وبحسب معلومات أوردها الصحافي الاقتصادي مارتن ماثيو، المتخصص في تغطية الشؤون الاقتصادية والمالية السعودية وصناديق الثروة السيادية، فإن ميزانية "نيوم" للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030 تتضمن نحو 60 مليار ريال سعودي (ما يعادل 16 مليار دولار) مخصصة لتسوية وإنهاء عقود طويلة الأجل مع مقاولين وشركات مشاركة في تنفيذ المشروع.
وتشير التقديرات إلى أن هذه المبالغ قد تتجاوز ما سيتم إنفاقه على مشاريع البناء الجديدة خلال الفترة نفسها.
وتشمل المدفوعات المتوقعة مستحقات مالية متأخرة وتعويضات مرتبطة ببنود جزائية ناجمة عن إنهاء أو تعديل عقود طويلة الأجل، ما يعكس الكلفة الباهظة المترتبة على إعادة هيكلة المشروع بعد سنوات من إطلاقه بوصفه ركيزة أساسية في خطة التحول الاقتصادي السعودية.
وكانت التقديرات الأولية قد رجّحت أن تتجاوز تكلفة إنشاء مدينة "نيوم" المستقبلية الواقعة شمال غربي المملكة حاجز التريليون دولار، إلا أن الضغوط المالية المتزايدة دفعت الحكومة إلى إعادة النظر في حجم المشروع وأولوياته التنفيذية.
وتأتي هذه المراجعة في ظل استمرار العجز في الميزانية العامة، وعدم تحقيق مستويات الاستثمار الأجنبي المستهدفة، فضلاً عن الحاجة إلى توجيه الموارد نحو قطاعات أخرى تعتبرها الرياض أكثر إلحاحاً.
وتعمل "السعودية" في الوقت نفسه على زيادة الإنفاق في مجالات الدفاع والأمن، إلى جانب مشاريع الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية والبنية التحتية المرتبطة باستضافة معرض "إكسبو 2030" وبطولة كأس العالم لكرة القدم 2034، وهو ما أسهم في إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي.
وبحسب المعطيات المتداولة، فقد أنفقت السعودية حتى الآن ما يقارب 64 مليار دولار على مشروع نيوم، فيما تركز الإنجازات الفعلية المنجزة على أجزاء من مدينة "أوكساغون" الصناعية ومينائها، إضافة إلى مشروع الهيدروجين الأخضر الذي تُقدّر قيمته بنحو 8.4 مليارات دولار.
وفي المقابل، تتجه الخطط المستقبلية إلى تقليص حجم الإنفاق الرأسمالي الجديد، حيث يُتوقع تخصيص نحو 40 مليار ريال للمشاريع الجديدة خلال المرحلة المقبلة، مع تركيز أكبر على تطوير "أوكساغون" والبنية التحتية الأساسية اللازمة لجذب المستثمرين الأجانب، ولا سيما في قطاعات مراكز البيانات والصناعات المتقدمة.
كما طالت المراجعات عدداً من المشاريع التي كانت تمثل واجهة المشروع العملاق، وفي مقدمتها مشروع "ذا لاين" (The Line)، المدينة الخطية الضخمة التي كان يُفترض أن تمتد لعشرات الكيلومترات داخل الصحراء.
وتشير المعلومات إلى تأجيل أجزاء واسعة من المشروع إلى ما بعد عام 2030، بالتزامن مع إعادة تقييم مشاريع أخرى مثل "ماغنا" و"تروجينا"، فضلاً عن تقارير تحدثت عن إغلاق منتجع "سندالة" السياحي بعد فترة قصيرة من تشغيله.
وتعكس هذه التطورات تحوّلاً متزايداً من مرحلة التوسع الطموح إلى مرحلة إعادة التقييم المالي والاقتصادي للمشاريع الكبرى المرتبطة برؤية 2030، في محاولة لتحقيق توازن بين الطموحات التنموية والضغوط التي تفرضها متطلبات التمويل والإنفاق الحكومي.
ورغم الأرقام المتداولة، يؤكد المطلعون أن الكلفة النهائية لعمليات الإلغاء أو إعادة الهيكلة لا تزال قابلة للتغيير، تبعاً للمفاوضات الجارية بين الجهات الحكومية والمقاولين، فيما لم تصدر إدارة "نيوم" تعليقاً رسمياً على تلك المعلومات.
مؤخرا، أعلنت شركة “ويبيلد” الإيطالية، أكبر شركة إنشاءات في إيطاليا، أن إدارة مشروع “نيوم” فسخت تعاقدها معها لتنفيذ مشروع خط السكك الحديدية السريع في منطقة تبوك، وفق ما نقلته وكالة “رويترز”.
وقالت الشركة إن قرار الإنهاء سيدخل حيز التنفيذ في 27 مايو/أيار، رغم أن المشروع كان قد أنجز منه نحو 20 بالمئة، مع بقاء أعمال متأخرة تُقدّر قيمتها بنحو مليار يورو.
وأضافت “ويبيلد”، التي تتخذ من ميلانو مقراً لها، أن “نيوم” تعهدت بتعويضها عن جميع التكاليف التي تكبدتها حتى تاريخ إنهاء العقد، بما يشمل تكاليف إغلاق موقع العمل وإخلاء العمال والمعدات والمواد بصورة آمنة.
ويأتي هذا التطور بعد أشهر فقط من فسخ “نيوم” عقداً آخر مع الشركة نفسها يتعلق ببناء منظومة من ثلاثة سدود، مع بقاء أعمال متأخرة بقيمة تقارب 2.8 مليار يورو.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المؤشرات على ضغوط مالية متنامية داخل “السعودية”. فبحسب تقرير “سيمافور”، فإن اتساع العجز في الميزانية، وتراجع الاستثمارات الأجنبية مقارنة بالتوقعات الرسمية، إضافة إلى الشكوك المتزايدة بشأن الجدوى الاقتصادية لبعض مشاريع صندوق الاستثمارات العامة، دفعت السلطات إلى إعادة تقييم أولوياتها حتى قبل تداعيات الحرب مع إيران على الاقتصاد وثقة المستثمرين.
كما أشار التقرير إلى أن الصندوق السيادي السعودي قرر في وقت سابق من مايو/أيار وقف تمويل دوري “ليف غولف” بعد إنفاق نحو 5 مليارات دولار عليه، إلى جانب تعليق خطط مشروع “المكعب” العملاق في الرياض، وهو ما يعكس اتجاهاً متصاعداً نحو تقليص المشاريع التي تحتاج إلى إنفاق ضخم دون عوائد واضحة على المدى القريب.
وكان وزير المالية السعودي محمد الجدعان قد لمح العام الماضي إلى هذا التحول حين قال إن الحكومة ليست معنية بـ”الأنا” فيما يتعلق بالمشاريع، مؤكداً أن السلطات مستعدة لتعديل المشاريع أو تأجيلها أو حتى إلغائها إذا اقتضت الحاجة.
غير أن هذه التصريحات، التي تحاول تقديم التأجيلات على أنها جزء من “المرونة” في التخطيط، تكشف في المقابل حجم التحديات التي تواجهها “السعودية” في تمويل مشاريعها العملاقة، بعد سنوات من الترويج المكثف لها باعتبارها نموذجاً لمستقبل اقتصادي جديد.
ومع تزايد فسخ العقود، وإعادة التصميم، وتأجيل المشاريع الكبرى، تتعزز التساؤلات حول قدرة “رؤية 2030” على الاستمرار بالوتيرة والطموح اللذين رُسما لها منذ إطلاقها.