لاتزال تعيش السودان أزمات خانقة على الصعيد السياسي والاقتصادي وكذلك العسكري والتي امتدت بطبيعة الحال إلى الشارع السوداني الذي أطاح بالرئيس السابق عمر البشير والذي وصل السلطة عبر انقلاب عسكري، ويخشى المتظاهرون أمام مقر قيادة الجيش في العاصمة الخرطوم أن يتكرر الأمر نفسه ويحكم العسكر البلاد في ظل الدعم الواضح الذي تقدمه بعض دول المنطقة لقمع الشارع السوداني وابعاد "حلم" الحكومة المدنية عن عقول السودانيين، وبما أن الشارع واعٍ لما يجري نتمنى ألا تتم مصادرة ثورتهم كما حصل في دول أخرى.
السعودية والامارات على خط الأزمة
عندما بدأت المظاهرات في السودان لم نكن نسمع أي تصريح من أي مصدر خليجي تجاه ما يحدث في السودان، حيث تتبع الحكومات الخليجية لاسيما السعودية والامارات مبدأ "الانتقائية" في مثل هذه الظروف، اذ بقيت هاتان الدولتان صامتتان حتى بعد عزل البشير الذي كان صديقا لهم يوما ما، وما إن تنحى الفريق اول عوض بن عوف من قيادة المجلس العسكري الانتقالي وجاء مكانه عبد الفتاح البرهان حتى تكالب آل سعود وآل زايد لتقديم الدعم له على جميع المستويات وتوفير غطاء سياسي وعسكري وحتى اقتصادي ليبقى البرهان في السلطة ويقضي على حلم الشعب السوداني بالوصول إلى حكومته المدنية.
هذا الدعم تجسد بزيارتين إلى كل من السعودية ومصر والامارات قام بهما نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو "حميدتي" ورئيس المجلس عبد الفتاح البرهان، ورأت قوى الحراك الثوري أن هاتين الزيارتين لن تخدما الشعب السوداني لأن من ذهب لزيارة هذه الدول لايمثل الشارع السوداني بجميع أطيافه.
ثانيا والأهم من خول هؤلاء بتمثيل الشعب السوداني في الخارج ومن أعطاهم الصفة القانونية والدستورية، وترى القيادات المدنية أن كل ما يقوم به هؤلاء يصب في اطار "تفريغ ثورتهم من محتواها"، واعتبر كثير من السودانيين، أن الزيارتين تؤكدان ما يقال عن سعي القاهرة والرياض، للإجهاز على الثورة السودانية وتمكين المجلس العسكري من البقاء في حكم البلاد.
قوى الحرية والتغيير غير راضية اطلاقا عن سلوك المجلس العسكري وترى فيه محاولة لتمديد صلاحياته وسلطاته، مشيرة إلى أن هذه الزيارات تنذر بفتح الباب للتدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية السودانية، والتي تزيد من مخاوف المحتجين السودانيين على مكاسبهم الثورية.
الصحافة السودانية أيضا تابعت هذه التطورات بعناية فائقة وقالت صحيفة الراكوبة (مستقلة) نقلا عن مصادر متطابقة، بأن مباحثات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع نائب رئيس المجلس العسكري السوداني محمد حمدان دقلو تركزت على بقاء القوات السودانية المشاركة ضمن التحالف العربي في اليمن مقابل دعم المملكة للسلطات الجديدة في السودان بكل السبل.
وكان حميدتي أكد بقاء قوات السودان المشاركة ضمن التحالف العربي في اليمن "حتى تحقق أهدافها".
ما المقابل؟
الواضح بأن الصيغة الجديدة في السودان تقوم على الشكل التالي:
يقوم المجلس العسكري بقمع المظاهرات الشعبية وتقدم السعودية والامارات كل الدعم اللازم لاجراء هذا البند، وفي حال تعثر ذلك ستتجه هاتان الدولتان لتقديم اغراءات للقيادة المدنية واثارة فتنة داخلها ليسهل اختراقها وبالتالي تقويض مجهودها في الوصول إلى مطالبها لحساب المجلس العسكري الذي ينذر بقائه بعودة أيام البشير وربما أصعب من ذلك.
آل سعود يخترقون دائما الشعوب عبر المال، وهذا ما فعلته أيضا مع السودان مستغلة عجز ميزانيتها وأوضاعها الاقتصادية المتأزمة، وعلى هذا الاساس قدمت دعما ماليا، وقالت وزارة المالية السعودية -في بيان- إن المملكة أودعت 250 مليون دولار في البنك المركزي السوداني، كجزء من حزمة مساعدات تعهدت بها الرياض لصالح السودان، وسبق أن أعلنت كل من السعودية والإمارات في الـ 21 من أبريل/نيسان الماضي تقديم دعم مالي قيمته ثلاثة مليارات دولار للسودان.
نعتقد بأن هذا الدعم المادي سيكون محدود ومؤقت حتى ايصال المجلس العسكري إلى بر الأمان الذي تبحث عنه الرياض وأبو ظبي لكي لا يخرج السودان من تحت عباءتهم لان لهذا الأمر تبعات كثيرة على ملف الحرب اليمنية والتطورات الأخيرة التي تشهدها منطقة الخليج والتي تنذر بحرب قد تحدث في اي لحظة في حال بالغت الولايات المتحدة الأمريكية بأطماعها وعقوباتها .
في حال بقي المتظاهرون متماسكون لا خوف عليهم ولكن أي محاولة لاختراقهم ونجاح هذه المحاولة سيجهض كل ماقاموا به منذ أكثر من 4 أشهر وحتى اللحظة.