عاجل:
ما الذي تكشفه التسريبات عن غرفة العمليات المشتركة في الرياض؟
حدث وتحليل 2026-10-21 17:10 591 0

ما الذي تكشفه التسريبات عن غرفة العمليات المشتركة في الرياض؟

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

ارتباك في واجهة المشهد الراهن

لم تعد مشاهد التوتر التي تخيم على العاصمة السعودية الرياض تفاصيل عابرة يمكن للماكينة الإعلامية الرسمية احتواءها أو القفز فوقها.

فخلال الأيام القليلة الماضية، تشابكت خيوط أزمة أمنية وسياسية واضحة المعالم:

بدءاً من الهجمات الصاروخية وبالمسيرات التي استهدفت مطار الرياض وأربكت حركة الملاحة الجوية، مروراً بقرار التأجيل المفاجئ لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (FII) — المعروفة بـ"داووس الصحراء" — إلى العام المقبل 2027، وصولاً إلى الحراك الدبلوماسي الأوروبي العاجل، وتحديداً الزيارة الخاطفة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرياض.

هذا التزامن الكثيف بين التعثر الميداني والاضطراب الاقتصادي والحراك الغربي ليس وليد الصدفة، ولا يعبر فقط عن اشتعال إقليمي؛ بل يشير بوضوح إلى أزمة أعمق داخل دوائر صنع القرار وإدارة العمليات العسكرية التي باتت تُدار بالكامل بغطاء وإشراف دولي مباشر خلف الكواليس، كاشفةً حدود الرهان على استقلالية القيادة والمنظومة العسكرية القائمة.

 

المحور الأول: “غرفة العمليات المشتركة” وتدويل بنك الأهداف

تكتسب هذه التطورات الميدانية تفسيرها الدقيق عند تفكيك ما يدور داخل الغرف المغلقة.

ففي شهادة بالغة الخطورة كشفها المحلل الجيوسياسي بيبي إسكوبار في مقابلته المصورة الأخيرة مع الإعلامي ذو الفقار علي (في برنامج Transition Protocol) نقلاً عن ضباط من الجيش الباكستاني، تبيّن أن قيادة العمليات وتوجيه المعارك لم تعد شأناً سيادياً وطنياً، بل أُسندت إلى “غرفة عمليات مشتركة” في قلب الرياض، تتقاسم إدارتها عناصر القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) ومستشارون غربيون، بجانب ضباط وخبراء أمنيين وعسكريين إسرائيليين.

الأخطر في هذه التسريبات — والتي تعكس تماماً عنوان الشهادة العسكرية — هو أن الضباط الإسرائيليين هم من يتولون عملياً اختيار وتحديد بنك الأهداف العسكرية للسعودية (Israel Picks Saudi Targets)، وتوجيه مسارات الاشتباك والضربات، وليس مجرد تقديم استشارات فنية ثانوية.

هذه المعطيات المروعة تتقاطع بدقة مع ما أكدته مصادر ميدانية مطلعة ومقربة من داخل شبه الجزيرة العربية، والتي رصدت اتساعاً غير مسبوق في الحضور العملياتي متعدد الجنسيات؛ حيث يمارس ضباط أمريكيون، وفرنسيون، وإيطاليون، وإسرائيليون أدواراً قيادية وتنفيذية نافذة في رسم السياسات العسكرية الميدانية وإدارة مسرح العمليات بالكامل.

إن هذا التوظيف العملياتي ينسف سيادة القرار العسكري الوطني من جذورها؛ إذ يحول أراضي المملكة وقواتها المسلحة إلى أداة تنفيذية خاضعة لحسابات وأولويات تل أبيب وواشنطن الإقليمية، ويجعل الجيش مجرد واجهة لقرارات تُصنع وتُحدد من قبل ضباط الاحتلال، مفرغاً دعاية “بناء القوة الذاتية وتوطين الصناعات العسكرية” من أي وزن، بعدما بات توجيه السلاح بقرار وإشراف خارجي مباشر.

 

المحور الثاني: مأزق “العقد الاجتماعي” المنهار وتحصن القيادة

هذا التسليم المطلق لزمام العمليات يضع المشروع السياسي القائم أمام مأزق بنيوي وانهيار أخلاقي تام؛ فقد بنى ولي العهد محمد بن سلمان شرعية حكمه الفردي على مقايضة صريحة لعقد اجتماعي جديد: “التنازل التام عن الحقوق والمشاركة السياسية وتكميم الأفواه، في مقابل توفير الأمن الداخلي الصارم، والاستقرار، وتدفق الاستثمارات الاقتصادية الكبرى”.

إلا أن الوقائع الميدانية اليوم نسفت أساس هذه المقايضة برمتها.

فالتهديدات المباشرة واختراق الأجواء وصولاً إلى ضرب المطارات الحيوية عرت عجز الإدارة الأمنية المشتركة عن تحقيق هذا الاستقرار المزعوم.

بل إن المشهد بلغ ذروة التناقض كما وثقت شهادات الضباط الباكستانيين والمصادر المطلعة؛ إذ في الوقت الذي تُترك فيه المنشآت الوطنية عرضة للتهديدات، تحول رأس النظام إلى حالة “التحصن الأمني الدفاعي” داخل الملاجئ والمنشآت المحصنة بعيداً عن المشهد، مكرساً جهده لحماية أمنه الشخصي بدلاً من بسط نفوذ وطني فاعل.

إن سلطة ترتهن للضباط الأجانب لقيادة معاركها وتلوذ بالتحصن الذاتي لا تملك أي شرعية للادعاء بقدرتها على حماية المواطن أو تأمين مستقبله.

 

المحور الثالث: الحرج الإقليمي وتوريط الحلفاء (باكستان ومصر)

لا يقف هذا الارتهان العملياتي عند الحدود الداخلية، بل يفجر مأزقاً أخلاقياً وسياسياً بالغ الحرج لقوى إقليمية وازنة طالما اعتمدت عليها الرياض، كباكستان ومصر وعموم المنظومة الإسلامية.

فعندما توجه الرياض نداءاتها وتطلب إسناداً وقوات عسكرية من الجيش الباكستاني أو المؤسسة العسكرية المصرية تحت عناوين براقة مثل “حماية بلاد الحرمين والعمق الاستراتيجي العربي والإسلامي”، ثم يُفاجأ هؤلاء الضباط بأنهم وُضعوا في غرفة عمليات مركزية يُملي فيها الضباط الإسرائيليون بنك الأهداف ويوجهون حركة القوات، فإن ذلك يمثل إهانة استراتيجية كبرى وخيانة لثقة تلك الجيوش وشعوبها الرافضة بالمطلق لأي تنسيق مع الكيان الصهيوني.

هذا التناقض الصارخ بين الواجهة الدينية التي يستغلها النظام في المحافل والواقع الميداني المشين على الأرض يهدد بتفكيك شبكة العلاقات التقليدية للمملكة، ويعزلها عن عمقها الطبيعي، محولاً تلك التحالفات إلى ورطة علنية تدفع الحلفاء للنفور من التورط في مستنقع يُدار بأجندة إسرائيلية معلنة خلف الكواليس.

 

الخاتمة: أزمة ثقة وعسكرة بالوكالة

إن حقيقة ما كشفته التسريبات المتقاطعة تؤكد أن تسليم غرفة العمليات وتحديد الأهداف للكوادر الإسرائيلية والأمريكية والغربية ليس دليلاً على كفاءة أو قوة تحالفات، بل هو البرهان القاطع على أزمة ثقة هيكلية ومستحكمة بين هرم السلطة الفردية وكافة أركان المؤسسة العسكرية والوطنية التقليدية للبلاد.

حين يقف النظام عاجزاً عن الوثوق بأبناء وطنه وجيشه لإدارة أمنه وقراره العسكري، يصبح الاستقواء بالأجنبي — حتى لو كان ضابطاً إسرائيلياً يختار أين تضرب الصواريخ وتتحرك الجيوش — هو الملاذ الأخير لحماية الكرسي.

ويبقى التساؤل المفتوح الذي تتهرب منه أدوات البروباغندا: إلى أي مدى يمكن لغرف العمليات المستوردة والضباط الإسرائيليين أن يمنحوا الأمان لمنظومة فقدت ثقة شعبها، وعماد جيشها، وعمقها العربي والإسلامي؟

آخر الاخبار