عاجل:
سليمان الحويطي ... ضحية جديدة لطاغية الرياض
حدث وتحليل 2026-11-08 15:11 604 0

سليمان الحويطي ... ضحية جديدة لطاغية الرياض

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

لم يكن مستغرباً أن تُسدل محكمة الاستئناف الجزائية المتخصصة في الرياض الستار على محاكمة المعتقل سليمان الحويطي بمصادقة حكم الإعدام الصادر بحقه.

فالقضاء الذي تحول عبر سنوات إلى ذراع أمنية توثق قرارات الإقصاء وتشرعنها، لم يجد غضاضة في توقيع “صك موت” بحق مواطن لم يحمل سلاحاً، ولم يخن وطناً، بل ارتكب في عرف السلطة الحالية الجريمة الكبرى:

التمسك بالأرض ورفض التنازل القسري عن مسكن آبائه وأجداده لصالح مشروع “نيوم”.

إن هذا الحكم القضائي الجائر ليس سوى تأكيد صريح على أن أجهزة الدولة قد جُردت من أي بعد دستوري أو أخلاقي، لتصبح أدوات قسرية تخدم رؤية فردية مطلقة، لا ترى في المواطن وحقوقه الأصيلة سوى حجر عثرة يجب سحقه إن تعارض مع أهوائها وتطلعاتها الاستعراضية.

 

مأساة الحويطات: مرآة القمع والاستئصال الشامل

ما تعرضت له قبيلة الحويطات في شمال غرب المملكة ليس مجرد نزاع عقاري بين مواطنين وسلطة نزع الملكية، بل هو نموذج حي ومكثف لسياسة التهجير القسري والاستئصال السكاني.

لقد بدأت الحكاية بالاغتيال الدموي للشهيد عبد الرحيم الحويطي في أبريل 2020، حين اغتالته القوات الأمنية في منزله لمجرد أنه وثق صوته ورفضه للتهجير عبر الفضاء الرقمي، ثم توالت حلقات التنكيل؛ فصدرت أحكام الإعدام تباعاً بحق إخوته وأبناء عمومته ونالت العشرات من العائلات أحكاماً خيالية بالسجن تراوحت بين 27 و50 عاماً، وصولاً اليوم إلى تثبيت حكم إعدام سليمان الحويطي.

إن ما جرى في قرى “الخريبة” و"شرما" و"البدع" ليس استثناءً معزولاً، بل هو “العينة الفجة” لما يعيشه شعب الجزيرة العربية برمته تحت وطأة القبضة الحديدية؛ فهذا القمع الذي اقتلع الحويطات هو ذاته الذي هدم أحياء جدة الشعبية والتاريخية وشرّد مئات الآلاف بلا تعويضات كافية، وهو ذاته الذي يزج بالعلماء والمفكرين، والناشطين والمغردين، في غياهب سجون التعذيب، ليُفرض على الجميع صمت القبور أو مصير المقصلة.

 

سخرية الأقدار: التضحية بالأرواح في سبيل “السراب”

تتجلى ذروة التجبر والصلف في المفارقة المؤلمة التي يشهدها الواقع اليوم:

لقد أُزهقت الأرواح، وهُدمت المنازل، ورُمي الشرفاء في السجون، وشُرّدت آلاف العائلات من أجل تشييد “نيوم” و"ذا لاين" – تلك المشاريع التي صُوّرت للعالم كمعجزة العصر وعاصمة المستقبل، فأين هي اليوم؟

تشير التقارير الاقتصادية والوقائع الميدانية الدولية إلى تعثر خانق، وتقليص هائل في المخططات من مئات الكيلومترات إلى كيلومترات معدودة، وانسحاب للاستثمارات الأجنبية، ونضوب للسيولة، لتتحول تلك الأحلام الاستبدادية إلى أعباء مالية وورطة اقتصادية.

إنها الحقيقة الصادمة:

تم تدمير مجتمعات تاريخية مستقرة من أجل مشاريع ثبت فشلها وتخبطها، ليصبح المواطن ضحية خيالات نرجسية عاجزة عن قراءة الواقع الاقتصادي أو احترام كرامة الإنسان.

وهنا يبرز التناقض الأخلاقي الصارخ؛ كيف تروج الرياض لنفسها في المحافل الدولية كواحة للحداثة والاستثمار والتسامح، بينما تُسفك دماء أهل الأرض الأصليين الذين لا يطلبون سوى البقاء في دورهم؟

ألم يقل رسول الله ﷺ مؤصلاً لحق الدفاع عن الملكية:

«مَن قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهو شَهِيدٌ»

بأي منطق قضائي أو شرعي يُجازف بروح إنسان لمجرد أنه تشبث بحقه المكفول شرعاً وعرفاً؟

 

سنن التاريخ وحتمية العقاب الإلهي

إن الاستقواء بالسلطان والبطش بالضعفاء سمة ملازمة لكل النظم التي فقدت بصيرتها وأصابها داء العجب والغرور.

وقد رسم القرآن الكريم المشهد بدقة متناهية حين عاتب المتجبرين الذين يقيمون صروح البنيان على أنقاض العدل، فقال تعالى:

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾

[الشعراء: 128-130].

إن السنن الكونية والتاريخية لا تجامل أحداً؛ فكل دمعة يتيم، وكل صرخة أم شُرّدت من دارها، وكل قطرة دم أُريقت ظلماً وعدواناً، هي دين في ذمة التاريخ لن يسقط بالتقادم.

إن البغي عواقبه وخيمة، والظلم ظلمات في الدنيا والآخرة، وهو المعول الذي يهدم صروح الدول ويقوض أركانها.

وكما أرساها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون كقاعدة لا تُبدل؛ فبالعدل قامت السماوات والأرض، وأعلنها الصديق أبو بكر رضي الله عنه في دستوره الخالد معبرًا عن جوهر الحكم الراشد:

«الضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه».

فكيف إذا انقلبت الموازين، وأصبحت الدولة بأجهزتها وقضائها أداةً لسحق الضعفاء وإهدار حقوقهم، وتهجيرهم من ديارهم، لإرضاء نزوات الطغيان والتجبر؟

إن التاريخ النبوي والتجربة الراشدة يؤكدان أن الحكم الذي يقوم على قهر الناس وظلمهم هو حكم إلى زوال مهما أطالت رمال الوهم والتسلط في عمره.

وليطمئن كل متجبر أن الأيام دول، وأن أوهام القوة لا تحمي عروشاً قامت على دماء المظلومين، فالله جل وعلا يقول:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].

وقد حذر النبي المصطفى ﷺ من مغبة الاستدراج فقال:

«إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حتَّى إذَا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

 

كلمة أخيرة

ن مصادقة محكمة الاستئناف على حكم الإعدام بحق سليمان الحويطي، وما سبقها من تنكيل بأحرار الحويطات وغياب آلاف المظلومين في معتقلات آل سعود، تضع النظام بأسره أمام إدانة تاريخية وأخلاقية لا تمحوها بهرج المدن الوهمية ولا جبال الأسمنت وحديد “نيوم”.

وكما أهلك الله من قبلهم من أقوام بطشوا وتجبروا فما أغنت عنهم أموالهم ولا أوتادهم، فإن سنن التاريخ لا تتبدل، وعواقب البغي محتومة ومحققة.

فلتعلم السلطة، وليعلم كل متجبر، أن الشعوب قد تئن تحت وطأة السياط، لكنها لا تنسى ثأر كرامتها، وأن دماء المعذبين وأرواح المهددين ظلماً هي الوقود الذي سيُحرق أوهام الاستبداد.

والأرض – مهما طال ليل القمع – ستبقى لأهلها الأحرار، وسيأتي اليوم الذي تتبدد فيه كل هذه المشاريع الاستعراضية على صخرة الصمود الشعبي… وما نصر الله إلا صبر ساعة، والعاقبة للمتقين.

آخر الاخبار