عاجل:
لماذا تحتفي إسرائيل بتغيير المناهج السعودية؟
حدث وتحليل 2026-08-19 17:08 635 0

لماذا تحتفي إسرائيل بتغيير المناهج السعودية؟

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

المقدمة: حين تُستخدم «مكافحة الكراهية» لإسكات نصرة المظلوم

قد تبدو تغريدة حساب «إسرائيل بالعربية» عن إصلاح المناهج السعودية خبراً تعليمياً عادياً، لكنها عند قراءتها في سياقها السياسي تكشف عن رهان أوسع من مجرد حذف عبارات أو تعديل كتب مدرسية.

فالحساب الإسرائيلي لم يكتفِ بالإشادة بما وصفه بإزالة مضامين معادية لليهود، بل ربط هذه التغييرات بتحسين صورة إسرائيل وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتعاون معها، ثم وجّه سؤاله إلى السلطة الفلسطينية: متى تحذو حذو السعودية؟

وهنا ينبغي التوقف عند أصل المسألة.

لا خلاف على رفض خطاب الكراهية؛ فكل عاقل يرفض أن يتعلم الطفل بغض إنسان بسبب دينه أو أصله أو هويته، لكن رفض الكراهية لا يعني رفض مقاومة الظلم، ولا يعني تجريم الوقوف في وجه الاحتلال والطغيان، ولا يعني نزع الشرعية عن نصرة المظلوم والدفاع عن النفس.

فنصرة الحق ليست كراهية، والوقوف في وجه الظالم ليس عداءً عرقياً أو دينياً، وفضح الاحتلال ليس تحريضاً على أتباع ديانة، والدفاع عن القدس وفلسطين لا يعني الدعوة إلى بغض اليهود باعتبارهم يهوداً.

كما أن الآيات والأحاديث التي تحث على العدل، ونصرة المظلوم، ومقاومة البغي، والدفاع عن الأرض والإنسان، لا يمكن اختزالها في خطاب كراهية لمجرد أنها ترفض الظلم وتدين المعتدي.

المشكلة إذن ليست في مبدأ تنقية المناهج من العنصرية أو الكراهية، بل في الجهة التي تملك تعريف هذه المفاهيم وحدود استخدامها.

من يحدد ما هو خطاب كراهية؟

ومن يميز بين كراهية الإنسان بسبب هويته، وبين رفض الاحتلال بسبب أفعاله؟

ومن يقرر متى يكون الحديث عن المقاومة والدفاع عن النفس مشروعاً، ومتى يُعاد تصنيفه باعتباره تطرفاً أو تحريضاً؟

الخطر يبدأ عندما يتحول شعار «مكافحة الكراهية» إلى أداة لحذف كل ما يذكّر بالاحتلال، أو يناصر القدس وفلسطين، أو يثبت حق الشعب الواقع تحت العدوان في الدفاع عن نفسه، أو يفضح الظلم الواقع عليه، عندها لا يعود المقصود محاربة الكراهية، بل إعادة تعريف المقاومة باعتبارها كراهية، وإعادة تعريف الصمت باعتباره اعتدالاً.

والسؤال الأخطر هو:

ماذا يحدث عندما تُستخدم هذه العملية لإعادة صياغة صورة إسرائيل والصهيونية وفلسطين داخل وعي الأجيال الجديدة؟!

هل يجري بناء جيل يرفض العنصرية ويحترم أتباع الأديان جميعاً، مع احتفاظه بقدرته على رؤية الاحتلال ورفضه؟

أم يجري إعداد جيل يُطلب منه أن يكون متسامحاً مع إسرائيل، صامتاً أمام الظلم، متردداً في نصرة فلسطين، ومقتنعاً بأن أي موقف مقاوم هو بالضرورة موقف متطرف؟

هنا تتجاوز المسألة حدود الكتاب المدرسي.

إنها تتعلق بمن يملك حق تشكيل الوعي، ومن يحدد معنى الاعتدال، ومن يرسم الحدود بين التسامح والاستسلام، وبين احترام الإنسان وقبول الظلم، وبين رفض الكراهية والتخلي عن نصرة المظلوم.

واللافت أن الحديث عن «إصلاح» المناهج يتزامن مع تضييق مساحة التعبير العلني عن التضامن مع فلسطين، حتى في أماكن ذات مكانة دينية ورمزية كبرى، مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومع ملاحقة بعض التعبيرات والرموز والمنشورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

في المناهج، يجري الحديث عن إزالة الكراهية.

وفي المجال العام، يجري التضييق على نصرة فلسطين.

ومن هذا التزامن تظهر المفارقة التي يناقشها هذا المقال:

هل يجري فعلاً بناء وعي يرفض الكراهية ويحترم الإنسان، أم يجري استخدام هذا الشعار لترويض الوعي، وإسكات نصرة الحق، وتفريغ فلسطين من معناها الديني والتاريخي والسياسي، وتهيئة المجتمع لتقبّل إسرائيل باعتبارها دولة طبيعية وشريكاً محتملاً؟

فالتطبيع لا يبدأ بالضرورة من السفارة أو الاتفاق الدبلوماسي، قد يبدأ من اللغة، ومن المدرسة، ومن حذف المفردات التي تصف الاحتلال، ومن تجريم التضامن، ومن تحويل المقاومة إلى تهمة، ومن جعل الوقوف مع المظلوم فعلاً يحتاج إلى تبرير.

السؤال الحقيقي هو:

ماذا يُحذف إلى جانب خطاب الكراهية "المزعوم"؟

هل يجري حذف الصور النمطية المعادية لليهود فقط؟

أم يجري، في الوقت نفسه، حذف مفردات الاحتلال والاستيطان والتهجير والقدس والصراع العربي الإسرائيلي؟

هل تُفصل اليهودية عن الصهيونية، أم يُستخدم الخلط بينهما لإسكات نقد إسرائيل؟

وهل يجري بناء جيل يرفض الكراهية، أم جيل يُطلب منه أيضاً أن يرى إسرائيل باعتبارها دولة طبيعية، وأن يرى فلسطين باعتبارها ملفاً سياسياً ينبغي للدولة وحدها أن تديره؟

هنا تتجاوز المسألة حدود الكتاب المدرسي.

إنها تتعلق بمن يملك حق تشكيل الوعي، ومن يحدد معنى الاعتدال، ومن يرسم حدود التضامن، ومن يقرر ما يجوز قوله وما ينبغي أن يظل صامتاً.

واللافت أن إعادة صياغة المناهج تتزامن مع تضييق مساحة التعبير العلني عن فلسطين، حتى في أماكن يفترض أنها الأكثر اتصالاً بالوجدان الإسلامي، مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة.

في الكتب، يجري تغيير صورة اليهود وإسرائيل.

وفي المجال العام، يجري تضييق مساحة التعبير عن فلسطين.

ومن هذا التزامن تتشكل القضية الأساسية لهذا المقال:

إن التطبيع لا يبدأ بالضرورة من السفارة والاتفاق الدبلوماسي؛ فقد يبدأ من اللغة، ومن المدرسة، ومن إعادة تعريف الاعتدال، ومن تحويل التضامن مع فلسطين إلى سلوك سياسي قابل للمنع والعقاب.

 

أولاً: لماذا تحتفي إسرائيل بتغيير المناهج السعودية؟

استندت التغريدة الإسرائيلية إلى تقارير منظمة IMPACT-se التي تتبعت خلال السنوات الماضية التغييرات التي طرأت على المناهج السعودية، وتحدثت عن إزالة مضامين اعتُبرت معادية لليهود، وتراجع بعض النصوص المرتبطة بالتطرف والعنف، وتحسن تناول الأقليات الدينية، فضلاً عن تغيرات في الطريقة التي تظهر بها إسرائيل في بعض الكتب.

من حيث المبدأ، لا مشكلة في إزالة خطاب الكراهية أو التعميمات العنصرية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول عملية التنقيح إلى إعادة صياغة سياسية للتاريخ والواقع.

إزالة صورة نمطية معادية لليهود ليست تطبيعاً مع إسرائيل.

أما حذف العبارات التي تتحدث عن القدس أو الاحتلال أو الاستيطان أو مسؤولية إسرائيل عن تهجير الفلسطينيين، أو تقديم الصراع باعتباره مجرد خلاف بين طرفين، فهذه ليست عملية تربوية محايدة، إنها إعادة ترتيب للذاكرة السياسية.

وهنا ينبغي طرح الأسئلة التي لا تجيب عنها التغريدة الإسرائيلية:

  • ما الذي حُذف تحديداً؟
  • ما الذي بقي؟
  • كيف تُعرض فلسطين في الكتب الجديدة؟
  • كيف تُعرض إسرائيل؟
  • هل ما زال الاحتلال يوصف باعتباره احتلالاً؟
  • هل يُذكر تهجير الفلسطينيين وحقوقهم التاريخية؟
  • هل تُعرض الصهيونية بوصفها حركة سياسية مرتبطة بالاستيطان والاستعمار، أم يجري اختزالها في صورة محايدة؟
  • هل أصبح السلام مفهوماً مجرداً منفصلاً عن العدالة والحقوق؟

إن الإشادة الإسرائيلية لا تثبت وحدها وجود تعليمات إسرائيلية للسلطات السعودية، لكنها تكشف بوضوح عن نوع التغيير الذي تعتبره إسرائيل مرغوباً:

تغيير لا يكتفي بمحاربة الكراهية، بل يساهم في إخراج إسرائيل من موقع الخصم التاريخي وإدخالها تدريجياً في موقع الشريك الطبيعي.

 

ثانياً: الاعتدال ليس مرادفاً لقبول إسرائيل

أخطر ما في المرحلة الحالية هو اختطاف مفهوم الاعتدال وتحويله من قيمة أخلاقية إلى أداة سياسية.

يمكن للإنسان أن يرفض معاداة اليهود، وأن يحترم اليهود كأتباع ديانة، وفي الوقت نفسه يرفض الاحتلال الإسرائيلي.

يمكنه أن يرفض قتل المدنيين الإسرائيليين، وأن يرفض بالقدر نفسه قتل المدنيين الفلسطينيين.

يمكنه أن يميز بين اليهودية كدين، واليهود كجماعة دينية، والصهيونية كأيديولوجيا سياسية، وإسرائيل كدولة ومؤسسة احتلال.

لا يوجد أي تناقض في ذلك.

لكن الخطاب الجديد يحاول وضع هذه القضايا داخل سلة واحدة:

  • رفض الكراهية يصبح اعتدالاً.
  • انتقاد إسرائيل يصبح تطرفاً.
  • رفض التطبيع يصبح تخلفاً.
  • التضامن مع الفلسطينيين يصبح تسييساً للحياة العامة.
  • الدفاع عن المقاومة، مهما كان الموقف من ممارساتها، يتحول إلى تهمة جاهزة.

وهكذا لا تعود المعركة ضد العنصرية والكراهية، بل ضد الذاكرة السياسية نفسها.

فالاعتدال الحقيقي لا يعني أن يتوقف الإنسان عن رؤية الظلم، ولا يعني أن يُطلب من الفلسطيني أو العربي أن يكون متسامحاً مع الاحتلال أكثر مما هو متسامح مع ضحيته.

التسامح الذي لا يتسع لرفض الاحتلال ليس تسامحاً؛ بل هو انضباط سياسي مفروض من الأعلى.

 

ثالثاً: فلسطين في الحرم… عندما تصبح الكوفية «شعاراً سياسياً»

إذا كانت السعودية تقدم تغيير المناهج باعتباره جزءاً من مشروع للتسامح والتعايش، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما ننتقل من الكتب إلى الواقع.

في يوليو/تموز 2025، أفادت تقارير باعتقال حاج مصري في المسجد الحرام بعدما رفع العلم الفلسطيني بالقرب من الكعبة وهتف دعماً للفلسطينيين في غزة.

وقبل ذلك، ظهرت تقارير عن احتجاز أشخاص أو مضايقتهم بسبب إظهار رموز فلسطينية في مكة، بما في ذلك الكوفية أو الأوشحة التي تحمل ألوان العلم الفلسطيني.

وقد تقول السلطات إن الحج والعمرة ليسا مكاناً للتظاهرات السياسية، وإن تنظيم الحشود ومنع الفوضى يقتضيان حظر الشعارات والرايات.

لكن هذا التبرير لا ينهي السؤال.

هل يجري التعامل بالطريقة نفسها مع كل الرموز والشعارات؟

وهل يصبح رفع علم فلسطين، أو ارتداء كوفية، أو التعبير عن التعاطف مع المدنيين الفلسطينيين فعلاً أمنياً يستوجب التدخل؟

فلسطين ليست بالنسبة إلى ملايين المسلمين مجرد ملف دبلوماسي.

إنها القدس، والمسجد الأقصى، والتهجير، والاحتلال، وذاكرة عقود من القتل والاقتلاع، ومحاولة اختزالها في عبارة «شعار سياسي» تعني نزع بعدها الديني والتاريخي والشعبي، وإخضاعها بالكامل للتعريف الرسمي الذي تضعه الدولة.

المشكلة إذن ليست في تنظيم الحشود بحد ذاته، بل في استخدام التنظيم الأمني لمنع ظهور التضامن الشعبي، حتى عندما يكون التضامن سلمياً ولا يتضمن عنفاً أو اعتداءً على أحد.

 

رابعاً: من منع الهتاف إلى تقييد الدعاء

في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحدثت تقارير عن توقيف مصلٍّ في المدينة المنورة بعدما هتف مطالباً إمام الحرم بالحديث عن فلسطين وغزة، وسط إجراءات أمنية في المدينة.

وبعد اندلاع حرب غزة، صدرت تصريحات رسمية تؤكد منع الشعارات السياسية خلال موسم الحج، وقدمت السلطات ذلك باعتباره حماية لروحانية الحج ومنعاً لتسييس الشعائر.

لكن حتى مع التمييز بين الدعاء الفردي والهتاف الجماعي، يبقى السؤال قائماً:

متى يتحول التعبير الديني عن التضامن إلى مخالفة أمنية؟

إن المطالبة بالحديث عن شعب يتعرض للحرب، أو الدعاء للمدنيين، أو التعبير عن الحزن على أطفال غزة، ليست بالضرورة تظاهرة سياسية.

لكن حين تُمنع هذه الأفعال أو يعاقب أصحابها، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس هي أن فلسطين قضية ينبغي الشعور بها في الداخل، لكن لا ينبغي التعبير عنها علناً.

وهنا تظهر المفارقة:

يُطلب من المجتمع أن يكون متسامحاً مع اليهود وإسرائيل، بينما يُطلب منه أن يكون صامتاً أمام معاناة الفلسطينيين!!!.

يُسمح بإعادة تقديم إسرائيل في الكتب باعتبارها موضوعاً محتملاً للتعاون، لكن يُمنع تحويل فلسطين إلى تضامن جماعي ظاهر!!!.

إنها ليست محاربة للتسييس بقدر ما هي احتكار الدولة للسياسة.

 

خامساً: من الكوفية إلى السجن

لا يتعلق الأمر بالرموز وحدها.

خلال السنوات الماضية، واجه مسلمون وعرب و لسطينيون ومؤيدون للقضية الفلسطينية في السعودية اعتقالات وأحكاماً أثارت انتقادات حقوقية واسعة.

ومن أبرز الحالات قضية محمد الخضري، ممثل حركة حماس السابق في السعودية، الذي اعتُقل مع آخرين، ثم حُكم عليه بالسجن.

كما تعرض الأردني من أصل فلسطيني عبد الرحمن فرحانة للاعتقال، وخلصت مجموعة الأمم المتحدة العاملة المعنية بالاحتجاز التعسفي إلى أن احتجازه كان تعسفياً.

لا تختزل هذه الملفات في عبارة «اعتقال أشخاص لأنهم يحبون فلسطين»، إذ تستخدم السلطات اتهامات قانونية وأمنية متعددة.

لكن ذلك لا يلغي البعد السياسي الواضح في اختيار الأهداف، ولا يلغي أثر هذه الأحكام على المجال العام.

فالرسالة لا تصل إلى المعتقل وحده.

إنها تصل إلى كل من يفكر في الكلام، وكل من يكتب، وكل من يشارك منشوراً، وكل من يتساءل عن سبب تجريم التضامن مع شعب يتعرض للقتل.

في الأنظمة القمعية، لا يحتاج النظام إلى اعتقال الجميع، يكفي أن يعاقب عدداً محدوداً بطريقة قاسية كي يمارس الباقون الرقابة الذاتية.

ولهذا فإن تقييد التعبير عن فلسطين لا يظهر فقط في عدد المعتقلين، بل في عدد الذين لم يعودوا يكتبون، ولم يعودوا يهتفون، ولم يعودوا يرفعون العلم، ولم يعودوا يذكرون ما يفكرون فيه.

 

سادساً: عندما يصبح الرأي في إسرائيل قضية أمنية

في مايو/أيار 2024، نقلت بلومبرغ وتقارير أخرى أن السلطات السعودية شنت حملة ضد منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي مرتبطة بالحرب في غزة وانتقاد إسرائيل.

هنا انتقلت الرقابة من الشارع إلى الهاتف.

لم تعد المسألة متعلقة بمظاهرة أو تجمع أو راية، بل بما يكتبه المواطن على حسابه الشخصي.

وهذا أكثر خطورة؛ لأن إعادة تشكيل الوعي لا تحتاج دائماً إلى إقناع الناس بفكرة جديدة، بل يكفي أن تجعل التعبير عن الفكرة القديمة مكلفاً.

إذا عرف المواطن أن التغريدة قد تؤدي إلى التحقيق أو الاعتقال، فسوف يبدأ بحذفها قبل نشرها.

وإذا عرف أن التضامن مع فلسطين قد يُفسر باعتباره تحريضاً أو تعاطفاً مع جهة محظورة، فسوف يتعلم أن الصمت هو السلوك الأكثر أماناً.

وهكذا لا تحتاج السلطة إلى إقناع المجتمع كله بأن إسرائيل لم تعد عدواً.

يكفي أن تجعل الكلام عن إسرائيل وفلسطين محفوفاً بالخطر، وأن تجعل الصمت يبدو اعتدالاً، وأن تجعل الرقابة الذاتية بديلاً عن الاقتناع.

 

سابعاً: الشعب في وادٍ والسلطة في وادٍ آخر

إذا كانت التغييرات التعليمية تعكس تحولاً في توجهات الدولة، فماذا عن العمق الشعبي؟

التناقض هنا ليس مجرد تباين في وجهات النظر، بل فجوة سحيقة كشفت عنها مراكز الدراسات الدولية.

ففي استطلاع أجراه “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” في ديسمبر 2023، أي بعد اندلاع حرب غزة، أيد 96% من السعوديين مقترح قطع كافة الاتصالات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية مع إسرائيل.

وفي السياق ذاته، أظهرت تحليلات صادرة عن “المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي (INSS)” في عام 2025 أن الرفض الشعبي للتطبيع وصل إلى مستوى قياسي بلغ 99%، حيث اعتبرت هذه النسبة إقامة أي علاقة طبيعية مع الاحتلال “خطوة سلبية”.

هذه الأرقام، الصادرة عن جهات تتابع الشأن السعودي بدقة، تثبت حقيقة واحدة: السلطة تعمل بمعزل عن ضمير شعبها.

ولأن السلطة تدرك أن هذا الموقف الشعبي ثابت ولا يتزحزح، فإنها لا تملك خياراً سوى ممارسة “الهندسة الاجتماعية” عبر المناهج، وتكميم الأفواه، في محاولة يائسة لجعل الجيل القادم يرى العالم بعيون تختلف عن عيون آبائهم وأجدادهم.

الفجوة هنا ليست مجرد خلاف سياسي، بل هي معركة وجودية حول من يحدد هوية هذا الشعب وموقفه التاريخي.

وهنا يبرز السؤال:

إذا كان الرفض الشعبي للتطبيع مرتفعاً إلى هذا الحد، فمن الذي يجري «إعادة اعتداله»؟

هل هو الشعب؟

أم الخطاب الرسمي؟

أم الجيل القادم؟

قد لا يكون الهدف تغيير موقف المجتمع فوراً، فالسلطة تعرف أن فلسطين متجذرة في الوجدان السعودي والعربي والإسلامي.

لكن الهدف قد يكون تغيير الإطار الذي تُفهم من خلاله فلسطين مستقبلاً.

فبدلاً من أن تكون فلسطين قضية تحرر واحتلال وحقوق، تصبح قضية إنسانية.

وبدلاً من أن تكون إسرائيل دولة احتلال، تصبح دولة مثيرة للجدل يمكن التعاون معها.

وبدلاً من أن يكون التضامن معها حقاً شعبياً، يصبح نشاطاً سياسياً يخضع للترخيص والمنع.

وهنا تكمن أهمية المناهج: السياسة الخارجية يمكن أن تتغير بقرار، أما تغيير موقف جيل كامل فيحتاج إلى سنوات.

 

ثامناً: محمد بن سلمان وفلسطين… «شعبي يهتم»

في سبتمبر/أيلول 2024، نقلت تقارير عن مجلة The Atlantic أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قال خلال لقاء مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إنه لا يهتم شخصياً بالقضية الفلسطينية، لكنه يدرك أن شعبه يهتم بها، ولذلك يحتاج إلى التعامل معها سياسياً.

وقد نفى مسؤول سعودي صحة الرواية، ولذلك تبقى تفاصيلها محل خلاف، لكن أهميتها السياسية لا تتوقف على إثبات كل كلمة وردت فيها.

فالوقائع العامة تؤكد أن القيادة السعودية لا تستطيع تجاهل مركزية فلسطين في المزاج الشعبي السعودي.

وهذه المركزية هي التي تجعل فلسطين عاملاً حاسماً في حسابات أي اتفاق تطبيع محتمل.

لكن التعامل مع القضية بوصفها عقبة سياسية أمام صفقة، يختلف عن التعامل معها بوصفها قضية شعب واقع تحت الاحتلال.

في الحالة الأولى، تصبح فلسطين ورقة تفاوض.

وفي الحالة الثانية، تبقى فلسطين قضية عدالة وحقوق وذاكرة وهوية.

وهنا تتضح أهمية إعادة تشكيل الوعي: عندما تُنقل فلسطين من موقع القضية المركزية إلى موقع الملف السياسي، تصبح قابلة للتفاوض، ثم قابلة للتأجيل، ثم قابلة للإدارة من دون مشاركة المجتمع.

 

تاسعاً: إعادة هندسة الوعي لا تحتاج إلى مرسوم

الدولة التي تريد تغيير موقف مجتمعها لا تحتاج دائماً إلى إصدار قرار يقول:

غيّروا رأيكم في إسرائيل.

العملية أكثر تعقيداً.

تبدأ من اللغة، ثم الكتب، ثم الإعلام، ثم الخطاب الديني، ثم ما يسمح به في المجال العام، ثم ما يُصنف باعتباره تطرفاً، ثم ما يُقدم باعتباره اعتدالاً.

وبمرور الوقت يتغير الإطار الذي يفكر الإنسان داخله قبل أن يتغير رأيه نفسه.

لا يعود السؤال:

هل إسرائيل دولة احتلال؟

بل يصبح:

هل من الحكمة أن ننتقد إسرائيل الآن؟

ولا يعود السؤال:

هل يحق لنا التضامن مع الفلسطينيين؟

بل يصبح:

هل سيُعتبر هذا التضامن شعاراً سياسياً؟

ولا يعود السلام مرتبطاً بالعدالة والحقوق، بل يتحول إلى قيمة مجردة منفصلة عن سؤال: من احتل؟ ومن هُجّر؟ ومن يملك القوة؟

هذه هي إعادة هندسة الوعي.

ليست بالضرورة مؤامرة مكتوبة في وثيقة واحدة، بل مساراً متراكماً يعاد فيه تعريف المقبول والمرفوض، والاعتدال والتطرف، والذاكرة والنسيان.

 

عاشراً: أي سعودية تريدها إسرائيل؟

إسرائيل لا تقول إن السعودية أصبحت إسرائيلية، ولا تقول إن التطبيع قد اكتمل.

هي تحتفي باتجاه معين.

تريد السعودية دولة لا تعادي اليهود، وهذا مطلب طبيعي ومشروع، لكنها تريد، في الوقت نفسه، أن تصبح إسرائيل دولة طبيعية في الوعي العربي، وأن تتراجع صورتها باعتبارها خصماً تاريخياً ودولة احتلال، وأن تختفي فلسطين تدريجياً بوصفها عائقاً أمام التطبيع.

أما السعودية فتريد اقتصاداً عالمياً، واستثمارات، وشراكات تكنولوجية، ونفوذاً دولياً، وصورة جديدة في الغرب، وخروجاً من صورة الدولة المرتبطة بالتشدد والقمع.

وهنا تتقاطع المصالح.

تحتاج إسرائيل إلى تغيير صورتها في الوعي العربي.

وتحتاج الرياض إلى إعادة تقديم نفسها أمام الغرب بوصفها دولة تحديث واعتدال وانفتاح.

وبين الحاجتين تنشأ عملية متبادلة:

  • السعودية تعيد تقديم نفسها كدولة معتدلة.
  • إسرائيل تمنح هذا التحول شهادة القبول.
  • المناهج تصبح جزءاً من الصورة الجديدة.
  • وفلسطين تصبح شيئاً ينبغي ضبطه حتى لا يعرقل هذه الصورة.

لا يعني ذلك أن السعودية تنفذ أوامر إسرائيلية مباشرة.

لكنه يعني أن المسارين قد يلتقيان في النتيجة: إسرائيل تريد أن تصبح طبيعية في الوعي العربي، والسلطة السعودية تريد أن تصبح طبيعية في النظام الدولي الجديد.

 

الحادي عشر: التطبيع لم يحدث بعد، لكن مقدماته الثقافية تتشكل

السعودية لم تعلن حتى الآن إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، وظلت تؤكد علناً ربط التطبيع بإقامة دولة فلسطينية أو بتحقيق مسار جدي نحو حل القضية الفلسطينية.

كما أن مسار التطبيع واجه عراقيل كبيرة، ولم يتحول إلى اتفاق نهائي.

لكن عدم حدوث التطبيع رسمياً لا يعني أن مقدماته الثقافية والسياسية لم تبدأ.

فالتطبيع ليس لحظة واحدة تقع عند توقيع الاتفاق. إنه مسار طويل يبدأ من:

  • تغيير اللغة.
  • تعديل المناهج.
  • فتح قنوات التواصل.
  • تقديم إسرائيل باعتبارها شريكاً تكنولوجياً.
  • تراجع حضور الاحتلال في الخطاب العام.
  • تجريم التضامن المستقل.
  • وتحويل الاعتراض على التطبيع إلى موقف غير عقلاني أو متطرف.

إن الاتفاق الدبلوماسي، حين يأتي، يكون قد وصل إلى مجتمع جرى إعداد جزء من وعيه لاستقباله.

 

ثاني عشر: المفارقة في جدول واحد

الخطاب الرسمي

ما تكشفه الوقائع

نحارب التطرف

يجري توسيع تعريف بعض أشكال التعبير السياسي باعتبارها شعارات ممنوعة

نطوّر التعليم

تتغير طريقة تقديم اليهود وإسرائيل والصراع في الكتب

ندعم القضية الفلسطينية

تُفرض قيود على بعض أشكال التضامن العلني معها

لا تطبيع بلا دولة فلسطينية

يستمر العمل السياسي والثقافي على تهيئة شروط التطبيع

الاعتدال يعني التسامح

يبقى السؤال: هل يشمل التسامح حق الفلسطيني في التعبير عن قضيته؟

المجتمع يتغير

تكشف استطلاعات الرأي استمرار الرفض الشعبي الواسع للتطبيع

الحج للعبادة لا للسياسة

تُستخدم القاعدة أحياناً لمنع رموز وتعبيرات مرتبطة بفلسطين تحديداً

هذه ليست مجرد تناقضات إعلامية.

إنها معركة على تعريف الواقع نفسه:

من يملك حق تسمية القمع تنظيماً؟

ومن يملك حق تسمية الصمت اعتدالاً؟

ومن يملك حق تحديد ما يجوز للأجيال أن تعرفه عن فلسطين؟

 

الخلاصة: الجيل الذي لا يكره، لكنه لا يرفض أيضاً

المعركة ليست على صفحة حُذفت من كتاب، ولا على عبارة تغيرت في منهج، ولا على كوفية مُنعت أو علم صودر.

المعركة الأعمق هي:

من سيكتب الذاكرة القادمة؟

من سيخبر الطفل السعودي لماذا كانت فلسطين قضية مركزية لعقود؟

من سيشرح له لماذا أصبحت القدس رمزاً للصراع؟

من سيقول له إن احترام اليهود لا يعني قبول الاحتلال؟

ومن سيقول له إن رفض الصهيونية لا يعني كراهية اليهود؟

ومن سيمنحه الحق في أن يتضامن مع الفلسطينيين من دون أن يتحول تضامنه إلى تهمة؟

الإصلاح الحقيقي لا يعني أن يتعلم الطفل كراهية الكراهية فقط، بل أن يتعلم التفكير النقدي والقدرة على مساءلة السلطة والرواية الرسمية.

أما إذا كان المقصود بالاعتدال أن يتقبل العرب إسرائيل، وأن ينسوا فلسطين، وأن يصبح نقد الاحتلال تطرفاً، وأن تتحول المقاومة في الوعي العام إلى مجرد «إرهاب»، وأن يصبح التضامن مع غزة «شعاراً سياسياً» ممنوعاً، فذلك ليس اعتدالاً.

ذلك ترويض للوعي.

ولا يعني هذا أن التطبيع قد اكتمل، أو أن السعودية أصبحت إسرائيلية، أو أن كل إصلاح تعليمي مؤامرة.

لكنه يعني أن هناك اتجاهاً يستحق أن يُقرأ بوضوح: إخراج إسرائيل تدريجياً من موقع الخصم والاحتلال، وإدخالها في موقع الدولة الطبيعية والشريك المحتمل، بالتوازي مع تقييد التضامن الشعبي المستقل مع فلسطين.

ولهذا فإن تغريدة «إسرائيل بالعربية» ليست مجرد إشادة بالمناهج السعودية.

إنها تكشف، من دون أن تقصد ربما، عن نوع السعودية التي تريد إسرائيل أن تراها:

سعودية لا تعادي اليهود، وهذا أمر مشروع.

لكن الأهم بالنسبة إليها أن تكون أيضاً سعودية لا ترى إسرائيل عدواً تاريخياً، ولا ترى الاحتلال قضية مركزية، ولا تجعل فلسطين عائقاً أمام التطبيع.

وهنا يصبح السؤال موجهاً إلى صانع القرار السعودي:

هل تريدون جيلاً يرفض الكراهية فقط، أم جيلاً يُعاد تشكيل موقفه من فلسطين وإسرائيل؟

فالفرق بين الاثنين هو الفرق بين إصلاح التعليم وإعادة هندسة الوعي.

وبينما يمكن للسلطة أن تغير كتاباً بقرار، فإن الذاكرة الشعبية لا تُمحى بسهولة.

قد يُمنع العلم، وتُحذف العبارة، ويُجرَّم الهتاف، وتُراقَب التغريدة، لكن ذلك لا يعني أن فلسطين غادرت الوجدان.

إنما يعني أن السلطة، وهي تعيد تعريف الاعتدال، تخشى من بقاء فلسطين حاضرة خارج تعريفها الرسمي.

فالجيل الذي يتعلم احترام الإنسان المختلف يجب أن يتعلم أيضاً حقه في رفض الظلم.

والجيل الذي يُطلب منه أن يكون معتدلاً يجب ألا يُطلب منه أن يكون صامتاً.

آخر الاخبار