بادر اليمنيون مرة جديدة مع آل سعود ومدوا لهم يد السلام وهم في أوج قوتهم؛ الأمر الذي وضع السعودية أمام اختبار جديد و"صعب" للغاية نظرا للظروف الاستثنائية التي تمر بها المملكة، ولا نبالغ اذا قلنا أن آل سعود عالقين بين فكي كماشة وأي خيار سيختارونه خلال المرحلة المقبلة سيكون له تداعيات سلبية للغاية على الأسرة الحاكمة وبالتحديد على ولي العهد محمد بن سلمان، ومع ذلك سيكون خيار السلام هو الأفضل للعائلة الحاكمة للأسباب التالية:
أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية خذلت آل سعود وتركتهم وحيدين يواجهون مصيرهم وعلى الرغم من معرفتهم بأن واشنطن لم ولن تدافع عنهم إلا انهم لايستطيعون التخلي عنها وهم في أوج ضعفهم.
الولايات المتحدة كانت صريحة مع السعودية، وقالت نحن نوفر الدعم لا الحماية، اذ أعلن وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، الجمعة، إرسال تعزيزات عسكريّة أميركيّة إلى الخليج بطلب من السعودية والإمارات، بعد الهجمات التي استهدفت منشأتَي نفط سعوديّتين.
وأضاف إسبر: "منعًا لمزيد من التّصعيد، طلبت السعودية مساعدةً دوليّة لحماية البنية التحتيّة الحيويّة للمملكة، كما طلبت الإمارات العربية المتّحدة مساعدةً" أيضاً.
و أوضح إسبر، في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع رئيس هيئة الأركان الجنرال جوزف دانفورد، أن الغرض من هذه الخطوة "مساعدة السعودية لتعزيز دفاعاتها". وأضاف أن هذا الإجراء يشكل "الخطوة الأولى" في إطار الرد على هجمات أرامكو التي تنتظر واشنطن "التحقيقات السعودية بشأنها".
ومن اللافت ان مهمة القوات الأمريكية التي تقرر إرسالها تقنية وليست قتالية. تماما كتلك التي سبقتها في مطلع الصيف لتشغيل شبكات الدفاع المضادة من "باتريوت" وغيرها من وسائل الدفاع.
يعني بالمختصر التعزيزات العسكرية لن تقدم شيء، لا على المستوى التقني ولا البشري لأن التجارب الأخيرة للأسلحة الامريكية أظهرت مدى فشلها في ايقاف هجمات "انصار الله"، ولن تكون هذه التعزيزات سوى عبء جديد على الخزانة السعودية، لذلك يبقى خيار السلام هو الافضل.
ثانياً: صديقة آل سعود الولايات المتحدة الأمريكية لن تشن حربا على ايران لكي تشفي غرور آل سعود، وهذا الأمر كان واضحا في كلام الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وأوضح هذا المنحى بتأكيده أنه "يتحلّى بضبط النفس" حيال إيران، ويفضل خيار العقوبات على العمل العسكري، إذ قال: «"العقوبات الأخيرة ضد إيران ستؤتي أُكلها، والخيار العسكري سينجح، ولكن لا ينبغي اللجوء إليه أبداً". كما أكد أنه يقوم "بما أراه مناسباً لمصلحة الولايات المتحدة وليس لمصلحة أي طرف آخر".
ترامب كان يحاول دائما ابراز قوة الجيش الامريكي وانه اذا دخل حرب لابد ان ينتصر فيه، مع انه يعلم ان هذا الكلام اصبح "وهما" ولا معنى له بعد حرب العراق، لكن عليه ان يقول ذلك في الاعلام من أجل ان تبقى ثقة الحلفاء والشعب به كبيرة، وفي نفس الوقت يحصل على المزيد من المال السعودي، عبر ايهام آل سعود مرة جديد بأنه يحميهم، لكن في المقابل الجميع يعلم ان هذه الحماية بعد طائرات "انصار الله" ذهبت ادراج الرياح.
الكاتب الشهير في صحيفة "نيويورك تايمز" نيكولاس كريستوف نشر مقالة رفض فيها تورط الولايات المتحدة الأميركية في حرب مع إيران من أجل السعودية، معتبراً أن الجيش الأميركي ليس مرتزقة لحكام مجرمين.
وقال كريستوف: "نحن في هذه الفوضى لأن ترامب تخلى عن الاتفاق النووي الإيراني وجادل الصقور بأنه بإمكاننا ممارسة "أقصى ضغط" على إيران لجعلها تركع، من دون أن نقدر أن إيران قد تزيد من الضغوط علينا".
ثالثاً: السعودية أدركت انها عاجزة عن انهاء حرب اليمن وانها اصبحت متورطة فيها حتى النخاع، وانها اصبحت وحيدة في ميدان الحرب، وان الجميع تخلى عنها، وان القضاء على "انصار الله" اصبح امرا مستحيلا، وان الحصول على مكاسب أمر بعيد المنال بعد ان خذلتها الامارات في الجنوب، وان اعادة ما يسمى بالشرعية أصبح امرا من الماضي، لذلك لم يتبق امامها سوى الاعتراف بالفشل والقبول بالسلام مع "انصار الله" حتى لو اعتبرت ان الامر هو انتصار سياسي "ضمني" لجماعة "انصار الله" بعد الانتصار العسكري الاخير الذي حققوه إلا انه يبقى الخيار الافضل.