عاجل:
استثمارات السلطات السعودية الرياضية لا تخفي أزمة منتخبها
الاخبار 2026-06-09 09:14 793 0

استثمارات السلطات السعودية الرياضية لا تخفي أزمة منتخبها

سلّط تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز عبر منصتها الرياضية "ذا أثليتيك" الضوء على ثقافة مشجعي كرة القدم في "السعودية"، كاشفاً عن مفارقة لافتة تتمثل في اتساع الاستثمارات الرسمية الهائلة في الرياضة عالمياً مقابل استمرار الجدل بشأن تأثير تلك السياسات على واقع كرة القدم المحلية والمنتخب الوطني.

وجاء التقرير ضمن سلسلة مخصصة للتعريف بثقافات الجماهير المشاركة في كأس العالم 2026، حيث اختار عبارة "يا أخضر، الله معك" لتلخيص العلاقة العاطفية التي تربط السعوديين بمنتخبهم الوطني.

 

إلا أن المادة لم تقتصر على الاحتفاء بالحماس الجماهيري، بل تضمنت أيضاً إشارات إلى الانتقادات الموجهة للسياسات الرياضية السعودية وما يصفه منتقدون بمحاولات توظيف الرياضة لتحسين صورة الدولة دولياً.

 

وأشار التقرير إلى أن "السعودية" أصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعباً رئيسياً في المشهد الرياضي العالمي عبر استثمارات ضخمة شملت الاستحواذ على نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي، وإطلاق مشروع LIV للغولف، واستضافة سباقات الفورمولا 1 والمباريات الكبرى في الملاكمة وغيرها من الأحداث الرياضية الدولية.

 

ولفت إلى أن هذه التحركات أثارت اتهامات متكررة باستخدام الرياضة كوسيلة لـ"تبييض السمعة"، وهي الاتهامات التي سبق أن رفضها مسؤولون سعوديون، فيما أعلن ولي العهد محمد بن سلمان في وقت سابق أنه لا يكترث لهذه الانتقادات.

 

ورغم حجم الإنفاق والاستثمارات، يبرز في التقرير تساؤل ضمني حول مدى انعكاس هذه الطفرة المالية على أداء المنتخب الوطني السعودي. فبينما تستعد "السعودية" للمشاركة في كأس العالم 2026، يرى عدد من المشجعين الذين تحدثت إليهم الصحيفة أن المنتخب لا يزال بعيداً عن تحقيق طموحات جماهيره، وأن الإنجاز الأبرز خلال السنوات الأخيرة بقي الفوز التاريخي على الأرجنتين في مونديال قطر 2022.

 

وأوضح التقرير أن ذلك الانتصار، رغم أهميته الرمزية الكبيرة، لم ينجح في إيصال المنتخب إلى الأدوار الإقصائية، إذ غادر البطولة من دور المجموعات.

 

كما ذكّر بأن المنتخب لم يتمكن من تجاوز هذا الدور منذ مشاركته الأولى في كأس العالم عام 1994، عندما بلغ دور الـ16 في أفضل إنجاز له حتى الآن.ونقلت الصحيفة عن عدد من المشجعين السعوديين انتقادات تتعلق بتراجع مكانة المنتخب الوطني أمام الأندية المحلية.

 

وأكد بعضهم أن الولاء للأندية بات أقوى من الولاء للمنتخب، في ظل الشعبية المتزايدة للدوري السعودي بعد استقطاب أسماء عالمية كبيرة، الأمر الذي حوّل اهتمام الجماهير نحو المنافسات المحلية أكثر من متابعة المنتخب.

 

وأشار جلاوي العداني، أحد المشجعين الذين استطلعت الصحيفة آراءهم، إلى أن كرة القدم تمثل بالنسبة للسعوديين "وقوداً عاطفياً"، لكنه رأى في الوقت نفسه أن نتائج المنتخب خلال السنوات الماضية دفعت كثيرين إلى التركيز على أنديتهم المفضلة بدلاً من المنتخب الوطني. كما اعتبر أن ضعف الترويج الإعلامي للمنتخب مقارنة بالأندية أسهم في تراجع الحضور الجماهيري الداعم له.

 

وتوقف التقرير عند ظاهرة الانقسامات الجماهيرية الحادة بين الأندية السعودية، معتبراً أنها انعكست سلباً على حجم الالتفاف حول المنتخب الوطني. ووفقاً لبعض الآراء الواردة في المادة، فإن الانتماءات الرياضية المحلية، بل وحتى الروابط القبلية في بعض الأحيان، تبدو أكثر تأثيراً من الهوية الرياضية الوطنية المرتبطة بالمنتخب.

 

وفي جانب آخر، عرض التقرير آراء تنتقد بصورة مباشرة النموذج الحالي للدوري السعودي.

 

فبينما يُنظر إلى استقدام نجوم عالميين مثل كريستيانو رونالدو وكريم بنزيما ونيمار باعتباره دليلاً على القوة المالية للدوري، يرى بعض المشجعين أن هذه السياسة قد تأتي على حساب تطور اللاعبين المحليين.

 

وأشار العداني إلى أن العدد الكبير من اللاعبين الأجانب في الأندية الكبرى يقلّص فرص مشاركة اللاعبين السعوديين، ما يحدّ من قدرتهم على اكتساب الخبرة والتطور.

 

واعتبر أن المنتخب السعودي في ثمانينيات القرن الماضي كان أكثر قوة من المنتخب الحالي بسبب محدودية عدد اللاعبين الأجانب آنذاك، الأمر الذي منح اللاعبين المحليين مساحة أكبر للظهور وصقل المواهب.

 

كما نقل التقرير عن مشجعين آخرين مقارنة بين واقع المنتخب السعودي ونظيره المغربي، حيث رأى بعضهم أن قوة المنتخب المغربي تعود إلى احتراف عدد كبير من لاعبيه في أندية أوروبية رفيعة المستوى، بينما يواجه اللاعب السعودي صعوبات أكبر في الوصول إلى مثل هذه البيئات التنافسية.

 

وتناول التقرير أيضاً التغيير الفني الذي شهدته قيادة المنتخب قبل أسابيع قليلة من انطلاق كأس العالم، بعد إنهاء التعاقد مع المدرب الفرنسي هيرفي رينارد وتعيين اليوناني جورجيوس دونيس بدلاً منه.

 

واعتبر بعض المشجعين أن هذه الخطوة قد تمنح الفريق دفعة معنوية جديدة، فيما أكد آخرون أن سقف التوقعات لا يزال متواضعاً، وأن الهدف الأساسي يتمثل في تقديم أداء مشرف أكثر من المنافسة على اللقب.

 

وفي سياق أوسع، ربطت الصحيفة بين كرة القدم والتحولات الاجتماعية التي شهدتها "السعودية" خلال السنوات الأخيرة.

 

وأشارت إلى تزايد حضور النساء في الملاعب وارتفاع نسبة متابعتهن لكرة القدم، مستشهدة بشهادات تؤكد أن اللعبة باتت تجمع مختلف الفئات العمرية والاجتماعية في مناسبات وطنية كبرى، خصوصاً خلال مباريات المنتخب.

 

لكن التقرير لم يغفل الجانب الحقوقي المرتبط بالمشاريع الرياضية السعودية. فقد ذكّر بأن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قال عام 2024 إن استضافة "السعودية" لكأس العالم 2034 قد تشكل حافزاً للإصلاحات وتسهم في تحقيق نتائج إيجابية في مجال حقوق الإنسان.

 

في المقابل، أورد التقرير موقف منظمة العفو الدولية التي وصفت تلك التصريحات بأنها تمثل "تستراً مذهلاً" على سجل المملكة في مجال حقوق الإنسان.

 

وتكشف هذه الإشارة أن الجدل المحيط بالمشروع الرياضي السعودي لا يقتصر على الجوانب الفنية أو الاقتصادية، بل يمتد إلى ملفات سياسية وحقوقية لا تزال تثير انتقادات منظمات دولية، حتى مع استمرار توسع النفوذ الرياضي السعودي عالمياً.

 

وفي خلاصة الصورة التي رسمها التقرير، تبدو كرة القدم في "السعودية" مجالاً يجمع بين الفخر الوطني والطموح السياسي والاستثمارات الضخمة والتحديات الرياضية في آن واحد.

 

فبينما تعمل "السلطات" على تقديم البلاد بوصفها مركزاً رياضياً صاعداً على المستوى الدولي، لا تزال أسئلة كثيرة مطروحة حول قدرة هذه الاستثمارات على بناء منتخب قادر على تحقيق إنجازات تتناسب مع حجم الإنفاق، وحول ما إذا كانت الطفرة الرياضية الحالية ستنعكس فعلاً على تطوير المواهب المحلية أم ستبقى مرتبطة أساساً باستقطاب النجوم من الخارج وتحسين الصورة الدولية للبلاد.

 

آخر الاخبار