في أروقة المحكمة الفيدرالية للمنطقة الشرقية بنيويورك (E.D.N.Y.)، قُيدت بهدوء دعوى قضائية غير مألوفة تحمل الرقم (1:26-cv-04944)، تحت عنوان: Morgan v. Saudi Arabian Airlines Corp. للوهلة الأولى، قد تبدو القضية نزاعاً مدنياً روتينياً ضد ناقل جوي، لكن فحوى الأوراق المسجلة — في 114 صفحة — تكشف عن اتهام شديد الخطورة:
توظيف الخطوط الجوية السعودية كذراع لوجستية ورسمية لتسهيل عمليات الملاحقة والاختطاف القسري العابر للحدود.
تفتح هذه الدعوى الباب على مصراعيه أمام التساؤل الأخلاقي والسياسي الأكثر إلحاحاً:
إلى أي مدى استطاع المال السياسي ونفوذ النفط تحويل منظومة العدالة في العواصم الغربية — من نيويورك وواشنطن إلى لندن وباريس — إلى جدار عازل يحمي المتورطين من العقاب، ويطمس جرائم القتل، والمخدرات، والإرهاب، والاختطاف؟
1. من يكون ماكس مورغان؟
ماكس مورغان ليس مجرد اسم في عريضة دعوى؛ بل هو محامٍ أمريكي مرخص في بنسلفانيا ونيوجيرسي منذ عام 2013، عمل في مكتب (The Weitz Firm, LLC)، وتخصص في قضايا الاحتيال الإلكتروني والمكالمات غير القانونية (robocalls)، محققاً تسويات بملايين الدولارات.
عنوانه المسجل في الأوراق الرسمية: 1629 K Street NW, Suite 300, Washington, DC — قلب العاصمة السياسية الأمريكية.
لكن في 20 سبتمبر 2023، اختفى مورغان تماماً؛ لم يُعلن عن اعتقاله، وحُرم من الاتصال بعائلته أو ممثليه القانونيين. عاد في 29 نوفمبر 2025 ليكتب عبر حسابه:
«تم اختطافي وتعذيبي وإخفائي قسرياً لمدة عامين ونصف… اختُطفت مع الأميرة بسمة بنت سعود وابنتها سهود، ومع مواطن بريطاني (Gary McKenna) وآخر أمريكي (Danial Jiwani) ومواطن أسترالي».
الصدمة لا تكمن في واقعة الاختطاف وحدها، بل في أن رجل القانون الذي يُتقن الصياغة القضائية عاد من جحيم الاحتجاز ليرفع دعوى ضد ناقل جوي، مجبراً على تمثيل نفسه شخصياً (Pro Se) — في إشارة لانعدام الثقة — ومطالباً بإعفائه من الرسوم (In Forma Pauperis) وتعيين محامٍ له.
ما الذي يُرهب ويفقر محامياً فدرالياً ناجحاً إلى هذا الحد؟!
الجواب: إنها ليست مجرد دعوى تعويض مدني، بل لائحة اتهام جنائية وسياسية في 114 صفحة تضم أسماء، وتواريخ، ومسارات رحلات طيران، وشهادات حية تضع المحكمة أمام ملف قمع ممنهج بغطاء تجاري.
2. من أجنحة الطيران إلى فرق الاغتيال: عسكرة المؤسسات المدنية
إن ملاحقة الخطوط السعودية قضائياً في نيويورك ليست سابقة معزولة، بل تُمثل فصلاً جديداً من استراتيجية توظيف مقدرات الدولة والشركات العامة في أعمال الملاحقة غير القانونية:
الخلاصة: لسنا أمام حوادث عابرة، بل نمط مؤسسي مُثبت يربط أذرع الاستثمار بالناقلات الجوية بالأجهزة الأمنية.
3. أنثروبولوجيا الاختطاف: سيناريو متكرر وضحايا متعددون
تكشف وقائع السنوات الأخيرة عن خريطة واضحة لعمليات القمع العابر للحدود:
|
الضحية |
السنة |
المسار اللوجستي |
الأسلوب والوسيلة |
النتيجة |
|
لجين الهذلول |
2018 |
الإمارات ← السعودية |
استدراج واحتجاز ونقل عبر طائرة خاصة |
اعتقال وتعذيب لسنوات |
|
الأميرة بسمة بنت سعود |
2019 |
الرياض (محاولة خروج لـ جنيف) |
اعتراض الرحلة والاحتجاز القسري |
3 سنوات سجن بدون تهمة |
|
سعد الجبري |
2018 |
كندا |
إرسال فريق اغتيال عبر Sky Prime |
نجاة الضحية ومعارك قضائية دولية |
|
جمال خاشقجي |
2018 |
إسطنبول |
فريق اغتيال + طائرات Sky Prime |
استدراج، قتل، وتقطيع |
|
ماكس مورغان |
2023 |
ملاحقة ونقل قسري |
احتجاز جماعي مع شخصيات دولية |
إفراج عام 2025 ودعوى فدرالية 2026 |
هذا غيض من فيض.
4. العواصم الأوروبية: مقبرة العدالة تحت أقدام الأمراء
هذا النهج في الهروب من المحاسبة تغذى على عقود من “التساهل المفرط” والتواطؤ الإجرائي من قِبل حكومات وقضاء دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا، حيث حُوّلت الحصانة الدبلوماسية إلى رخصة مطلقة للإفلات من العقاب:
5. هجمات 11 سبتمبر: كسر حظر الوثائق وحصانة الدولة
تتجلى ذروة المعركة القضائية في ملف هجمات 11 سبتمبر 2001؛ فبعد ربع قرن من استماتة الرياض لدفع التهم وحجب تقارير التحقيق الاستخباراتية (مثل تحقيقات عملية إنكور - Operation Encore التي وثقت دور عناصر مثل عمر البيومي وفهد الثميري في مساعدة الخاطفين لوجستياً في لوس أنجلوس):
6. الاقتصاد السياسي للإفلات من العقاب
لا يمكن فهم استعصاء المحاسبة دون تفكيك لغة الأرقام والمصالح:
7. سيناريوهات ما بعد دعوى “الخطوط السعودية”: ماذا بعد؟
تقف القاضية الفيدرالية ناتاشا ميرل (Natasha C. Merle) في بروكلين أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. السيناريو القضائي الحاسم: قبول المحكمة “استثناء النشاط التجاري” (Commercial Activity Exception) لقانون الحصانة، وإلزام الخطوط السعودية بتقديم الوثائق والمثول للتحقيق، مما يفتح باب التعويضات ويكسر حاجز الحصانة لشركات الدولة.
2. السيناريو الدبلوماسي (التدخل السياسي): تقديم وزارة العدل الأمريكية، بطلب من الخارجية، “بيان مصلحة” (Statement of Interest) يوصي برد الدعوى لاعتبارات تمس “الأمن القومي والعلاقات الاستراتيجية”، وهو ما يهدد بإجهاض القضية سياسياً.
3. السيناريو الإجرائي والمناورة: محاولة هيئة الدفاع السعودية الطعن في الاختصاص القضائي والمكاني (Forum Non Conveniens)، ونقل الأصول أو هيكلة الأنشطة للالتفاف على أي قرارات تنفيذية محتملة.
الخاتمة: هل اقتربت نهاية عصر الحصانة؟
عندما تُربط الخيوط بين استخدام طائرات الخطوط السعودية في الملاحقة، وتوظيف أساطيل الطيران الخاص في الاغتيالات، وتطويع الحصانات لتغطية جرائم القتل والمخدرات في أوروبا، وصولاً إلى استجوابات 11 سبتمبر في مانهاتن؛ يصبح التساؤل الحقيقي:
إلى متى ستظل المنظومات القضائية الغربية عاجزة عن وضع حد لتوظيف السيادة كغطاء للجرائم؟
لكن هذه المرة، ثمة ما يختلف؛ فماكس مورغان ليس ضحية عادية تفتقر إلى الأدوات، بل محامٍ فدرالي خبير في صياغة الدعاوى، عاد من جحيم الاحتجاز حاملاً في حقيبته 114 صفحة من الوثائق — تضم أسماءً، وتواريخ، ومسارات رحلات، وشهادات حية — لا يكتفي فيها بمجرد سرد وقائع النقل والاحتجاز، بل يقدم ملف إدانة متكاملاً
إنه لا يرفع دعوى تعويض، بل يقدّم ملف إدانة يضع المحكمة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتعامل مع هذه الأوراق كدليل على نمط مؤسسي ممنهج، أو أن تُغلق الملف بحجة الحصانة وتُثبت أن العدالة الغربية لا تزال قابلة للشراء.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة:
ففي كل القضايا السابقة — من كوكايين باريس إلى دم لندن، ومن خاشقجي إلى الجبري — كان الضحايا يمتلكون الشجاعة، لكنهم كانوا يفتقرون إلى الوثيقة الحاسمة التي تجبر القضاء على الاختيار.
أما مورغان، فيقدّم هذه المرة ما لم يقدمه سابقوه:
أدلة مكتوبة وموثقة من داخل النظام نفسه، تضع القاضية ناتاشا ميرل أمام اختبار حقيقي:
هل ستنتصر المحكمة لضحايا القمع العابر للحدود وسيادة القانون؟
أم أن البترودولار والنفوذ الجيوسياسي سيظلان كافيين لشراء صكوك البراءة والإفلات من العقاب؟
لا أحد يعلم ما ستؤول إليه الأوراق في بروكلين؛ فالقضاء الأمريكي قد يفاجئنا بالانتصار للعدالة، وقد يفاجئنا مجدداً بالانحناء أمام ضغوط الدبلوماسية والمال.
لكن شيئاً واحداً بات مؤكداً:
جدار الحصانة لم يعد صامداً كما كان، وكل صفحة من صفحات مورغان الـ114 هي مطرقة تطرق عليه — والسؤال الوحيد المتبقي:
هل سيكفي هذا الطرق لتحطيمه، أم أن العدالة لا تزال قابلة للتفاوض؟