بعد مدة ليست بالبعيدة تدخل الحرب اليمنية عامها الخامس، دون أن تصل الأطراف المتنازعة إلى اتفاق يثلج صدور اليمنيين الذين دمرتهم الحرب وشردتهم جراء القصف السعودي اليومي على منازلهم وأحيائهم ومدارسهم، وعلى الرغم من جميع المفاوضات التي جرت في الفترات الماضية والدعوات إلى التهدئة لم يتم وضع حد لهذه الحرب الشرسة، واذا بحثت عن الأسباب ستجد أن آل سعود هم المسؤولون عن ابقاء اليمن تائها بين حالة الحرب والسلم لغايات تريدها السعودية ستتمخض قريبا بعد رسم معادلات جديدة في المنطقة على خلفية عملية بغداد التي اودت بالجنرال الايراني قاسم سليماني بقصف أمريكي استهدف موكبه في بغداد، ولان السعودية تعي جيدا مدى قدرات طهران الهائلة وقدرتها على الرد ستنتظر إن كان بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية ضبط الموقف واحتواء الجريمة التي تسببتها والتي قد تشعل حربا عالمية ثالثة وفي حال فشلت كما هي العادة وبحسب التاريخ القديم والحديث للولايات المتحدة فإن السعودية ستجنح نحو السلام مع حركة "انصار الله" وتوقف الحرب على وجه السرعة إلا أن الرياض ستكون الخاسر الأكبر في حال انتظرت إلى تلك المرحلة.
مع مطلع العام الجديد هناك ثلاثة أمور أساسية تشكل تحديا فيما يخص حرب اليمن، الأول يتعلق بتداعيات استشهاد الجنرال سليماني وطبيعة الرد الايراني على هذه الجريمة والنتائج التي سترخي بظلالها على المنطقة برمتها، والأمر الثاني يتعلق باتفاق الرياض الذي وُقّع بين الحكومة اليمنية والانفصاليين جنوبي البلاد، بعد الانقلاب الذي نفذوه في أغسطس/آب الماضي، وبإمكانية المضي فيه لتشكيل حكومة والانسحابات الأمنية والعسكرية المنصوص عليها ضمن بنوده، أما التحدي الثالث فيتمثّل بالتهدئة السعودية مع "انصار الله"، وإمكانية صمودها أو تطورها إلى هدنة طويلة الأمد، من عدمها، لتبقى التسوية السياسية الشاملة بعيدة، على الأقل في المدى المنظور.
ما يمكن استنتاجه من السلوك السعودي خلال الأشهر الثلاثة الماضية هو محاولة تبريد الحرب وتجميدها عند المرحلة الراهنة والابقاء على حالة اللاحرب واللاسلم ريثما تخرج الرياض إلى معادلة اقليمية ودولية جديدة قائمة على مفاعيل الحرب الاقتصادية التي تقوم بها الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول الاوربية على ايران بالاضافة إلى نتائج التصدع والاحتجاجات التي تشهدها لبنان والعراق باعتبار هذه الاحداث في "المحور الإيراني" وبالتالي سحب هذه الحالة طوال العام القادم 2020 ، يمكن أن يحدث ذلك إذا كانت الحرب جامدة ، لكنها ليست كذلك وتصريحات القيادات السياسية والعسكرية في العاصمة صنعاء تتجه نحو التصعيد فالتهدئة الطويلة مع بقاء الحصار وحالة اللاحرب واللاسلم ورقة سعودية سيجري حرقها بعودة اطلاق الصواريخ الباليستية واستهداف العمق السعودي وخصوصا بعد الحديث أن المشاورات اليمنية السعودية في مسقط قد وصلت إلى طريق مسدود .
العميد يحيى سريع، المُتحدّث العسكريّ باسم قوّات حركة “أنصار الله” وحُلفائها، قبل ايام هدد بتوسيع رُقعة أهدافها العسكريّة ليشمَل مراكز حيويّة، وحسّاسة، على طُول وعَرض جُغرافيا دول العُدوان، من ضِمنها ستّة أهداف بالغة الأهميّة في السعوديّة وثلاثة أُخرى في الإمارات، هذا التّهديد يعني للوهلةِ الأولى أنّ المُفاوضات السريّة التي بدأت في أيلول (سبتمبر) الماضي ربّما وصلت إلى طريقٍ مسدود، وأنّ التوتّر عاد إلى المُربّع الأوّل.
مِن الطّبيعي أن لا يُفصِح العميد سريع عن هذهِ الأهداف، وكيفيّة ضربها في البَلدين المذكورين، لأنّ هذا الأمر مِن الأسرار العسكريّة، ولكن ما يُمكِن استنتاجه بالقِياس إلى الهجَمات العسكريّة السّابقة لحركة “أنصار الله” وقوّاتها مِن المُتوقّع أن تكون مطارات ومُنشآت نفطيّة.
والشّيء نفسه يُمكن قوله أيضًا عن الأهداف الإماراتيّة الثّلاثة، عُنصر المُفاجأة هُنا ربّما يكون أكبر، لسببٍ بسيط وهو أنّ الحوثيين لم يستَهدِفوا العُمق الإماراتيّ، ومُنشآته الحيويّة بأيّ هُجومٍ في السّابق، ومن غير المُستبعد أن تكون مصافي النّفط، وربّما محطّات الماء والكهرباء والمطارات من بين الأهداف.
أي أن التكتيكات غير المتماثلة لأنصار الله، جنباً إلى جنب مع القدرات التقليدية للجيش اليمني، هي قادرة على جلب مملكة محمد بن سلمان السعودية على ركبتيها.
فالقوة الصاروخية للجيش اليمني قادرة على تنفيذ هجمات معقدة للغاية، ولا شك انها نتيجة لاستطلاع ومساعدة قدمها السكان المحليون داخل المملكة والذين هم ضد دكتاتورية آل سعود.
بالمختصر؛ الواضح وبعد سنوات الحرب على اليمن، بأن العدوان السعودي مُستمر، بهذا الاستمرار ستتعمق خسائر السعودية وأدواتها أكثر فأكثر، فالواضح أن العدوان السعودي قد فشل في تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية منذ بداية الحرب على اليمن، وهنا لم يكن خيار لجوء السعودية إلى المفاوضات السياسية، إلا بعد تعثر الإنجازات الميدانية، لكن السعودية أيضاً قد قامت باستغلال مناخ المفاوضات، لتحقيق تقدم ميداني على الارض، وفي جانب اخر، حاولت السعودية عبر هذه المفاوضات ذر الرماد في أعين المجتمع الدولي، بُغية تخفيف الضغط عليها، وإلقاء الكرة في ملعب صنعاء، لكن اصرار الجانب السعودي على استهداف المدنيين وارتكاب المجازر بحق الشعب اليمني، لن يوقف بوصلة الجيش اليمني واللجان الشعبية، هي بوصلة توجهت نحو ايقاف العدوان الهمجي على الشعب اليمني، سواء عن طريق السياسية، أو أن مفاجآت اليمنيين هذه المرة، ستُطيح بآل سعود.
2020 إما خروج سعودي من هذه الحرب أو تصعيد يمني غير مسبوق يضيف تعقيدا جديدا أمام السعودية .