في عرض الارادة التشريعية الالهية.


 


أسس الحقوق أوملاکات الاحکام الحقوقية


 


خلط الکثير من فلاسفة الحقوق بين مصادر الحقوق وأسسها وظنوا أنّها أمر واحد، وبعض آخر ـ ولهم تفکير أعمق ـ اعتقدوا انهما أمران، ولبحث هذه المسألة، لا بد أن نذکر مقدمة:


يعتقد جمع من الفلاسفة ان لکل حرکة في العالم هدفاً. بينما نحن لا نصدّق بان الحرکة لها هدف مطلقا، ونعتقد ان کل فاعل مختار ـ ومنه الانسان ـ يعمل من أجل تحقيق هدفه، فالمطلوب الاصلي وبالذات هو الوصول الی الهدف، ومطلوبية ذلک العمل أمر آلي وعَرَضي بعمله، أي انه مطلوب لانه يوصل الی الهدف، فلو أمکن ان يحقق هدفه بدون أداء ذلک العمل فانه لم يباشر به أبداً، وبتعبير فلسفي ان الرغبة في الوصول الی الهدف علّة غائية لافعال الانسان الارادية.


و قد يکون الهدف المنشود من فعل ما بنفسه واسطة للوصول الی هدف آخر ويمکن ان تستمر هذه السلسلة، فمثلاً يقوم الصناعي بصنع شئ ما لکي يبيعه (الهدف الاوّل) فيبيعه لکي يحصل علی المال (الهدف الثاني) فيحصل علی المال ليشتري ما يحتاجه في حياته وحياة عائلته (الهدف الثالث) فيشتريه لکي ينتفع به الجميع (الهدف الرابع)، ولکن لا يمثل اي واحد منها هدفا نهائياً لديه، بل ان هدفه النهائي هو رفع الحاجة من خلال الانتفاع بالمشتريات والالتذاذ بها (الهدف الخامس). افراد الانسان اذن لهم اهداف عديدة ومتعاقبة في حياتهم وأفعالهم الارادية ولا بد ان تختتم ـ في النهاية ـ بهدف أصلي مطلوب ذاتاً، أي مطلوب في نفسه، لا أن يکون وسيلة للوصول الی هدف آخر، ومن الطبيعي أن يخطأ الانسان في تشخيص ما يجب أن يکون مطلوب ذاتياً وهدفاً نهائياً لأعماله کلها، ولا يصل في النهاية الی کماله الحقيقي.


و يصدق هذا الکلام في الامور التکوينية والاعتبارية وان کانت عملية الاعتبار فعلاً تکوينياً وله مضمون اعتباري فقط.


إنّ مجموعة الاحکام والضوابط الاجتماعية ـ والتي تشکل نظاماً حقوقياً ـ يجب أنْ يترتب عليها هدف مباشر، هذا الهدف هو ضمان سعادة الإنسان في الحياة الاجتماعية، ولکن هل هناک هدف آخر يکون الهدف الأوّل وسيلة الوصول إليه أم لا؟


و بعبارة اخری هل ان «ضمان سعادة الانسان في الحياة الاجتماعية» هدف نهائي أم متوسط؟ هل هو مطلوب ذاتي اصلي أم لا؟


في الاجابة عن هذه الاسئلة يتميز النظام الحقوقي في الاسلام عن الانظمة الاخری وينفصل عنها، فالانظمة الحقوقية الاخری لا تعرف هدفاً وراء ضمان سعادة الانسان في الحياة الاجتماعية، وبالتالي تعتبره هدفا نهائيا او مطلوبا ذاتيا، لانها اما ذات رؤية کونية مادية، او تهتم بمصالح تتحقق في هذه الدنيا، قال تعالی :


(يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)


(فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا؛ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)


بينما لا يری الدين الاسلامي المقدس سعادة الانسان في الحياة الدنيا هدفا للخلق، ان الهدف من خلق الانسان أکبر من ذلک وهو التقريب الاکبر من الله سبحانه.


و عليه فان الغاية النهائية لافعال الانسان کافّة ـ والسلوک الاجتماعي جزء منها ـ يجب أنْ تکون التقرّب الی الذات الالهية المقدسة، وسعادة الانسان في الحياة الدنيا مطلوبة لهذا الامر فقط، وهو ان تکون وسيلة للوصول الی الهدف النهائي.


و ما ذُکِرَ يصدق ايضاً في أيِّ نظام حقوقي، إذن لکل نظام حقوقي هدف خارج عن دائرة الحقوق، إذْ إِنَّها تشمل احکاماً وقواعد تتعلق بالسلوک الاجتماعي، أمّا هدف الحقوق فانه النتيجة المترتبة علی التنفيذ الدقيق للاحکام والقواعد المذکورة، وعليه لا يمکن ان يکون الهدف من الحقوق قسماً من تلک الاحکام والقواعد.


هذا الهدف هو ضمان سعادة الانسان في الحياة الاجتماعية، والفرق بين النظام الحقوقي في الاسلام مع الانظمة الاخری يکمن في أَنَّها تعتقد أنّ ضمان سعادة الانسان في الحياة الاجتماعية هو الهدف الاساس والمطلوب الذاتي، بينما أتباع النظام الحقوقي في الاسلام وان کان مرادهم هو ضمان سعادتهم في الحياة الاجتماعية بهذه الوسيلة إلّا أنّهم يعتبرون هذه السعادة وسيلة للوصول الی کمالهم الحقيقي ـ وهو التقرب من الساحة الالهية المقدسة ـ ولا يعتبرونها هدفاً أساسياً ومطلوبا بالذات، من هنا فان الاحکام والقواعد في النظام الحقوقي في الاسلام قد نُظِّمَت بنحو لا تتنافي مع الهدف النهائي فحسب، بل لها تاثير ايجابي وأکيد في طريق الوصول اليه.


لنری الآن ما معنی السعادة الاجتماعية ـ وتمثل الهدف القريب لأي نظام حقوقيّ؟ إنّ السعادة الاجتماعية مفهوم عام جداً ويجب تظافر أمور اجتماعية کثيرة لکي تتوفر ظروف يمکن انتزاع السعادة الاجتماعية منها، وجميع هذه الامور مفاهيم عامة أيضاً إلّا أن هناک ـ علی الأقل ـ فرقين بينها وبين مفهوم السعادة الاجتماعية:


أولّاً: إنّ شمولية کل واحدة منها لا يکون بحجم شمولية مفهوم السعادة الاجتماعية.


ثانياً: لا يعتبر أي منها هدفا للنظام الحقوقي کالسعادة الاجتماعية. فکلّ واحد من هذه الأُمور وإن صحّ اعتباره هدفاً إلَّا أنه ليس الهدف الرئيس للنظام الحقوقي، بل الهدف لمجموعة من القواعد والاحکام الحقوقية والسلوک الاجتماعي.


و بتعبير آخر يعدّ کل قسم من القواعد والاحکام الحقوقية والسلوک الاجتماعي بمثابة «الوسيلة» لتحقيق أحد هذه الامور، وجميعها وسائل لتحقيق السعادة الاجتماعية، أي أنّها واسطة بين الاحکام والقواعد الحقوقية وبين السعادة الاجتماعية، حيث إنّ العمل بمقتضی کل مجموعة من الاحکام والقواعد الحقوقية يحقق احد هذه الامور في الساحة الاجتماعية، وبتحقق جميع الامور تتحقق السعادة الاجتماعية.


اتضح أن المقنن في کل نظام حقوقي يلاحظ مجموعة من المصالح العامة، ويعتقد أنّ المجتمع يکون سعيداً فيما لو تحققت فيه تلک المصالح، ثم يؤسس نظامه الحقوقي بنحو يتحقق بکل قسم من القواعد والاحکام احد تلک المصالح، لهذا نطلق علی هذه المصالح العامة: «اسس الحقوق».


الآن وقد تعرّفنا علی مفهوم اسس الحقوق، يطرح هذا السؤال: ما هي اسس الحقوق؟ هناک اختلاف وتنوع في رؤية المذاهب المختلفة عند الاجابة عن هذا السؤال.


نذکر بصورة اجمالية بان بسط العدالة، فرض النظام، استتباب الأمن، توفير الراحة والرفاه المادي والتقدم المدني والثقافي من اسسس الحقوق.


إنّ اطلاق اسس الحقوق علی هذه القضايا يشعر بانها في نفسها ليست جزءا من الحقوق بل خارجة عن دائرة الحقوق. فلا يمکن اعتبار قواعد واحکام من قبيل: «يجب بسط العدالة في المجتمع» أو «لا بد من فرض النظام بين الناس» قواعد واحکاما حقوقية، لأنها لا تلزم ولا تکلف افراد المجتمع ـ بأي وجه ـ بسلوک خاص.


صحيح ان من الواجب بسط العدالة الاجتماعية، إلّا أنّ هذا الحکم لا يدلُّ علی أنّ أفراد المجتمع ماذا يجب أن يعملوا أو يحترزوا منه لکي تتحقق العدالة. إنّ القاعدة والحکم الحقوقي يطلب دائماً سلوکاً خاصاً ومعيناً من مخاطبيه، وبما ان اسس الحقوق ليس لها هذه الحالة فينبغي اعتبارها خارج نطاق الحقوق.


باختصار، إنَّ اسس الحقوق عبارة عن مجموعة من الأحکام والقواعد العامّة التي تکون درجة شمولها أدنی من درجة شمول هدف النظام الحقوقي، وأعلی من درجة شمول أيّ حکم وقاعدة حقوقية. ولا يطلب أي واحد من هذه الاحکام والقواعد سلوکاً خاصاً من ابناء المجتمع، بل ان العمل بمجموعة من الاحکام والقواعد الحقوقية يحقق مضمون احد هذه الاسس في المجتمع. من هنا يمکن القول إنّ کل مجموعة من الأحکام والقواعد الحقوقية بمثابة المقدمة لأحد أسس الحقوق.


باختصار: إنّ کل أساس من أسس الحقوق مصلحة تترتب علي العمل بمقتضى مجموعة من الاحکام والقواعد الحقوقية.


ولو تکلمنا بلغة الاصوليين أمکن استعمال «ملاکات الاحکام الحقوقية» بدلاً عن «اسس الحقوق». نحن نعتقد ان الاحکام الشرعية کافّة ـ ومنها الاحکام الحقوقية ـ ذات مصالح ومفاسد واقعية ونفس أمرية. لو ادرجنا هذه المصالح والمفاسد تحت عناوين عامّة امکن القول إِنَّ کل مجموعة من الاحکام الحقوقية تحقّق أحد تلک العناوين، وهذه العناوين العامّة هي أُسس الحقوق.


 


ثمرة البحث في أُسس الحقوق


 


أصبحت هذه المسألة موضوعاً للکثير من المباحثات والمحاورات بين فلاسفة الحقوق، وقد حاول بعض اعتبار البحث والتحاور حول أسس الحقوق عملا ً لاغياً، فيما أصرّ بعض آخر علی ترتُّب ثمار على هذا البحث واعتبروا من ثماره العملية ان في الموارد التي لا ينص القانون فيها بحکم ويسکت فيها نفياً واثباتاً، يجوز للقاضي العارف بأُسس الحقوق ان يصدر حکماً علی اساسها، ولذا قد يقال: إِنَّ القاضي يحکم علی أساس روح القانون. إذا کانت أُسس الحقوق معلومة فان القاضي يعلم بالهدف الذي توخاه المقنن من وضع القانون، وبالتالي لو ادرک في مورد أن حکماً خاصاً يحقِّقُ ذلک الهدف، فإنّه يصدر ذلک الحکم بدون تردد وان لم يدوّن في نص القانون. ففي معرفة أُسس الحقوق اذن تکمن الثمرة ـ علی الاقل ـ وهي فتح الطريق أمام القاضي في بعض الموارد وانقاذه من مشکلة فقد القانون.


إنّ معرفة اسس الحقوق يمکن أن تکون بالنسبة للفقيه حلّاً لة للمشکلات وأمراً مؤثِّراً، فالفقيه مثلاً يمکنه لفهم العلّة القطعية للحکم وإسرائها الی الموارد المشابهة ان يستعين باسس الحقوق، ولکن المشکلة هي ان تحديد هذه الاسس ليس امراً بسيطاً ويسيراً ولم يقم فقهاؤنا بالبحث في أُسس الحقوق في الاسلام، وإنّ اشاروا اليها في تضاعيف بحوثهم.


 

ارسل تعلیقك

: : :

 

عدد التعلیقات: 0

جمیع التعلیقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن راي إدارة الموقع