بقلم عبد الرحمن الهاشمي
في موقف بئيس وكذب صارخ، قال مفتي الحكم السعودي صالح الفوزان: “إنه عبر التاريخ ما سلك أحد مسلك هذه العصابة المجرمة من استهداف المقدسات، واستهداف قاصدي بيته الحرام، إلا كان مصيره الهلاك، والعاقبة الوخيمة، نسأل الله تعالى أن يقطع دابر هؤلاء المجرمين، وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين”.
قبل الحديث عن جريمة العدوان الغاشم الذي شنه النظام السعودي على اليمن تحت مسمى عاصفة الحزم عام 2015 مع كل جرائم الحرب المقترفة فيها، والحصار الظالم الذي تسبب في آلاف الوفيات بين الأطفال خاصة الناجمة عن انهيار النظام الصحي ونقص الغذاء والمياه والأدوية وانتشار الأوبئة. وصولا إلى خرق تفاهمات مرحلة خفض التصعيد وانتهاك مواثيق واتفاقيات الأمم المتحدة التي تحظر استهداف المطارات المدنية، عبر قصف مدرج مطار صنعاء الدولي بإيعاز إسرائيلي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط كانت تقل وفد المشاركة في تشييع قائد الثورة الإسلامية ومرضى يمنيون كانوا قد تلقوا العلاج في المشافي الإيرانية، في شهر يونيو/حزيران من العام الجاري.
قبل كل ذلك نعود إلى لحظة مفصلية في واقعة العدوان الإجرامي السعودي على اليمن، فقد أكد جمال بنعمر، المبعوث الأممي السابق إلى اليمن، أن الأطراف اليمنية كانت قريبة من التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة قبل بدء الغارات الجوية للتحالف بقيادة "السعودية". وفي إحاطته أمام مجلس الأمن في 27 أبريل/نيسان 2015، أوضح أن المفاوضات أحرزت تقدما ملموسا في العناصر الأساسية للاتفاق، وأن الخلاف الرئيسي المتبقي كان يتعلق بمسألة الرئاسة. وأضاف أن اليمنيين كانوا قريبين جدا من الاتفاق، لكن العملية السياسية تعرّضت للانقطاع مع تصاعد العنف.
وفي مقابلة مع شبكة CNN عام 2021، ذهب بنعمر إلى أبعد من ذلك، فقال إن التدخل العسكري السعودي وحلفاءها أجهض الاتفاق الذي كانت الأطراف تتفاوض بشأنه، وإن التدخلات الإقليمية حوّلت اليمن من صراع داخلي إلى ساحة للتنافس الإقليمي.
إنه المفتي نفسه، الذي دعا في سبتمبر/ أيلول 2026، القوات السعودية إلى الاستعداد للتضحية في قتالهم لحكومة صنعاء، مقدّما المواجهة في إطار ديني ومحرّضا على الدفاع عن المملكة بحماية المقدسات ووجوب طاعة القيادة. وهكذا تحوّل موقع المفتي من الشهادة بالحق وحقن الدماء والإرشاد الديني إلى التعبئة العسكرية وإعلان النفير، في مشهد يعيد إلى الواجهة محنة الدين التاريخية عندما يُستدعى لتوفير الغطاء الشرعي لسياسات الحاكم وقرارته العبثية.
وبالعودة عشرين عاما إلى الوراء، وتحديدا إلى حرب تموز 2006، ففي الوقت الذي كانت فيه (إسرائيل) تشن عدوانها على لبنان، أصدر الشيخ السعودي عبد الله بن جبرين فتوى حرّم فيها نصرة حزب الله والدعاء له بالنصر والتمكين، مستندا إلى هويته المذهبية وعلاقته بإيران. لم يعبأ صاحب الفتوى بمشروعية المقاومة، ولا بالحق المكفول بالمواثيق في رد العدوان الإسرائيلي، ولا بواجب التضامن الإنساني مع اللبنانيين الذين يتعرضون للقصف الوحشي، بل جعل مِلاك فتواه هويّة القوة التي تقاتل (إسرائيل) وموقعها المذهبي والسياسي. وبذلك تقدّم لديه الاعتبار الطائفي على الحق المشروع في رد العدوان، وأصبح الدعاء بالنصر للمقاومة موضع تحريم لدى هذا العالم السعودي!!
بعد تسع سنوات، ظهر الوجه الآخر لهذه الوظيفة الدينية مع إطلاق "السعودية" عملية «عاصفة الحزم» في اليمن، في آذار/مارس 2015. فقد سارع الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام الحرم المكي آنذاك، إلى وصف العملية بأنها قرار تاريخي جاء في وقته المناسب، واعتبرها متوافقة مع أحكام الشريعة، داعيا بالنصر للجنود السعوديين المشاركين فيها. لم يعد الدين هنا موازين حق، ومعايير الحق والشرع، وحرمة الدماء وقتال المسلم لأخيه المسلم، وأحكام البغي والبغاة، بل أصبح وسيلة لإضفاء المشروعية على حرب تقودها الدولة بعناد ونرجسية من يقودها، وتقديمها باعتبارها واجبا شرعيا لحماية البلاد ومصالحها.
وتأخذ المسألة بعدا فضائحيا عند الانتقال إلى غزة ومحنة الشعب الفلسطيني. ففي 15 حزيران/يونيو 2024، ألقى الشيخ ماهر المعيقلي خطبة يوم عرفة، في وقت كانت فيه حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع تحصد أعدادا كبيرة من الضحايا وتدمّر المنازل والمستشفيات. وعلى الرغم من الحضور العالمي لهذه المناسبة، غاب الاحتلال الإسرائيلي وفلسطين عن متن الخطبة، ولم يرد ذكر الفلسطينيين إلا في الدعاء الختامي من الخطبة. وقد أثار هذا التغييب لغزة انتقادات واسعة وقتئذ، خصوصا أن الخطيب شدد على أن الحج ليس مكانا للشعارات السياسية أو التحزبات، وكأن الحديث عن إبادة جماعية للفلسطنيين في غزة تحزّب وسياسة تنقض فريضة الحج!
ليست المسألة هنا التوقع من خطيب عرفة بتحويل المنبر إلى خطاب سياسي، بل التساؤل عن هذا العبث بالدين حيث تبرز حدود الفصل بين الدين والسياسة عندما يتعلق الأمر بقضية بحجم العدوان على غزة. فإذا كان تجنب التسييس مبدأً عامّا على الفرض، فلماذا يصبح الخطاب الديني شديد التعبئة حين تكون الدولة السعودية طرفا في الحرب، بينما يتراجع حضور قضية فلسطين في واحدة من أهم المناسبات الدينية الإسلامية؟ فالصمت المخزي في سياق والتعبئة الصريحة في سياق آخر، دليل على تحريف الدين عن مقاصده وتحميله شهادة الزور على الواقع.
وتعيد تخرصات الفوزان في هذه الأيام إلى الواجهة، كيف أن الدعوة إلى التضحية في مواجهة الحوثيين والدعاء عليهم تندرج ضمن تاريخ من المواقف التي منحت الصراع الذي تخوضه الدولة السعودية تفسيرا دينيا، جاعلة من كل نزوة نرجسية للحاكم او قرارا حربيا عبثيا او وظيفيا؛ واجبا شرعيا متداخلا مع الولاء الوطني. فعندما تُقدَّم حرب بعينها بوصفها واجبا دينيا، فيما تُهمَّش صراعات أخرى أو يُضيَّق على التضامن معها، يصبح من الضروري فضح هذا السطو على الدين واستلحاقه سلطويا خدمة لأهواء الحاكم وتغطية لمشاريعه التي تصب في خدمة أعداء الإسلام والمسلمين.
إن أخطر ما في هذا التوظيف ليس مجرد تأييد الحاكم، بل تحويل الموقف السياسي المتغير إلى معيار ديني، بحيث تكتسب الحرب التي تخوضها السلطة؛ شرعية مقدسة. فيما يصبح الاعتراض عليها أو تأييد خصومها موضع شبهة عقدية أو سياسية. عندها لا يعود الدين دينا، بل يتحول إلى جزء من منظومة إنتاج الشرعية الرسمية.
وهكذا، من فتوى ابن جبرين عام 2006 إلى تأييد السديس «عاصفة الحزم» عام 2015، وصولا إلى خطاب الفوزان بشأن الحوثيين عام 2026، مع الإغضاء عن التحالف مع الصهاينة وإدخالهم بلد الحرمين الشريفين يتأكد لنا أننا أمام مؤسسة دينية مارقة ومنحرفة بل وتحريفيّة، تغير شريعة الله وأحكام دينه..إنها طغمة سامريّة يقتضي الواجب الشرعي والأخلاقي البراءة منها وفضحها والتحذير من "دينها" المناقض لدين الله.