بحسب تقرير نشرته منصة Semafor، تستعد السعودية لتحمل كلفة مالية ضخمة مرتبطة بإعادة تقييم مشاريع “نيوم”، إذ تشير التقديرات إلى أن ميزانية المشروع بين عامي 2026 و2030 قد تتضمن مدفوعات تصل إلى نحو 60 مليار ريال سعودي (ما يقارب 16 مليار دولار) للمقاولين، كجزء من تسويات لإنهاء اتفاقيات وعقود طويلة الأجل.
هذه ليست مجرد أرقام عابرة في ميزانية مشروع عملاق، بل مؤشر بالغ الدلالة على أن كلفة التراجع عن بعض “الأحلام” قد أصبحت بحد ذاتها عبئًا ماليًا هائلًا، يتجاوز بمراحل كلفة البناء نفسها.
فالمعضلة اليوم لم تعد محصورة في الأموال التي صُرفت على التخطيط والترويج، بل في الكلفة الباهظة التي تُدفع الآن “للتخلص” من مشاريع لم تكتمل كما خُطط لها.
من حلم تريليوني إلى فاتورة إلغاء
عندما طُرحت “نيوم” للعالم، قُدمت بوصفها نموذجًا لمدينة المستقبل: اقتصاد جديد، وتكنولوجيا متقدمة، وريادة في السياحة والطاقة.
لكن السنوات اللاحقة كشفت أن الفجوة بين الخيال الهندسي والواقع الاقتصادي أوسع مما قُدم للرأي العام.
فالمشاريع العملاقة لا تُقاس بجرأة العروض البصرية، بل بقدرتها على توليد عوائد ملموسة، وجذب استثمارات مستقرة، وتقديم منفعة مباشرة للاقتصاد والمجتمع.
وحين تصل كلفة إنهاء عقود في مشروع واحد إلى 16 مليار دولار، يصبح السؤال مشروعًا:
كم كلّف الاندفاع نحو هذا المشروع منذ لحظة إطلاقه؟
وكم ستكلّف العودة عن أجزاء منه بعد توريط الاقتصاد في عقودٍ ملزمة؟
تكلفة الفرصة البديلة: ما الذي كان يمكن فعله بـ 16 مليار دولار؟
في الاقتصاد، يُعد مفهوم “تكلفة الفرصة البديلة” هو المعيار الأصدق لتقييم الإنفاق؛ فكل ريال يُصرف في اتجاه معين يعني بالضرورة حرمانه من اتجاه آخر.
إن الحديث عن مليارات الدولارات المرتبطة بإلغاء عقود “نيوم” يطرح تساؤلات حتمية عن أولويات التنمية؛ فمبلغ بهذا الحجم كان يمكن أن يشكل دفعة استثنائية لقطاعات تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر، مثل بناء وحدات سكنية ميسّرة للشباب، تطوير التعليم، أو دعم البنية التحتية الصحية.
ليست المسألة هنا رفضاً للاستثمار، بل مساءلة لنوع هذا الاستثمار: هل هو استثمار منتج ومدروس، أم اندفاع نحو مشاريع ضخمة تستهلك الموارد قبل أن تثبت قدرتها على توليد العائد، ثم تستهلك موارد إضافية عند تقليصها أو إلغائها؟
لماذا تعثرت الرؤية؟
في بعض الحالات، لا تكون المشكلة في الفكرة وحدها، بل في الطريقة التي تتحول بها الرؤية إلى قرار، والقرار إلى عقود، والعقود إلى التزامات يصعب التراجع عنها لاحقاً.
فحين تغيب المراجعة الدقيقة، أو تتراجع مساحة النقاش الفني أمام بريق المشروع، تصبح الكلفة أكبر من مجرد أرقام في الموازنة.
المشاريع العملاقة لا تنجح بمجرد ضخامة التصاميم، بل بمدى توافقها مع حدود السوق، وحين تفتقر المشاريع لآليات “المراجعة المستقلة” وتغيب فيها المشورة الفنية لصالح الاندفاع العاطفي، فإن النتيجة تكون التزامات عقودية باهظة يصعب التخلص منها دون تكبد خسائر فادحة.
التنمية: بين الصورة والنتيجة
التنمية الحقيقية لا تُقاس بما يُعرض على الشاشات، بل بما يتحقق في حياة الناس، إن القيمة الاقتصادية لأي مشروع تظهر من خلال خلق وظائف مستدامة، وتنمية قطاعات إنتاجية، وتحسين مستوى دخل الأسرة.
إذا لم تنعكس المشاريع الكبرى على هذه المؤشرات، فإنها تبقى أقرب إلى “استعراض معماري ومالي” منه إلى تحول اقتصادي عميق، ولا قيمة لمشروع يوصف بأنه “مدينة المستقبل” إذا كان الحاضر يئن تحت وطأة احتياجات أساسية تنتظر الإنفاق الحكيم والموزون.
ختاماً: ضريبة الغرور
في المحصلة، لا يمكن للتنمية أن تقوم على أوهامٍ معمارية، إن ما يحدث اليوم من هدرٍ بمليارات الدولارات مقابل “التراجع” ليس سوى ضريبة فادحة لسياسات صُمَّت آذانُها عن صوت العقل؛ ليجد المواطن نفسه في نهاية المطاف هو المموّل الإجباري لفواتير أحلامٍ، كلفتها الحقيقية ليست فقط في بنائها، بل في ثمنِ الاعتراف المتأخر بكونها وهماً.