دماءٌ تبحث عن نصرٍ مستحيل
في اللحظات التي تتكبد فيها الدول خسائر استراتيجية وتترنح هيبتها العسكرية في ميادين المواجهة الإقليمية—كما جرى مؤخراً في استهداف القوات السعودية في قصر المعاشيق بعدن—تفترض بديهيات السياسة إدارة الأزمات بالتهدئة وتفادي تفجير الجبهات الداخلية.
لكن ما أقدمت عليه السلطة السعودية من تنفيذ إعدامات تعزيرية بحق خمسة شبان معتقلين في باحة سجن الدمام السياسي، يعكس طبيعة نظام مأزوم يعتاش على الاستعراض الأمني، ويستعيض عن فشله أمام خصومه في الخارج بالبطش بالأسرى العزل والمقيدين في الداخل.
أولاً: خرافة التهم وسقوط “معيار القتل العمد”
إن قراءة تفاصيل الملفات الحقوقية تكشف الحقيقة العارية التي تحاول بيانات وزارة الداخلية حجبها:
1. إعدام الأطفال تحت غطاء التعزير: لم يكن هؤلاء مقاتلين في جيوش معادية؛ بل أُعدم بينهم الشاب حسن زكي الفرج عن أفعال ومشاركات في تظاهرات ومسيرات سلمية نُسبت إليه عندما كان طفلاً في سن الرابعة عشرة (خلال حراك 2011 و2012).
هذا الإعدام ينسف كل الوعود والبروباغندا الرسمية وقوانين الأحداث المزعومة، ويكرّس نهج تصفية الطفولة بأحكام سياسية انتقامية.
2. تجاهل الإجماع الأممي: لم تكترث السلطة للقرارات الصادرة عن “فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي” التابع للأمم المتحدة، ولا للنداءات الأممية التي صدرت قبل أيام معدودة من التنفيذ؛ هذا الاستخفاف يكشف أن النظام يتعامل مع المواثيق الدولية كواجهة دعائية تُداس عند أول رغبة في سفك الدماء.
3. غياب الركن المادي للجريمة: اتسمت التهم كعادتها بالعمومية والإنشاء الأمني الفضفاض (“الانضمام لخلية”، “التواصل مع جهات خارجية”، “حيازة صور محظورة”)، ولم يتضمن بيان القتل إدانة بارتكاب جريمة قتل عمد واحدة؛ ما يجعل تنفيذ القتل تعزيراً انتهاكاً صارخاً حتى للمحددات الدولية التي تقصر العقوبة القصوى على “أشد الجرائم خطورة”.
ثانياً: فاشية ما قبل الإعدام وما بعده: منظومة الإلغاء الشامل
ما روته عائلات الشهداء عبر الأوساط الحقوقية يوثق سلوكاً فاشياً لا يكتفي بإزهاق الروح، بل يتلذذ بسحق الوجود الإنساني للميت وذويه:
ثالثاً: توأمة السلوك بين الرياض وتل أبيب
إن سياسة “احتجاز الجثامين” ومقابر الأرقام لا يُعرف لها نظير وقح وممنهج في العالم المعاصر سوى في كيانين: الاحتلال الصهيوني والنظام السعودي.
رابعاً: عقلية العصابة في زمن الحرب: دلالة الرقم ومعادلة الثأر
كيف يتذكر نظامٌ يخوض صراعاً إقليمياً واسعاً ويواجه استنزافاً على جبهاته معتقلين أُسروا منذ 15 عاماً ليعدمهم الآن؟
الجواب يكمن في طبيعة البنية الأمنية المشوهة وعقلية العصابة التي تُسقط مفهوم “الدولة”:
خاتمة: وهم النجاة بالصمت وسقوط المعادلة الخادعة
يظن القاتل أنه بدفن الجثامين في رمال الصحراء قد طوى الملف، وأنه بحصار البيوت ومنع مجالس العزاء قد خنق الصرخة؛ لكن التاريخ يثبت أن دماء المظلومين حين تُسفك ظلماً تصبح بذاراً لوعيٍ أعمق وأشد رسوخاً.
إن هذه الجريمة تحمل في طياتها درساً دموياً بالغ القسوة لشعب الجزيرة العربية عموماً، ولعوائل معتقلي الرأي والضمير خصوصاً:
إن وهم النجاة بالصمت قد سقط إلى غير رجعة.
لسنوات طويلة، راهنت بعض العائلات على أن ابتلاع الألم والسكوت عن الاعتقال والتعذيب قد يشفع لأبنائهم ويحميهم من مقصلة الإعدام، أو يفتح نافذة لوعود العفو المزعومة؛ إلا أن النتيجة الصارخة اليوم تفقأ الأعين:
النظام لا يرى في الصمت إلا إذعاناً، ولا يقرأ التهدئة إلا ضعفاً يغريه بمزيد من التوحش وسفك الدماء.
هؤلاء الشبان صمتت عوائلهم وتجرعت مرارة الانتظار خمسة عشر عاماً، وجاء الرد بنحرهم فجأة ومصادرة حتى أجسادهم بعد الموت.
إن الوقائع تثبت أن هذا النظام لا يؤتمن، وأن عقلية العصابة الحاكمة لا تقيم وزناً لصمتٍ أو مناشدة؛ فكل معتقل في سجونه هو رهينة مؤجلة على لائحة الانتظار، يُسحب إلى ساحة القتل في أي لحظة تنهار فيها هيبة السلطة في الخارج.
لم يعد الصمت درعاً يحمي أحداً، بل تحول إلى شيكٍ على بياض يمنحه الضحايا لجلادهم؛ ومن لا يدرك أن كسر آلة القمع واستئصال هذا الطاغوت المتغول هو السبيل الوحيد للحياة والكرامة، فإنه ينتظر دوره في طابور التصفية القادم.
إن التاريخ لم يشهد طاغيةً استقوى بالدم إلا وكانت نهايته به؛ والسنّة الربانية ماضية بأن إمهال الظالم ليس إهمالاً بل استدراجاً لحتفه، مصداقاً لقوله تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
سيسقط الجلاد وتبقى دماء هؤلاء الشهداء شاهداً أبدياً وحجةً قائمة لا تموت في رقبة كل من رضي ومن سكت ومن أعان الطاغية.
الرحمة والخلود للشهداء المظلومين:
والخزي والندامة لكل طاغيةٍ مستكبر.
حركة الحرية والتغيير