عاجل:
القمع الرقمي: لماذا يستنفر النظام السعودي ضد الحسابات المعارضة؟
حدث وتحليل 2026-08-23 17:08 545 0

القمع الرقمي: لماذا يستنفر النظام السعودي ضد الحسابات المعارضة؟

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

مقدمة: مفارقة الذعر الرقمي

في عالمٍ يحتكر فيه النظام السعودي الفضاء الإعلامي؛ بامتلاكه ترسانة من القنوات الفضائية العابرة للحدود، وإمبراطوريات الصحف والمواقع، وجيوش “الذباب الإلكتروني” الممنهجة، وميزانيات تسويق وعلاقات عامة تُقدر بمليارات الدولارات… تبرز مفارقة وجودية فاضحة:

لماذا يستنفر هذا الكيان الضخم بكامل أجهزته الأمنية والتقنية لإغلاق أو حجب حسابات معارضة لا يتجاوز عدد متابعيها بضعة آلاف؟

هذه المفارقة ليست مجرد سلوك انتقامي عابر، بل هي قانون استبدادي ثابت:

الأنظمة الأكثر قمعاً وعنفاً هي الأكثر رعباً وحساسية تجاه أصغر رادارات الحقيقة.

إنها هيبة السلطة الفائقة التي تنهار أمام بضع كلمات خارجة عن النص.

 

الفصل الأول: تشويه الحقيقة بديلاً عن إخفائها

لم يبدأ قمع المعارضين في السعودية مع اغتيال جمال خاشقجي، ولم تبتكر السلطة الحجب والملاحقة الرقمية إلا بعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي.

فمنذ مراحل تأسيس الدولة السعودية وتوسّع نفوذها في الجزيرة العربية، ارتبط تثبيت الحكم بإخضاع الخصوم وإسكات المنافسين، سواء عبر القتل أو الاعتقال أو النفي أو الاختطاف والإخفاء.

ويُستحضر في هذا السياق مصير الشهيد ناصر السعيد، مؤلف كتاب تاريخ آل سعود، الذي اختُطف في بيروت، ونُقل إلى السعودية، وتعرض ــ بحسب ما تذكره الروايات المتداولة ــ للتعذيب ثم أُعدم، قبل أن تُخفى جثته.

وبغضّ النظر عن اختلاف التفاصيل الواردة في بعض المصادر، فإن قضية السعيد أصبحت مثالاً على سياسة التعامل مع المعارضين خارج إطار القانون، وعلى محاولة إسكات الشاهد بدلاً من الرد على شهادته.

ثم جاءت مراحل لاحقة، وصولاً إلى اغتيال جمال خاشقجي وقضايا المعتقلين وسجناء الرأي، لتؤكد استمرار المنهج نفسه بأدوات مختلفة.

فالقمع لم يختفِ؛ بل تغيّرت وسائله.

وما كان يُنفَّذ في الماضي عبر الاختطاف والقتل والإخفاء، يُمارس اليوم ــ إلى جانب أدوات أخرى ــ عبر إغلاق الحسابات، وحجب المحتوى، وملاحقة المعارضين رقمياً، وتشويه سمعتهم، وقطع الطريق بينهم وبين الجمهور.

في عصر السيولة المعلوماتية، لم يعد بإمكان الأنظمة دفن الحقيقة بسهولة.

فالجرائم والانتهاكات الكبرى باتت تُوثَّق بالصور والشهادات والوثائق، وتستطيع المعلومة أن تعبر الحدود خلال دقائق.

لذلك لم تعد الاستراتيجية تقتصر على الإخفاء المطلق، بل انتقلت إلى ما هو أكثر تعقيداً:

التشويش والبعثرة وإرباك الجمهور.

فالسلطة لا تسعى دائماً إلى محو الحقيقة من الوجود، إذ تعلم أن ذلك بات شبه مستحيل؛ وإنما تحاول منعها من التحول إلى معرفة عامة، أو قضية متداولة، أو ذاكرة جماعية.

ولهذا تعمل على تأخير انتشارها، وتفكيك مصادرها، وإغراقها بالروايات المضادة، وتحويل الوقائع الموثقة إلى «مزاعم» قابلة للتشكيك.

من اختطاف المعارض وإخفائه جسدياً إلى اختطاف صوته وحجبه رقمياً، تتغير الأدوات بينما يبقى الهدف واحداً: منع الحقيقة من الوصول إلى الناس، والحفاظ على الرواية الرسمية بوصفها الرواية الوحيدة المسموح بتداولها.

 

حين يستهدف النظام حساباً معارضاً بالإغلاق أو الحجب، فهو لا يمحو الجريمة، بل يسعى لتحقيق غايات تكتيكية خبيثة:

1.      تسميم التوقيت وهندسة «الرواية المضادة»:

في السياسة الرقمية، تأخير انتشار الخبر أو الوثيقة لساعات يعني سحب فتيل الصدمة الأولى، هذه الفجوة الزمنية تمنح الآلة الإعلامية وجيوش الذباب فرصةً مسبقة لإغراق المنصات بروايات مشتتة؛ تُسوّق بأن «الموضوع قديم ومكرر»، أو تسفّه من قيمته، أو تختلق رواية بديلة تخلط الحقيقة بالزيف، بحيث إذا وصلت المعلومة الأصلية لاحقاً إلى الجمهور، تكون قد فقدت وهجها وأثرها الصادم.

2.      تشتيت الحاضنة وتفكيك الوعي التراكمي:

إغلاق الحسابات يفرض على المتابعين رحلة بحث مستمرة ومجهدة عن المنصات البديلة، هذا التشتيت المتعمد يقطع الاتصال بين المعارضة وجمهورها في الداخل، ويمنع تحول المتابعة الفردية العابرة إلى وعي معرفي مستمر ومتراكم.

3.      صناعة «الريبة المنهجية» وتلويث المصداقية:

تسعى السلطة من وراء المطاردة الأمنية والتقنية إلى وسم أي صوت مستقل بـ«عدم الموثوقية»؛ فبمجرد محاصرة الحساب، يُروَّج للداخل بأن كل ما يخرج عن عباءة الإعلام الرسمي هو «شائعات مغرضة» أو «أجندات خارجية»، فتتحول الحقائق الدامغة إلى مجرد شبهات قابلة للتشكيك.

الهدف الحقيقي إذن ليس حجب المعلومة عن الوجود، بل جعلها «عملة غير قابلة للتداول» داخل حدود الوطن؛ محاصرتها في غرف مغلقة لمنع تحول الغضب الافتراضي إلى وعي سياسي مُنظم ومؤثر.

 

الفصل الثاني: متلازمة “الثقب في السور” (لماذا يرعبهم الهواة؟)

لا ينظر النظام إلى الحساب المعارض كأرقام أو خوارزميات، بل يراه كتهديد بنيوي لثلاث ركائز أساسية:

1.      كشف عورة السيطرة المطلقة (“الثقب في السور”):

يبني النظام سرديته على أنه “محيط لا يُقهر” وجدار أصم، بينماالحساب المستقل، بنشره وثيقة واحدة أو شهادة حية، يخرق هذا الجدار، الخطر هنا ليس في عدد من قرأ الوثيقة، بل في الرسالة الضمنية الفتاكة: “النظام مخترق، وهيبته وهمية، والسور قابل للتدمير”.

2.      سلطة “النوع” في مواجهة تفاهة “الكم”:

تعتمد الآلة الدعائية الرسمية والذباب الإلكتروني على الضجيج العالي والتكرار البليد (الكم)، في المقابل، يمتلك الحساب المعارض ميزة “النوع”: وثيقة مسربة واحدة، أو صورة حية من الواقع، أو شهادة معتقل سابق، تكفي لإسقاط آلاف الساعات من البث التلفزيوني الموجّه.

3.      جرأة النموذج والقدوة:

تخشى الأنظمة الاستبدادية “العدوى”، إغلاق الحساب وملاحقته ثم عودته للظهور باسم جديد يرسل إشارة قوية للداخل: المقاومة الرقمية ممكنة، والنظام لا يملك حق الفيتو على وعيكم، هذا النموذج الحي هو الكابوس الأكبر لسلطة تريد إقناع المحكومين بأن الاستسلام هو الخيار الوحيد.

 

الفصل الثالث: ما وراء الصمت (الأهداف غير المعلنة للحرب السيبرانية)

خلف كواليس الحجب وطلبات الإغلاق الموجهة لإدارة المنصات (مثل إكس)، تختبئ أهداف أعمق تتجاوز مجرد كتم الصوت:

  • العزل الجيوسياسي: منع وصول الجريمة المحلية إلى مراكز القرار والمستثمرين والصحافة الدولية بالخارج، النظام يريد لجرائمه أن تُرتكب خلف “ستار حديدي” رقمي.
  • الاستنزاف والإرهاق النفسي: تحويل الناشط المعارض من صانع محتوى سياسي وناقد للمفاسد إلى “مدير أزمات رقمية” مستهلك في تأمين الحسابات وبناء شبكات المتابعين من الصفر.
  • القمع الاستعراضي بالوكالة: إرسال رسائل ترهيب غير مباشرة للمواطنين في الداخل؛ فإذا كان المعارض في الخارج يتعرض للملاحقة الرقمية والحجب، فإن المواطن في الداخل سيكون عرضة للاعتقال الفوري عند أي تفاعل.
  • تحصين الواجهة الاقتصادية: الدفاع المستميت عن الصورة الوردية لـ"رؤية 2030"، فتغريدة موثقة واحدة عن الفقر أو هدم الأحياء أو قمع المعتقلين كفيلة بإفساد حملات العلاقات العامة التي دُفع فيها الملايين لجذب رأس المال الأجنبي.

هذا الذعر أكدته شهادات النشطاء الذين طالهم الحجب؛ حيث يرى رئيس المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان علي الدبيسي أن هذا السلوك هو “إقرار رسمي بهزيمة الخطاب الحكومي داخلياً وعجزه عن المواجهة الإقناعية”.

فيما يسخر الناشط غانم الدوسري من تلك الإجراءات معتبراً إياها برهاناً على أننا أمام “دولة كرتونية ترتعد فرائصها من وسم أو حساب”.

ويصف الناشط كونان عسيري الحجب بأنه “وسام فخر للمعارض” يزيد الشارع احتقاناً ضد السلطة، في حين تشدد الأكاديمية شريفة الشريف على أن لجوء السلطة لقرصنة الحسابات وحجبها يفضح ضعف رأس الهرم وأدواته الرخيصة.

 

الفصل الرابع: هل ينجح القمع الرقمي؟ (تكتيك قصير المدى وفشل استراتيجي)

قد يحقق الحجب نجاحاً تكتيكياً مؤقتاً ومحدوداً: يبطئ التداول، يشوش على الجمهور، ويرهن الناشط لوقت ما، لكن استراتيجياً، فإن هذا السلوك يأتي بنتائج عكسية على النظام لعدة أسباب:

  • صك المصداقية الذهبى: الحجب هو شهادة جدارة للمعارض؛ فالجمهور يدرك غريزياً أن “السلطة لا تحجب إلا من يوجعها بالحقيقة”.
  • التكاثر العكسي: كل حساب يُغلق يُولد مكانه ثلاثة حسابات بديلة، مما يحول المعركة الرقمية إلى حالة استنزاف دائم لتقنيي النظام.
  • الفضيحة الأخلاقية والدولية: تحويل إجراءات الحجب إلى ملفات حقوقية دولية تُعرض أمام برلمانات العالم ومنظمات حرية التعبير، مما يضرب السمعة الدعائية للنظام في مقتل.

التعليقات الشعبية على منصة “إكس” تكشف بوضوح هذه الحقيقة؛ فالشارع يسخر من مفارقة “مملكة عظمى” تمتلك المليارات وتخشى في الوقت نفسه حساباً لا يملك صاحبه سوى هاتفه المحمول.

 

الفصل الخامس: بين الدعاية والشهادة

تكمن قوة الحساب المعارض لا في عدد متابعيه فقط، بل في طبيعة خطابه نفسها.

فالإعلام الموالي للنظام يعمل بمنطق الدعاية: يكرر الرواية ذاتها، ويقدّم صوتاً واحداً، ويمنع تعدد الزوايا، ولذلك يبقى أقرب إلى خطاب مفروض من أعلى منه إلى رواية مقنعة من الداخل.

أما الحساب المعارض، فهو يتحرك بمنطق مختلف تماماً. إنه لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يقدّم شهادة حية: تفاصيل، وقائع، صور، وملاحظات قريبة من الناس ولغتهم اليومية. ولهذا يبدو أكثر تأثيراً، لأنه لا يخاطب الجمهور بوصفه متلقياً سلبياً، بل يضعه أمام واقع محسوس يصعب إنكاره.

الدعاية تقول للناس: هذا ما يجب أن تصدقوه.

أما الشهادة فتقول لهم: هذا ما يحدث فعلاً.

وهنا يكمن الفارق الحقيقي.

فالرواية الرسمية قد تملك المال والمنابر والإعادة المستمرة، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على الإقناع. أما الشهادة الصادقة، حتى لو خرجت من حساب صغير، فهي تستطيع أن تخلق أثراً أكبر لأنها تمسّ الوعي مباشرة، وتحوّل الخبر من مجرد معلومة إلى إحساس جمعي بالظلم والاختناق.

لهذا السبب لا تخشى السلطة من الحسابات المعارضة لأنها تنشر أخباراً فقط، بل لأنها تنقل للناس إحساس الحقيقة قبل أن تتمكن الرواية الرسمية من تشويهه أو تطويقه.

 

الخلاصة:

قوة الضعفاء

لا تخشى الأنظمة المستبدة الحسابات الرقمية لأنها تروج للأكاذيب، بل لأنها تنقل شظايا من الحقيقة العارية، وشظية حقيقة واحدة في اللحظة المناسبة قادرة على إحداث شروخ لا تُرمم في جدار الشرعية المتآكل.

إن معركة حجب الحسابات ليست دفاعاً عن الأمن، بل هي ذعر من سقوط “الرواية الرسمية الوحيدة”.

وفي العصر الرقمي، لم تعد السردية ملكاً لمن يملك المال والقنوات، بل لمن يملك الصدق والمصداقية.

الأنظمة النفطية لا تخشى بضعة حسابات لذاتها، بل ترتعد من الفكرة الكامنة وراءها:

كلما اضطرت إلى إغلاق حساب مستقل أو تشويه مصدر معارض، كشفت أن روايتها لا تعتمد على الإقناع وحده، بل على منع الروايات الأخرى من الوصول إلى الجمهور.

وهكذا يتحول الحجب، من أداة لحماية السردية الرسمية، إلى دليل على هشاشتها.

آخر الاخبار