عاجل:
مشروعية محاسبة الحكام
حدث وتحليل 2018-03-11 11:03 524 0

مشروعية محاسبة الحكام

بسم الله الرحمن الرحيم

محاسبة الحكام بقلم الدكتور محمد بن عبد الله المسعري


مشروعية محاسبة الحكام:

إن المهمة الأساسية للحاكم هي رعاية شؤون الأمة , لأنه ما نصب إلا لذلك, فان قصر في مهمته وجبت محاسبته من قبل المسلمين وجوب كفاية, قال عز وجل : " وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا "( البقرة : 143) , ويقول أيضا في الآية 135 من سورة النساء : " يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين ", فكيف تكون الأمة شهيدة على الناس إن لم تكن شاهدة على نفسها ؟ وذلك بطبيعة الحال شامل لكل أفراد الأمة وبالأخص الحكام.

يروى عن أم سلمة ما جاء في معناه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم أنه يأتي على المسلمين زمان من أنكر بلسانه على الأمراء فقد بريء , ومن أنكر بقلبه سلم و لكن من رضي وتابع فانه يهلك, قيل له : يا رسول الله أنقاتلهم؟ فقال : لا, ما أقاموا فيكم الصلاة, أو ما صلوا, فتبين لنا من هذا الحديث الشريف أن على المسلمين جميعا محاسبة الحاكم للتغيير عليه, فان لم يفعلوا رضا منهم بما يصنع أثموا جميعا.

وواضح أيضا أن التغيير على الحاكم لا ينافي الطاعة له , إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, ولا يطاع الحاكم بأي حال من الأحوال إلا في المعروف, فمن مات في إنكاره على الحاكم مات شهيدا كما هو متعارف عند المسلمين, عن عبادة بن الصامت , قال : دعانا النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم فبايعناه , فقال فيما اخذ علينا : "...وأن لا ننازع الأمر أهله, إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان.." وهذا صحيح متفق عليه أخرجه الشيخان ومسلم وأحمد.

فالإسلام قد حث المسلمين على مقاومة الطغيان, وهذا حق المسلمين, لا يجوز منعهم منه, والأمة لا تستقيم للحكام ما لم يستقيموا لها, فان لم يفعلوا طالبهم الشرع بعصيانهم إذ لا سمع ولا طاعة في معصية الخالق.

إذن فإنكار المنكر أمر واجب على كل مسلم ومسلمة بلا نزاع, لما صح لدينا من أحاديث, و الإنكار على السلطان من جملة ذلك لما في الأحاديث العامة والخاصة من دلالات عليه, نستعرض لك بعض النماذج منها:

أما العامة, فالمراد فيها أدلة الدعوة إلى الخير, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وهو فرض على المسلمين, يقول تعالى حكاية عن لقمان : " يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر, واصبر على ما أصابك, إن ذلك لمن عزم الأمور" (لقمان : 71) وكذا قوله : " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير, ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " (آل عمران : 107), وغيرها من الآيات لم نذكرها هنا, لئلا يطول بنا المقام, وأما من السنة الشريفة فقول النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده , فان لم يستطع فبلسانه, فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " حديث صحيح متفق عليه عند أئمة هذا الشأن, وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم يقول : " ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي, يقدرون على أن يغيروا عليه, ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا " ولمن أراد المزيد فليراجع كتب الحديث, فإنها تعج بالروايات الكافية الشافية في هذا الشأن.

وأما الخاصة بالأمراء والحكام, فمنها ما أخرجه الشيخان بمعناه من طرق عديدة صحاح, في بعضها زيادات أهمها زيادة " الكفر البواح " على حديث عبادة بن الصامت في قوله : "...وأن لا ننازع الأمر أهله, إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان ", كما ذكرناه أعلاه, و حديث جابر عن النبي في قوله : " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب, ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه فقتله " رواه الترمذي والحاكم وقال صحيح الإسناد, وهذه الأحاديث كما تقدم في العام منها , هي فيض من غيض, ولمن أراد المزيد فليطلبه من مصادره المعتبرة.

فكلمة حق عند السلطان أفضل أنواع الجهاد, وكلمة الحق هذه هي أدنى مراتب النصح لأئمة الأمة, بل السكوت من قبل القادر عليها يعتبر غشا وخيانة, والنصح للائمة الشرعيين يتضمن إسداء المشورة والرأي السديد لهم والإخلاص في معونتهم, ونصرتهم على الحق, والمبادرة إلى السمع والطاعة لهم في المعروف, طلبا لمرضاة الله بغض النظر عن المصالح, والمراتب الدنيوية, واقل مراتب ذلك كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ما جاء في ذلك عن الصحابة والخلفاء الراشدين :

كسابقيه من أدلة الكتاب والسنة المحمدية الشريفة عندنا الكثير من الروايات, ارتأينا أن نختصر ونورد الأبرز منها كقول الخليفة أبي بكر في خطبته المشهورة في كتب التاريخ والأدب والفقه عند توليه الخلافة, جاء فيها : " ...إنما أنا متبع ولست بمبتدع, فان أحسنت فأعينوني, وان زغت فقوموني...", وكذا قول عمر إذا بلغه الشيء : " أما ما عشت و هشام فلا يكون ذلك, وسيتبين فيما يأتي أن أكثر أمر هشام الأمر بالمعروف, ونهيه عن المنكر إنما هو للأمراء ".

تبين إذن بعد عرض الأدلة القطعية من الكتاب والسنة , أن محاسبة الحكام فرض على المسلمين, ولو أدى ذلك إلى قتالهم بمقتضى دعوة الإسلام الصريحة إلى حمل السلاح دفاعا عن سيادة الشرع في الحياة السياسية, و ذلك لمنع ظهور الكفر البواح, ولمجاهدة الحكام الظلمة, الذين يحكمون بغير ما أنزل الله , ويتولون الكفرة ويقاتلون المسلمين تحت رايتهم كما يصنع حكام البلدان الإسلامية في عصرنا وعلى رأسهم آل سعود.

فالحاكم هو من يطبق الإسلام, وفي فرض خلاف ذلك كان علينا محاسبته, فان أخذ الحكم عنوة دون تعيين من المسلمين ولا مشورة منهم, كان عليهم أن يغيروا عليه إذا ما فسق أو حكمهم بالظلم ( باليد أو باللسان أو بالقلب ) أما إذا أظهر الكفر وحكم به فالمواجهة تكون بالسلاح لحرمة أن يحكم المسلم من قبل الكافر: " ...ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا .." الآية. وحتى لو لم يصل به الأمر إلى الكفر ولكنه كان ظالما وجب التغيير عليه لأنه يبقى ظالما يجب على كل مسلم و مسلمة التصدي له.

فالحاكم بغير ما أنزل الله معاد لله وعاص لرسوله غير مهتد بهديه, مستحل لحرم الله, إن لم يكن ذلك بالقول الصريح فيكفي فيه الممارسة والعمل, وحينئذ يصدق عليه وصف النبي صلى الله عليه وعلى اله له ولأمثاله بأنه ظالم وكاذب, كما يحذرنا من إعانته أو تأييد أفعاله الظالمة, روي أن الله عز وجل أوحى إلى نبي من أنبياءه أن قل لفلان الزاهد : "..أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة, وأما انقطاعك إلي فقد اكتسبت به العز, ولكن ماذا عملت فيما لي عليك ؟ قال : يا رب وأي شيء لك علي؟ قال : هل واليت في وليا أو عاديت في عدوا؟.

فكيف يستحل بعض من يشار إليهم بالبنان من علماء المسلمين من أمثال الشيخ " محمد بن صالح بن عثيمين " أن يقول عن الحاكم (...وهبه كان كافرا, فلم إيغار الصدور عليه؟..), مما دفع العديد من شباب الدعوة الإسلامية وصغار طلاب العلم إلى المطالبة حتى بالدليل على جواز إيغار القلوب على الحاكم الكافر أو الظالم, أو على الذي يحكم بغير ما أنزل الله, ودعوة الناس إلى الركون إليه, فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وحيث دلت السنة المتواترة وكذا القران الكريم على ضرورة بغض الكفر والفسوق والعصيان في قوله تعالى : "..وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان..." وقوله تعالى : "...ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار..." وغيرها من الأدلة التي أوردنا بعضها سابقا, تبين لنا أن الخطاب يقصد به كل فرد وكل جماعة أو كل سلطة عامة , بل إن هذه الأخيرة هي الأولى به إذ أن انحرافها يؤدي قطعا إلى انحراف المجتمع ودماره فردا تلو الآخر.

لقد ساعد فقهاء السلاطين على نشر شبهة انه لا يجوز الخروج عن الحاكم إلا إذا أظهر الكفر البواح كما تقدم معنا في ظواهر الأحاديث الشريفة , وأن الأمر بين أمرين لا ثالث لهما, فإما : خروج مسلح ومنابذة بالسيف للحاكم أو محبته ونصرته والثناء عليه باللسان والدعاء له على المنابر, ولا مرتبة بين المرتبتين, مما أسقط هؤلاء الفقهاء في هاوية الجريمة الكبرى و استحق أكثرهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

فالمسلمون يأثمون إذن إن هم رضوا بأعمال الحاكم التي تخالف الشرع وخير دليل على ذلك شكوى الناس معاذ بن جبل لإطالته الصلاة بهم مما أغضب النبي صلى الله عليه وعلى اله وجعله يعاتبه على ذلك عتابا شديدا , هذا وان كان أمر معاذ ظاهرا في عدم العمدية في تصرفه خاصة أن الأمر متعلق بالصلاة التي ليس من شأنها الظلم للمأمومين من قبل الإمام , فما بالك ببقية الأمور التي يسهل فيها على الظالمين سلبهم لحقوق غيرهم من الرعية. هذا الكلام ليس حكرا على الرعية المسلمة فقط بل يتعداه إلى غيرهم من أهل الذمة الذين يعيشون في بلاد المسلمين, فكل مظلوم من قبل الحاكم كان عليه المبادرة إلى التغيير بأي وسيلة أتيحت له.

على كل حال دعنا نستعرض لك بعض المسؤوليات الجسام التي ألزم الله بها الحكام, حتى تتبين لنا أهمية هذه المسؤوليات وخطورة وقوع الخلل في شيء منها وكذا أهمية المراقبة والمحاسبة الدائمية للحكام لضمان القيام بها على أحسن وجه.

مسؤولية الحكام الجسام :

الحكام هم قادة الأمة ورعاة شؤونها, نحبهم ونطيعهم بقدر إخلاصهم في خدمة الأمة ونبغضهم ونحاربهم في حالة الخيانة والاحتقار, فللحكام إذن مسؤوليات جسام يحاسبون على التفريط فيها من الناس والرعية في الدنيا قبل أن يحاسبوا في الآخرة من قبل عزيز جبار, نجملها في أركان ثلاثة :

1- الحكم بما انزل الله :

من منطلق قوله عز وجل : "...وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون...", وجب على الحاكم أن يحكم رعيته بما أنزل الله لأن ذلك مقتضى حكمته في استخلاف الإنسان على الأرض ولا قيمة للعيش بدونه, والحكم بغير ما أنزل الله هو عين الكفر والشرك, بل هو أقبح جريمة في الوجود, يترتب عليها الضلال والهلاك المطلق والشقاوة الأبدية. كما أن إحكام الشرع فيه ما فيه من الزواجر والجوابر التي تقف في وجه المعتدين, فان عطلت هذه الأحكام حرم الفرد والمجتمع من هذه الروادع التي تضمن له الطمأنينة في دينه ودنياه , لذلك حدد الشارع للحاكم نوع الحكم فألزمه بأن يسلم أمره إلى كتاب الله وسنة رسوله دائما وأبدا وأن لا يتطلع لغيرهما في أي حال من الأحوال "..ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون..." الآية. كما أجاز للحاكم الاجتهاد إن لم يجد مطلوبه في ظاهر الكتاب والسنة ولكنه ينهاه عن أن يسأل عن حكم من غير الإسلام وقد فصلنا ذلك في كتابنا الموسوم " أصل الإسلام وحقيقة التوحيد " وملحقه المسمى " سيادة الشرع " فليراجع.

2- النصح للرعية وحسن رعاية شؤونهم :

وذلك برعاية كل ما يتعلق بشؤون حياتهم المادية والمعنوية وتوفير الأمن وتحسين ظروف المعيشة والسهر على كل ما يهم الفرد والمجتمع والذي بعدمه يصير باعثا على الكراهية وتوسيع الهوة بين الحاكم و المحكوم والتباغض بينهما مما يؤدي بالأمة إلى الضياع والانحطاط ثم الدمار الشامل لذلك حذر الله الحكام من مغبة التقصير في الرعية بالنصيحة ورتب عليه اشد الوعيد, قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : " لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع بقدر غدرته, ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة ".

3- عدم مس الأموال العامة بسوء :

المال في يد الحاكم أمانة ينفقه في مصالح الرعية , فأي إسراف أو صرف في غير الوجوه الشرعية يعرض فاعله لعقاب الله و غضبه. فاليوم قد ابتلي المسلمون بحكام لا يتورعون عن نهب آلاف الملايين من بيت مال المسلمين, بل والأسوأ من ذلك أنهم يحولونها إلى بلاد الكفر لتدعم اقتصادهم وتمكنهم من رقاب المسلمين, ولآل سعود – أخزاهم الله تعالى- السبق في هذا المضمار حيث وحسب شهادة الخبراء قد نهبوا من بيت مال المسلمين ما لا يقل عن 300,000 مليون دولار أمريكي(حتى وقت تأليف الكتاب), ذهب أكثرها إلى مصارف الكفار ومصانعهم دعما لاقتصادهم وشراء لرضاهم كي تثبت كراسيهم وعروشهم المهتزة.

هذه المسؤوليات الملقاة على عاتق الحكام هي مسؤوليات جسام أي تقصير فيها أو في بعضها قد يؤدي إلى الخزي والندامة , قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فشق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فأرفق به "

آخر الاخبار