بقلم: فيصل التويجري
لم تقدم معظم وسائل الإعلام السعودية خلال الفترة الماضية دعماً يذكر لأبناء الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، ولم تقم أيضا بمهاجمة الكيان الصهيوني الذي قام بالكثير من الجرائم الوحشية في حق الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني المظلوم وهذا الامر تؤكده الاحداث الاخيرة التي شهدها قطاع غزة، حيث سعت العديد من وسائل الاعلام السعودية، بتبرير جرائم قوات الجيش الاسرائيلي الذي شن هجوم وحشي على مناطق مختلفة من قطاع غزة، مما أدى إلى استشهاد وجرح المئات من السكان الأبرياء معظمهم من النساء والاطفال، وعملت تلك الوسائل الاعلامية أيضا على نشر العديد من التقارير الاخبارية للتستر على تلك الجرائم الوحشية وإظهار المقاومة الفلسطينية بأنها هي الملامة وهي السبب الرئيسي وراء حدوث هذه الجرائم في قطاع غزة.
ولم تقم وسائل الإعلام السعودية هذه بتغطية الأخبار المتعلقة بقطاع غزة بالشكل المطلوب ولم تتبنى أيضا موقفا ضد الكيان الصهيوني وهنا يمكن القول بأن هذا التخاذل الإعلامي جاء بالتنسيق مع الخطة الأمريكية المسماة "صفقة القرن" التي تهدف إلى القضاء كليا على القضية الفلسطينية، والتي من المفترض أن تعلن عنها الولايات المتحدة بعد انتهاء شهر رمضان المبارك. وفي هذه الخطة، لن تعترف الدول الغربية بتشكيل بلد للفلسطينيين على أراضيهم المحتلة، بل إنه سوف يتم منحهم دولة في أرض بديلة. لذلك، تحاول وسائل الإعلام السعودية وبتوجيهات من محمد بن سلمان بتجاهل عدوان الكيان الصهيوني على سكان قطاع غزة، واعتبار ذلك العدوان أنه أمر طبيعي ولا يتطلب الجدل حوله، وذلك لأن الفلسطينيين سوف يغادرون هذه المنطقة عاجلاً أم آجلاً وسيهاجرون إلى الأردن أو صحراء سيناء أو إلى أي وطن بديل، لأن الأرض الفلسطينية سوف تصبح ملك للإسرائيليين ولهذا فإن هذه الوسائل الاعلامية ترى بأن الهجوم الاسرائيلي على هذه المناطق يعد حقاً مشروعاً للشعب والحكومة الاسرائيلية.
بالطبع، لا ينبغي أن ننسى أننا هنا نعني بهذا الكلام وسائل الإعلام السعودية والاماراتية وبعض الدول العربية الموالية للكيان الاسرائيلي. وعندما نسلط الضوء أكثر على أداء هذه الوسائل الاعلامية، نجد أنهم يقلبون القضايا رأساً على عقب كما لو كانت حركة حماس وجماعات المقاومة الفلسطينية هم الإرهابيين والمحتلين، ويقومون بإظهار الكيان الصهيوني هنا بأنه هو المظلوم وهو الذي أُجبر على مهاجمة قطاع غزة للدفاع عن نفسه.
وحول هذا السياق، يجب علينا أن لا نستغرب من محاباة هذه الوسائل الاعلامية للكيان الصهيوني وذلك لأنها في الماضي كانت تطلق المصطلحات الإرهابية على حركة حماس وكانت تنتقد بشدة القوة الصاروخية المتنامية لهذه الحركة وكانت تهاجم أيضا المواقف السياسية التي كانت تتخذها حركتي حماس والجهاد الإسلامي. ولقد سعت تلك الوسائل الاعلامية إلى عدم إطلاق مصطلح "الاحتلال" أو "الكيان الصهيوني" على المعتدين الصهاينة وبعض تلك الوسائل الاعلامية أيضا لم تقم بنسب كلمة الشهادة للفلسطينيين الذين قتلهم الكيان الصهيوني، وإنما كانوا يطلقون عليهم مصطلح "القتلى الفلسطينيين".
إن تجميع كل هذه المصطلحات يكشف لنا حقيقة واقعية، تتمثل في دعم وسائل الإعلام العربية هذه لقادة تل أبيب. وهذا ما تؤكده الاحداث والوقائع الميدانية، حيث خلت الصحف والمواقع الإخبارية السعودية والاماراتية تقريبًا من الإدانات الرسمية لبلادها للعدوان الصهيوني الذي وقع الاسبوع الماضي والذي استمر يومين وأسفر عن استشهاد 25 فلسطينيًا وجرح أكثر من 150 آخرين، عدا عن تدمير عشرات العمارات والشقق السكنية. واكتفت الصحف السوداء ببعض المواقف الرسمية التي دانت العدوان وعنونت تطورات العدوان بجهود أممية ومصرية.
لقد سعت إمبراطورية بن سلمان الإعلامية في الماضي، من خلال نشر المقالات والأخبار، إلى نقل الكثير من الأكاذيب إلى الجمهور المشاهد والمستمع، وحاولت إظهار الجيش الصهيوني بأنه من أقوى الجيوش في المنطقة والعالم، ولا يمكن هزيمته من قبل جماعات المقاومة الفلسطينية. إن الأمر الأكثر إثارة هنا، هو أن وسائل الإعلام هذه قد استخدمت كلمة "اغتصاب" على مدى السنوات الماضية، أي قبل وصول بن سلمان الى ولاية العهد، لوصف الهجمات الصهيونية ضد الفلسطينيين، لكنها خلال الاحداث الاخيرة التي وقعت في قطاع غزة لم تستخدم تلك الكلمة وإنما استخدمت كلمة "هجمات".
كما وهاجمت هذه الإمبراطورية السوداء مراراً وتكراراً القوة الصاروخية والعسكرية لجماعات المقاومة الفلسطينية وادعت أن تلك الصواريخ عديمة الفائدة وغير فعالة، لكن خلال العدوان الأخير الذي شنته قوات الجيش الاسرائيلي على قطاع غزة، أصبح من الواضح أن إطلاق مئات الصواريخ من الجانب الفلسطيني على الأراضي المحتلة، أجبر على الاقل 35٪ من السكان على الفرار وأجبر وزير الداخلية الصهيوني للاختباء في مرآب بيته تحت الأرض.
أخيرًا، يجب القول هنا بأن الأخبار والمقالات والتحليلات التي نشرتها بعض وسائل الإعلام السعودي والامارتي، نُشرت للدفاع عن الكيان الصهيوني ولنشر الخوف واليأس بين الفلسطينيين والتقليل من المكاسب التي حققتها جماعات المقاومة الفلسطينية والتي لا يمكن لأحد إنكارها. إن هذا الجهد المتضافر التي تقوم به هذه الوسائل الإعلامية تفتح باب جديد لتسهيل عملية تطبيع علاقات السعودية والامارات مع العدو الصهيوني في مجال الإعلام.