هادي الاحسائي
لا يمكن إخفاء طبيعة العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة الامريكية والمملكة السعودية منذ مطلع القرن الجديد الذي شهد أكبر عملية انتحارية على الأراضي الأمريكية تمثلت بتفجير برجي التجارة العالميين ومقر وزراة الدفاع الأمريكية وتم تحميل "تنظيم القاعدة" مسؤولية هذه العملية وعلى اثرها تم ملاحقة أعضاء هذا التنظيم حتى تمكنت واشنطن من إلقاء القبض على زعيمه "أسامة بن لادن" ولكن التنظيم لم ينته مع مقتل بن لادن بل تكاثر من جديد وأخذ أشكال أخرى وانبثق منه تنظيم داعش الارهابي الذي دمر حياة دولاً بأكملها لاسيما في العراق وسوريا.
السؤال ما علاقة ما تحدثنا به بالسعودية؟!
الحقيقة الأمر يعود بشكل دقيق الى أحداث 11 سبتمبر، إذ لا يمكن تجاهل أن 15 من أصل 19 من خاطفي الطائرات التي استهدف الأبراج الأمريكية، شاركوا في أحداث سبتمبر/أيلول كانوا في الأصل من السعوديين، ويمكن ربط هذا الكلام بدعم آل سعود للحركات (الجهادية) في السياسة والإعلام والعسكرة وتسهيل الطريق للسعوديين الراغبين في الانضمام إلى هذه الحركات، لاسيما في افغانستان وذلك لإبعاد أي خطر داخلي قد يقوض استقرار ملوك السعودية وحكمهم المبني على استثمار الدين لمصالحهم الشخصية، وبالتالي كان لا ريب في توجيه الشباب السعودي نحو الجهاد لمنعهم من التفكير بإحداث تغييرات داخل البلاد، خاصة وأن أعضاء الصحوة الإسلامية في فترة التسعينات أمثال سلمان العودة وسفر الحوالي وغيرهم كانوا قادرين على ترك أثر لدى الشباب السعودي، لذلك تم اعتقالهم وإجبارهم على تغيير أفكارهم لصالح النظام الحاكم.
أضف إلى هذا بأنه تم صرف مليارات الدولارات منذ عهد الملك فهد بن عبد العزيز على بناء آلاف المساجد والمدارس وتعليم الخطباء والطلاب والكتب والمراكز الإسلامية حول العالم، من أقصى جنوب أفريقيا لأقصى شمال أوروبا، ومن أقصى الشرق الآسيوي لحافة غرب العالم بأميركا، وكانت غايتها تخدم قولا واحداً، ولكن كان لابد من دفع الضريبة للأمريكي، الذي وجد في أحداث 11 سبتمبر فرصة لاختراق العالم الاسلامي والعربي تحديداً عبر الأراضي السعودية، وتركيز قواعده وإجبار آل سعود على فتح الأجواء السعودية على مصراعيها أمام الطائرات الأميركية لتنفيذ هجماتها على أفغانستان، ثم لاحقا ضد العراق، مع تحمل الكثير من التبعات اللوجستية مثل تزويد الوقود للطائرات الأميركية، وحتى زيادة إمدادات النفط للولايات المتحدة بأكثر من مليون برميل يوميا لتعويض نقص الإمدادات العراقية. وفي وقت لاحق، بدا أن الرياض لم تعد قادرة على دفع الكلفة السياسية للوجود الأميركي الصارخ على أراضيها، حيث جرى نقل مركز قيادة العمليات الأميركية من قاعدة سلطان الجوية في السعودية إلى قاعدة العديد في قطر باتفاق ثلاثي.
ولكي تؤمن السعودية الدعم اللوجستي للولايات المتحدة الأمريكية، كان لابد أن تقوم الأخيرة بالتغطية على تفاصيل 11 سبتمبر وعلاقة السعودية بها، وبالفعل عملت إدارة الرئيس السابق جورج بوش على إخفاء 29 صفحة من تقرير مشترك للكونغرس يتناول الروابط السعودية مع الخاطفين، كما ضاعفت إدارة بوش من جهود إلقاء اللوم على صدام حسين، حيث كانت بحاجة إلى كبش فداء لـ "الحرب ضد الإرهاب".
ومن هنا تم استخدام الأراضي السعودية مرة أخرى لتغزو العراق وتطيح بنظام صدام حسين، تحت حجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل ونشر الديمقراطية، وما حصل أن التقارير الأمريكية اثبتت أنه لم يكن هناك اسلحة دمار شامل وفي نفس الوقت لم تنشر هذه القوات الغازية الديمقراطية، بل عاثت فساداً ودمرت العراق، وكان لها دور كبير في ظهور تنظيم داعش الارهابي.
في بداية مايسمى "الربيع العربي" الذي حاربته السعودية إلا أنها في الوقت نفسه دعمت المعارضين للنظام في سوريا، ومولت جماعات ارهابية، خلال هذه الفترة كان يحكم الرئيس باراك اوباما الولايات المتحدة، ولم يكن معجباً بالسياسة الخارجية السعودية ورأى حينها أن السعودية أنفقت الأموال ودفعت أعدادا كثيرة من الأئمة والأساتذة نحو البلاد لتلقينها النسخة الهوياتية من الإسلام والتي تفضلها العائلة الحاكمة السعودية. وحين سأله أحدهم: "أليس السعوديون أصدقاءك؟"، رد أوباما بابتسامة باهتة مع عبارة مقتضبة قائلا: "الأمر معقد"، وهي إجابة غير معتادة سلطت الضوء على الفتور الأميركي.
اليوم يحكم أمريكا شخص كان يقول قبل وصوله إلى الحكم أن السعوديين هم "أكبر ممول للإرهاب في العالم"، لكن المفارقة ان أول بلد قام بزيارته كانت السعودية، وكانت الغاية واضحة، حلب آل سعود والحصول على أكبر قدر ممكن من المال وغض النظر عن تحالفاتها مع "تنظيم القاعدة" مجددا في اليمن وقمع النشطاء وغيرها من التجاوزات على غرار بوش الابن، وليس لدى ولي العهد محمد بن سلمان أي مشكلة في هذا التعاطي مقابل عدم إعادة واشنطن لملف 11 سبتمبر، ولكن لا نستبعد أن يفتح الرئيس ترامب هذا الملف مجددا عندما يرى الفرصة مناسبة، خاصةً وأن بن سلمان فشل في إصلاحاته.