عاجل:
قضية ماكس مورغان:  هل تُشقّ جدار النفوذ السعودي في القضاء الأمريكي؟
حدث وتحليل 2026-09-07 15:09 728 0

قضية ماكس مورغان: هل تُشقّ جدار النفوذ السعودي في القضاء الأمريكي؟

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

في أروقة المحكمة الفيدرالية للمنطقة الشرقية بنيويورك (E.D.N.Y.)، قُيدت بهدوء دعوى قضائية غير مألوفة تحمل الرقم (1:26-cv-04944)، تحت عنوان: Morgan v. Saudi Arabian Airlines Corp. للوهلة الأولى، قد تبدو القضية نزاعاً مدنياً روتينياً ضد ناقل جوي، لكن فحوى الأوراق المسجلة — في 114 صفحة — تكشف عن اتهام شديد الخطورة:

توظيف الخطوط الجوية السعودية كذراع لوجستية ورسمية لتسهيل عمليات الملاحقة والاختطاف القسري العابر للحدود.

تفتح هذه الدعوى الباب على مصراعيه أمام التساؤل الأخلاقي والسياسي الأكثر إلحاحاً:

إلى أي مدى استطاع المال السياسي ونفوذ النفط تحويل منظومة العدالة في العواصم الغربية — من نيويورك وواشنطن إلى لندن وباريس — إلى جدار عازل يحمي المتورطين من العقاب، ويطمس جرائم القتل، والمخدرات، والإرهاب، والاختطاف؟

 

1. من يكون ماكس مورغان؟

ماكس مورغان ليس مجرد اسم في عريضة دعوى؛ بل هو محامٍ أمريكي مرخص في بنسلفانيا ونيوجيرسي منذ عام 2013، عمل في مكتب (The Weitz Firm, LLC)، وتخصص في قضايا الاحتيال الإلكتروني والمكالمات غير القانونية (robocalls)، محققاً تسويات بملايين الدولارات.

عنوانه المسجل في الأوراق الرسمية: 1629 K Street NW, Suite 300, Washington, DC — قلب العاصمة السياسية الأمريكية.

لكن في 20 سبتمبر 2023، اختفى مورغان تماماً؛ لم يُعلن عن اعتقاله، وحُرم من الاتصال بعائلته أو ممثليه القانونيين. عاد في 29 نوفمبر 2025 ليكتب عبر حسابه:

«تم اختطافي وتعذيبي وإخفائي قسرياً لمدة عامين ونصف… اختُطفت مع الأميرة بسمة بنت سعود وابنتها سهود، ومع مواطن بريطاني (Gary McKenna) وآخر أمريكي (Danial Jiwani) ومواطن أسترالي».

الصدمة لا تكمن في واقعة الاختطاف وحدها، بل في أن رجل القانون الذي يُتقن الصياغة القضائية عاد من جحيم الاحتجاز ليرفع دعوى ضد ناقل جوي، مجبراً على تمثيل نفسه شخصياً (Pro Se) — في إشارة لانعدام الثقة — ومطالباً بإعفائه من الرسوم (In Forma Pauperis) وتعيين محامٍ له.

ما الذي يُرهب ويفقر محامياً فدرالياً ناجحاً إلى هذا الحد؟!

الجواب: إنها ليست مجرد دعوى تعويض مدني، بل لائحة اتهام جنائية وسياسية في 114 صفحة تضم أسماء، وتواريخ، ومسارات رحلات طيران، وشهادات حية تضع المحكمة أمام ملف قمع ممنهج بغطاء تجاري.

 

2. من أجنحة الطيران إلى فرق الاغتيال: عسكرة المؤسسات المدنية

إن ملاحقة الخطوط السعودية قضائياً في نيويورك ليست سابقة معزولة، بل تُمثل فصلاً جديداً من استراتيجية توظيف مقدرات الدولة والشركات العامة في أعمال الملاحقة غير القانونية:

  • طائرات «سكاي برايم» وقضية خاشقجي (2018): أثبتت التحقيقات الدولية والأممية أن فريق الاغتيال المكون من 15 عنصراً (بينهم أطباء تشريح وضباط استخبارات) نُقلوا إلى إسطنبول وعادوا منها عبر طائرات خاصة تابعة لشركة Sky Prime Aviation، وهي شركة تابعة مباشرة لصندوق الاستثمارات العامة (PIF).
  • قضية د. سعد الجبري (2020 - 2024): مسؤول الاستخبارات السابق الذي كشف أمام القضاء الأمريكي إرسال “فرقة النمر” لاغتياله في كندا عبر طائرات Sky Prime ذاتها بعد أيام من تصفية خاشقجي، ورغم وضوح الأدلة اللوجستية، واجهت الدعوى لاحقاً تعقيدات الحصانة بعد تسمية بن سلمان رئيساً للوزراء.
  • قضية ماكس مورغان (2026): تأتي الدعوى الجديدة في نيويورك لتضرب على الوتر ذاته؛ مساءلة الناقل الوطني السعودي عن التورط والتواطؤ مع الأجهزة الأمنية في عمليات نقل واحتجاز قسري، في محاولة ذكية من الادعاء لاختراق “قانون حصانات السيادة الأجنبية” (FSIA) عبر ملاحقة الشركات التجارية وشبه الحكومية بموجب المادة (28 U.S.C. § 1331).

الخلاصة: لسنا أمام حوادث عابرة، بل نمط مؤسسي مُثبت يربط أذرع الاستثمار بالناقلات الجوية بالأجهزة الأمنية.

 

3. أنثروبولوجيا الاختطاف: سيناريو متكرر وضحايا متعددون

تكشف وقائع السنوات الأخيرة عن خريطة واضحة لعمليات القمع العابر للحدود:

الضحية

السنة

المسار اللوجستي

الأسلوب والوسيلة

النتيجة

لجين الهذلول

2018

الإمارات السعودية

استدراج واحتجاز ونقل عبر طائرة خاصة

اعتقال وتعذيب لسنوات

الأميرة بسمة بنت سعود

2019

الرياض (محاولة خروج لـ جنيف)

اعتراض الرحلة والاحتجاز القسري

3 سنوات سجن بدون تهمة

سعد الجبري

2018

كندا

إرسال فريق اغتيال عبر Sky Prime

نجاة الضحية ومعارك قضائية دولية

جمال خاشقجي

2018

إسطنبول

فريق اغتيال + طائرات Sky Prime

استدراج، قتل، وتقطيع

ماكس مورغان

2023

ملاحقة ونقل قسري

احتجاز جماعي مع شخصيات دولية

إفراج عام 2025 ودعوى فدرالية 2026

هذا غيض من فيض.

 

4. العواصم الأوروبية: مقبرة العدالة تحت أقدام الأمراء

هذا النهج في الهروب من المحاسبة تغذى على عقود من “التساهل المفرط” والتواطؤ الإجرائي من قِبل حكومات وقضاء دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا، حيث حُوّلت الحصانة الدبلوماسية إلى رخصة مطلقة للإفلات من العقاب:

  • فضيحة الكوكايين الملكية في باريس (1999): استخدم الأمير نايف بن سلطان الشعلان طائرته الدبلوماسية الخاصة لتهريب قرابة طُنين (نحو 2000 كغم) من الكوكايين من فنزويلا إلى مطار “لو بورجيه” بباريس، ورغم صدور إدانة فرنسية غيابية عام 2007 بالسجن 10 سنوات، حالت الحصانة والضغوط السياسية دون تسليمه، وظل الأمير طليقاً في الرياض يتحدى مذكرات التوقيف الدولية.
  • جريمة فندق لاندمارك في لندن (2010): قَتل الأمير سعود بن عبد العزيز بن ناصر مرافقه (بندر عبد العزيز) بعد جلسات تعذيب واعتداء وحشية موثقة بكاميرات المراقبة، ورغم إدانته بالسجن المؤبد في بريطانيا، مارست الرياض ضغوطاً سياسية واقتصادية هائلة، انتهت بنقله عام 2013 لقضاء عقوبته في سجن سعودي، ليختفي أثره تماماً وسط شبهات حقوقية واسعة بإطلاق سراحه.

 

5. هجمات 11 سبتمبر: كسر حظر الوثائق وحصانة الدولة

تتجلى ذروة المعركة القضائية في ملف هجمات 11 سبتمبر 2001؛ فبعد ربع قرن من استماتة الرياض لدفع التهم وحجب تقارير التحقيق الاستخباراتية (مثل تحقيقات عملية إنكور - Operation Encore التي وثقت دور عناصر مثل عمر البيومي وفهد الثميري في مساعدة الخاطفين لوجستياً في لوس أنجلوس):

  • الضربة القضائية في نيويورك (أغسطس 2025): أصدر القاضي الفيدرالي “جورج دانيلز” في المحكمة الفيدرالية الجنوبية (SDNY) حكماً مفصلياً أسقط فيه دفوع الرياض بالحصانة السيادية، مؤكداً وجود أدلة كافية تدعم استمرار مقاضاة الدولة السعودية ومساءلتها عن التعويضات بموجب قانون “جاستا” (JASTA).

 

6. الاقتصاد السياسي للإفلات من العقاب

لا يمكن فهم استعصاء المحاسبة دون تفكيك لغة الأرقام والمصالح:

  • لوبيات الضغط: إنفاق مئات الملايين من الدولارات على شركات العلاقات العامة وجماعات الضغط القانوني في واشنطن ولندن.
  • صفقات السلاح والاستثمار: توظيف مئات المليارات في صفقات التسليح، وضخ استثمارات صندوق الاستثمارات العامة (PIF) في عمالقة التكنولوجيا والبنية التحتية الغربية (أوبر، لوسيد، شركات الرياضة والترفيه العالمية).
  • سلاح الطاقة: استخدام التلويح بالعقود والنفط لابتزاز الحكومات الغربية وإجبار وزارات الخارجية على التدخل لتعطيل الملاحقات القضائية.

 

7. سيناريوهات ما بعد دعوى “الخطوط السعودية”: ماذا بعد؟

تقف القاضية الفيدرالية ناتاشا ميرل (Natasha C. Merle) في بروكلين أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1.      السيناريو القضائي الحاسم: قبول المحكمة “استثناء النشاط التجاري” (Commercial Activity Exception) لقانون الحصانة، وإلزام الخطوط السعودية بتقديم الوثائق والمثول للتحقيق، مما يفتح باب التعويضات ويكسر حاجز الحصانة لشركات الدولة.

2.      السيناريو الدبلوماسي (التدخل السياسي): تقديم وزارة العدل الأمريكية، بطلب من الخارجية، “بيان مصلحة” (Statement of Interest) يوصي برد الدعوى لاعتبارات تمس “الأمن القومي والعلاقات الاستراتيجية”، وهو ما يهدد بإجهاض القضية سياسياً.

3.      السيناريو الإجرائي والمناورة: محاولة هيئة الدفاع السعودية الطعن في الاختصاص القضائي والمكاني (Forum Non Conveniens)، ونقل الأصول أو هيكلة الأنشطة للالتفاف على أي قرارات تنفيذية محتملة.

 

الخاتمة: هل اقتربت نهاية عصر الحصانة؟

عندما تُربط الخيوط بين استخدام طائرات الخطوط السعودية في الملاحقة، وتوظيف أساطيل الطيران الخاص في الاغتيالات، وتطويع الحصانات لتغطية جرائم القتل والمخدرات في أوروبا، وصولاً إلى استجوابات 11 سبتمبر في مانهاتن؛ يصبح التساؤل الحقيقي:

إلى متى ستظل المنظومات القضائية الغربية عاجزة عن وضع حد لتوظيف السيادة كغطاء للجرائم؟

لكن هذه المرة، ثمة ما يختلف؛ فماكس مورغان ليس ضحية عادية تفتقر إلى الأدوات، بل محامٍ فدرالي خبير في صياغة الدعاوى، عاد من جحيم الاحتجاز حاملاً في حقيبته 114 صفحة من الوثائق — تضم أسماءً، وتواريخ، ومسارات رحلات، وشهادات حية — لا يكتفي فيها بمجرد سرد وقائع النقل والاحتجاز، بل يقدم ملف إدانة متكاملاً

إنه لا يرفع دعوى تعويض، بل يقدّم ملف إدانة يضع المحكمة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتعامل مع هذه الأوراق كدليل على نمط مؤسسي ممنهج، أو أن تُغلق الملف بحجة الحصانة وتُثبت أن العدالة الغربية لا تزال قابلة للشراء.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة:

ففي كل القضايا السابقة — من كوكايين باريس إلى دم لندن، ومن خاشقجي إلى الجبري — كان الضحايا يمتلكون الشجاعة، لكنهم كانوا يفتقرون إلى الوثيقة الحاسمة التي تجبر القضاء على الاختيار.

أما مورغان، فيقدّم هذه المرة ما لم يقدمه سابقوه:

أدلة مكتوبة وموثقة من داخل النظام نفسه، تضع القاضية ناتاشا ميرل أمام اختبار حقيقي:

هل ستنتصر المحكمة لضحايا القمع العابر للحدود وسيادة القانون؟

أم أن البترودولار والنفوذ الجيوسياسي سيظلان كافيين لشراء صكوك البراءة والإفلات من العقاب؟

لا أحد يعلم ما ستؤول إليه الأوراق في بروكلين؛ فالقضاء الأمريكي قد يفاجئنا بالانتصار للعدالة، وقد يفاجئنا مجدداً بالانحناء أمام ضغوط الدبلوماسية والمال.

لكن شيئاً واحداً بات مؤكداً:

جدار الحصانة لم يعد صامداً كما كان، وكل صفحة من صفحات مورغان الـ114 هي مطرقة تطرق عليه — والسؤال الوحيد المتبقي:

هل سيكفي هذا الطرق لتحطيمه، أم أن العدالة لا تزال قابلة للتفاوض؟

آخر الاخبار