ارتفاع بطالة السعوديين إلى 7.5% للربع الثاني على التوالي ليس رقمًا عابرًا ولا خللًا مؤقتًا.
هذا الرقم يكشف أزمة حقيقية في سوق العمل، أو وضعًا يُترك عمدًا ليستمر.
فلا يمكن لدولة تنفق مليارات على التعليم والابتعاث، وتطلق مشاريع ضخمة وتستقطب الاستثمارات، أن تبرر ارتفاع بطالة مواطنيها ثم تلقي اللوم على الأفراد.
في السعودية توجد سياسة تُسمّى توطين الوظائف، أو كما تُعرف شعبيًا السعودة، أي إحلال المواطنين السعوديين في وظائف القطاع الخاص بدل العمالة الوافدة.
الفكرة واضحة وبسيطة، لكن التطبيق يكشف عكس ذلك، فالوظائف التي تصنع الدخل والاستقرار والمسار المهني ما زالت في جزء كبير منها بعيدة عن المواطن.
ولو كان النظام يريد فعلًا حل مشكلة البطالة، فالحقيقة الأساسية لا يمكن تجاهلها:
أعداد العمالة الوافدة في السعودية بالملايين، بينما عدد العاطلين السعوديين — حتى وفق أرقام النظام الرسمية — أقل بكثير.
وبحساب بسيط، لو جرى توظيف السعوديين بدل جزء من هذه العمالة، لما بقيت بطالة أصلًا، وبقي في البلد ملايين الوافدين أيضًا.
إذًا، المشكلة ليست نقص وظائف، بل قرارات.
الواقع يؤكد ذلك، في الطب، والهندسة، والإدارة، والتقنية، والتمويل، والمشاريع الكبرى، لا تزال الوظائف التخصصية والقيادية بيد وافدين.
في المستشفيات، ينتظر أطباء سعوديون فرصهم بينما يُستقدم أطباء ومدراء من الخارج.
في المشاريع الكبرى، يُحاصر المهندس السعودي في أدوار محدودة بينما القرار بيد أجانب.
وفي الشركات، تستمر القيادات الأجنبية لسنوات طويلة دون أي خطط إحلال حقيقية.
هذا ليس نقص كفاءة ولا ضعف رغبة في العمل، بل قرار إداري واقتصادي.
الاستقدام أسهل، وأرخص، وأكثر خضوعًا، أما “الخبرة”، فقد أصبحت ذريعة جاهزة لإقصاء المواطن، رغم أن الخبرة لا تُكتسب إذا أُغلقت الأبواب من البداية.
سياسات توطين الوظائف (السعودة) كما تُطبّق اليوم، لم تعالج جوهر المشكلة.
التركيز يكون على نسب رقمية ووظائف بسيطة، بينما تبقى الوظائف التي تحدد المستقبل المهني خارج الاستهداف الحقيقي.
المواطن حاضر في السجلات، وغائب عن مواقع القرار، ولهذا تستمر البطالة في الارتفاع.
وهنا لا بد من طرح السؤال الحقيقي: هل ما يحدث سوء إدارة، أم أنه مقصود؟
سوء الإدارة احتمال ضعيف، لأن مجرد اطلاع القيادة على هذا الواقع كفيل بإصدار قرارات تنهي البطالة خلال فترة قصيرة.
الإمكانيات موجودة، والقدرة موجودة، والحل واضح.
يبقى الاحتمال الآخر، وهو الأخطر: أن يُترك هذا الوضع عمدًا ليبقى المجتمع تحت ضغط البحث عن العمل وتأمين المعيشة، منشغلًا بالنتائج لا بالأسباب.
أصل المشكلة ليس البطالة وحدها، بل نظام يسمح بأن تتحكم عائلة واحدة في بلد كامل دون محاسبة حقيقية، وتُدار فيه سوق العمل بما يخدم استمرار السيطرة لا مصلحة المجتمع.
الخاتمة
في النهاية، يجب قول الحقيقة بوضوح: بطالة السعوديين أزمة من صنع النظام نفسه.
ليست فشل مواطن، ولا خلل تعليم، ولا نقص فرص.
النظام هو من سمح ببقاء ملايين الوافدين في الوظائف، وهو من أبقى المواقع التخصصية والقيادية مغلقة أمام أبناء البلد، وهو من اكتفى بحلول شكلية لا تمس جوهر المشكلة.
لو كان هناك قرار حقيقي بإنهاء البطالة، لانتهت.
لكن ما دام هذا النموذج قائمًا، فالبطالة ستبقى، لا كأزمة اقتصادية، بل كأداة ضغط اجتماعي.
هذا الوضع لم يُفرض بالقوة، بل صُنع بالقرار، ومن صنعه هو المسؤول عنه.