بقلم: فيصل التويجري
لا شيء يوحي بأن المواجهات بين البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي مقبلة على حالة من التهدئة، وعلى العكس من ذلك تبدو الأجواء مرشحة للمزيد من التصعيد والتجاذب على ضوء انتقاد قادة بارزين في مجلس النواب والشيوخ ومن الحزبين الجمهوري والديمقراطي عدم التزام إدارة ترامب بالمهلة التي حددها لها المشرعون للكشف عن موقفها بشأن اغتيال خاشقجي ودور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المحتمل فيه. ولم تسهم أيضاً رسالة وزير الخارجية الأمريكي مايك بوبيو بشأن الإجراءات المتخذة في قضية خاشقجي في طمأنة هؤلاء المشرعين بل ان منهم من قال انها مقلقة ولا تفي بالمتطلبات الواردة في قانون ماجستي.
اذاً " لا بد من رد على التجاهل"، هذه الجملة تتنامى يوماً بعد يوم اقتناعاً في الكونغرس الأمريكي وذلك بعد رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الامتثال لمهلته بشأن مقتل خاشقجي. لم يطلع المشرعين في تقرير رسمي على ما تعرفه ادارته من تفاصيل الجريمة والمتورطين فيها وعلى ماذا وما كان يتعين وضعهم تحت طائلة عقوبات. اذاً ترامب مدين بالرد، لكنه لم يعدم من يدافعون عن قانونية صمته وقد يحاجج ذلك بأن الإدارة أطلعت المشرعين على ما اتخذ من إجراءات في القضية، وهذه المرة جاء الرد جمهورياً على لسان العضو في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مايكل ماكول، حيث قال أن رسالة وزير الخارجية مايك بوبيو مقلقة ولا تفي ولا تكفي للمتطلبات الواردة في قانون ماجستي، داعياُ البيت الأبيض بالامتثال فوراً بالقانون وتزويد الكونغرس بالمعلومات المطلوبة.
سكوت الرئيس الأمريكي وعدم امتثاله للقانون الأمريكي أثار زوبعة من الغضب في الكونغرس لازدرائه لسلطته الدستورية، ولانتهاكه القانون وخرقه مبدأ فصل السلطات الذي يعد ضامناً لدستورية النظام الجمهوري في الولايات المتحدة. وهذا ما يراه فقهاء القانون الأمريكي والذي يلمسه واقعاً أعضاء جمهوريون وديمقراطيون في الكونغرس بمجلسيه. وفي هذا السياق يقول السيناتور الديمقراطي كريس مرفي ان المهلة ليست مرتبطة بطلب من لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بل هي من متطلبات القانون ولا خيار برأيه أمام إدارة ترامب بسوا التنفيذ. ويتساءل مرفي عن سر تجاهل الرئيس الأخذ بتقييم المخابرات بشأن مسؤولية ولي العهد السعودي عن مقتل خاشقجي وعما اذا كانت لعلاقاته ومصالحه صلة بذلك. مجلس النواب يتفاعل هو أيضأً بالحيرة ذاتها مع سلوك الإدارة، ويرى رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس النائب الديمقراطي اليون انغل، أن ذلك السلوك يؤكد الحاجة الى معرفة ما الذي يحرك سياسة ترامب الخارجية.
ليس اذاً تعطيل وحسب لأحد أجهزة الدولة عن أداء مهامه، فثمة ما وراء محاولة ترامب، كما يقول ناقدوه، بتجنيب ولي العهد السعودي المساءلة وان تطلب ذلك انتهاك القانون، ومع انه لم يؤكد تورط ولي العهد محمد بن سلمان في جريمة خاشقجي، فانه لم يبرئه من دمه لعلمه ربما أن أجهزة الاستخبارات قد تحرجه يوماً ما بكشف ما لديها من معلومات حول مقتل خاشقجي والتي بدأت تصل مجزأة الى الاعلام وآخرها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن تهديد ولي العهد السعودي بقتل خاشقجي برصاصة ان لم يتوقف عن انتقاده ويعد الى المملكة.
في الختام، يبقى السؤال المطروح ماذا لو مضى الرئيس الأمريكي في موقفه السلبي المتجاهل لتلك الوقائع ومعها طلبات المشرعين بجلاء الحقيقة كاملة، وهنا يؤكد أعضاء من الكونغرس أن أمامهم من الخيارات الكثير، ومنها أنهم قد يصدرون طلبات استدعاء لكبار مسؤولي الإدارة سعياً وراء المزيد من المعلومات بشأن الجريمة وقد يلجؤون الى القضاء للبت في الأمر مع أنه مسار غير عملي وطويل يحقق لادارة ترامب مبتغاها في شراء الوقت، كما ويمكنهم مواصلة الضغط على الإدارة برفض المصادقة مثلاً على قرارات التعيين او حب التمويل عن مشاريع ترامب، وبوسعهم أيضاً اتخاذ إجراءات من جانب واحد بحق مسؤولين سعوديين أو طرح تشريعات كما هو جار الآن لمعاقبة المملكة بسبب قتل خاشقجي وتداعيات حرب اليمن.