بقلم: عبد العزيز المكي...
رغم ان النظام السعودي يحاول التظاهر بأنه يقف على مسافة بعيدة من الاحتلال الصهيوني، ويرفض اعلان التطبيع معه، حتى يعترف بدولة فلسطينية في الضفة وغزة عاصمتها القدس الشرقية ... ورغم انتقاداته العلنية لممارسات العدو الدموية ضد الشعب الفلسطيني في غزة وفي الضفة الغربية، ويتظاهر بالابتعاد أحيانا من السياسة الامريكية ويرفض استخدام امريكا لأراضي المملكة للاعتداء على إيران، ويتظاهر أيضاً بأنه يمم وجهه نحو الصين وروسيا، رغم كل هذا التظاهر وغيره إلا ان ما يجري خلف الكواليس وفي الخفاء ينسف كل ما يتظاهر النظام به من مواقف تبدو في بعض الأحيان صارمة وقاطعة!! بينما هي غير واقعية وغير صحيحة! فعلى سبيل المثال اعلنت وكالة الأنباء السعودية في ٢٠٢٦/٢/١٩ عن قيام السلطات السعودية بعقد صفقة تجارية مع مجموعة ميرسك العالمية، حيث ستستحوذ المجموعة المذكورة عبر أذرعها التشغيلية (آي بي إم ترامينان) على حصة بنسبة ٣٧٫٥ ٪ في محطة الحاويات الجنوبية بميناء جدة!
البيان الرسمي الصادر عن وكالة الانباء السعودية (واس) "قدم الصفقة باعتبارها خطوة لتعزيز دمج ميناء جدة ضمن المنظومة التشغيلية لمجموعة ميرسك، بما يرفع مستوى الترابط البحري ويزيد كفاءة حركة التجارة وسرعة الوصول إلى الاسواق العالمية"..
هذا بينما تشير المعطيات الى ان تمرکز (میرسك) في ميناء جدة يمنحها منفذاً بديلاً واكثر أمانا لحركة سفنها وحاوياتها، بما يتيح لها إعادة توجيه الشحنات وربطها بالموانئ الاقليمية، وفي مقدمتها ميناء (ايلات) أو أم الرشراش الصهيوني في فلسطين المحتلة عبر مسارات لوجستية جديدة تقلل من اثر الضغوط البحرية في جنوب البحر الاحمر .. وفيما تعتبر السلطات السعودية أو فيما تدعي بأن دخول مجموعة ميرسك الدانماركية، شريكاً استراتيجيا، يتوقع ان يرفع اعداد السفن وحاويات المسافنة، بما يعزز دور ميناء جدة كمحور رئيسي للتجارة في البحر الأحمر، على ان الخبراء يرون ان هذه الزيادة في الحركة البحرية قد تستخدم لتسهيل عبور بضائع مرتبطة بالعدو الصهيوني تحت غطاء الشراكات الدولية! ويربط هؤلاء الخبراء بين هذه الخطوة ومسار التقارب الاقتصادي غير المعلن بين السلطات السعودية وتل أبيب.
ويضيف هؤلاء الخبراء القول، بأن تحويل ميناء جدة إلى عقدة تشغيلية الميرسك يمنح الشركة الدانماركية مرونة اكبر للالتفاف على القيود البحرية التي فرضها (أنصار الله) اليمنيين على السفن التي تتعامل مع العدو، وبالتالي كسر هذه القيود وافراغها من مضمونها لصالح الكيان الصهيوني دون عناء من هذا الأخير!!ليس هذا وحسب، بل كشف البنك الدولي عن دور سعودي في محاولة لفك الحصار البحري الذي فرضته قوات صنعاء على الملاحة الاسرائيلية في إطار دفاعها عن غزة ودعمها لمقاومتها.. وقال البنك في تقرير له "ان دول الخليج تبنت حلولاً بديلة، كإنشاء مسار بري جديد يربط موانئ الخليج بميناء حيفا الاسرائيلي! وأشار التقرير إلى ان عمليات أنصار الله في البحر الأحمر والتي أدت الى فرض الحصار البحري على العدو انتصاراً لغرة، ادت إلى اتساع نطاق الازمة في البحر الأحمر، الأمر الذي أدى بدوره إلى تحويل جزء كبير من الشحن البحري إلى الشحن أو النقل البري عبر شبه الجزيرة العربية، ذلك عبر تطوير مسار بري بديل لنقل البضائع بالشاحنات عبر الأراضي السعودية للوصول الى إسرائيل، ومصر وما بعدها!! وأوضح التقرير ان "المسار البري نحو اسرائيل وغيرها أدى إلى زيادة النشاط في ميناء الدمام بنحو 15%"! مؤكدا أنه "تم تحويل الشحنات التي كانت تمر عبر ميناء ينبع على الساحل الغربي للسعودية الى ميناء الدمام".
وفي الحقيقة، هذان مجرد مثالان، حيث تتوفر معطيات كثيرة على الدعم السوري والإماراتي والأردني للعدو، ودور هذه الدول في كسر الحصار البحري الذي فرضه الحوثيين على هذا العدو، والذي لم تستطع حتى امريكا بجبروتها كسره، اذ هُزمت عسكرياً أمام الحوثيين وأعلنت فشلها..
نقول هناك معطيات كثيرة وشهادات لمسؤولين صهاينة وامريكيين وعرب، وصحف امريكية وبريطانية بدور تلك الانظمة الجبانة ومساعدتها للكيان الصهيوني في الوقت الذي يمارس هذا الكيان المجازر المروعة بحق سكان قطاع غزة، وفي الوقت الذي يعلن انه سيحول غزة وبيوتها واهلها إلى ركام من الحجارة ، بل ثلاثة ارباع قطاع غزة تحول الى ما يشبه الأرض المحروقة بسبب استمرار القصف اليومي والتهديم الممنهج والقضاء على الأخضر واليابس هناك!!
كما يجري هذا الدعم العربي وعلى رأسه السعودي في الوقت الذي يعلن فيه رئيس الوزراء الصهيوني (بنيامين نتنياهو) ان وقت توسيع إسرائيل على حساب اراضي الدول العربية ومنها التي اكدت التقارير الصهيونية، مثل السعودية والإمارات أنها لم تكتفِ بكسر الحصار البحري المفروض عليه بل تقدم الدعم الكبير له، لإنقاذه من تدهور أوضاعه الاقتصادية بسبب استمراره للعدوان على الشعبين الفلسطيني واللبناني..
نقول من هذه الدول العربية من يشملها القضم الصهيوني، فبحسب الخريطة التي أعلنها نتنياهو يطال القضم الصهيوني لتشكيل (اسرائيل الكبرى) لبنان وسوريا والأردن وجنوب تركيا وجزء كبير من العراق وجزء كبير من كل من السعودية ومصر !!
واللافت ان هذا الدعم متواصل فيما يتواصل التحرك الأمريكي الصهيوني، العسكري والأمني وحتى السياسي في المنطقة لتحقيق هذا المخطط!! وهذا ما أكدته تصريحات السفير الأمريكي لدى العدو، (مايك هاكابي) في تصريحاته الأخيرة، التي أدلى بها خلال مقابلة مع الإعلامي الأمريكي (تاكر كارلسون) حيث قال أنه "من الجيد أن تأخذ إسرائيل أرضها الممتدة من الفرات إلى النيل".. وأضاف .. "النقطة الاساسية هي أن هذه المنطقة التي نتحدث عنها الآن (اسرائيل)، هي أرض أعطاها الرب من خلال إبراهيم لشعب اختاره"، وساق هاكابي مزاعمه، رداً على اقتباس قدمه الاعلامي تاركر من التوراة يدعي أحقية العدو بالسيطرة على فلسطين واراضي في كلا من الاردن ولبنان وسوريا، وأجزاء واسعة من مصر والعراق والسعودية وتركيا، وهو ما دعمه هاكابي قائلا: "أن إسرائيل تمتلك حقاً توراتياً للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط"!!.. مشيرا إلى أن بلاده الولايات المتحدة تؤيد وتقر ما سماه هذا (الحق التوراتي) للعدو .. بقوله "انه لا مشكلة لدى أمريكا اذا سيطروا (الصهاينة) عليها بالكامل (على الأرض التوراتية)!!".
ليس هذا وحسب، وانما هاكابي أعلن صراحة أن أمريكا ستدافع عن العدو في حال تمكن من السيطرة على هذه المناطق ووجد مقاومة، مطلقاً التهديدات في هذا المجال "إنه في حال تعرضت (إسرائيل) لهجوم من قبل كل هذه الاماكن (دول الشرق الأوسط) وفازوا بتلك الحرب، واستولوا على تلك الأرض، فحينئذ سيكون ذلك نقاشاً آخر تماماً".
يشار الى ان مايك هاكابي كان قد قال قبل أيام من تصريحاته الأخيرة.. "إنه مسيحي صهيوني وأن بعض الناس لا يفهمون معنى ذلك، نحن نؤمن ان المسيحية ما كانت لتوجد لولا اليهودية في إشارة واضحة الى ان الدافع الاساسي للإدارة الامريكية لدعم الكيان الصهيوني هو دافع ديني قبل ان يكون دافع المصلحة السياسية لأمريكا!
نقول مع انكشاف كل هذه الأخطار الصهيونية على تلك الانظمة نفسها، والنظام السعودي بالذات؟؟ لكن لم تتردد هذه الأنظمة البائسة عن دعم كيان الاحتلال والقيام بكسر الحصار اليمني المفروض عليه وانقاذه من المأزق الذي يمر به نتيجة حصار الحوثيين لملاحته البحرية، وهو مأزق اعترف به الصهاينة أنفسهم ووسائل إعلامهم!!
ففي هذا السياق اكدت القناة ١٤ الاسرائيلية في تقرير جديد ان ميناء ايلات يعيش حالة إهمال كاملة منذ اكثر من عامين نتيجة الحصار اليمني الذي فرض خلال معركة إسناد غزة محملة حكومة نتنياهو مسؤولية معالجة الملف، ومطالبة بضرورة انقاذ الميناء من الانهيار!! أما صحيفة معاريف العبرية فقد كشفت أن ميناء ايلات أصبح مهجوراً وتكبد الكيان بسبب توقف هذا الميناء بفعل الحصار اليماني، خسائر اقتصادية فادحة وذكرت الصحيفة في تقرير لها حول الموضوع، حمل عنوان "بوابة الدخول إلى إسرائيل مغلقة: السفن لن تصل الى هنا في المستقبل".. "أن الهجمات اليمنية المستمرة والسيطرة البحرية على الممرات الحيوية أدت إلى إغلاق شبه تام لميناء ايلات منذ أشهر. ما تسبب بخسائر اقتصادية ضخمة وتوقف حركة الواردات عبر البحر الاحمر، واضافت ان الميناء يعيش حالة إفلاس فعلي بعد تراكم الديون وتجميد حساباته البنكية في ظل غياب أي خطة حكومية لإنقاذه"!!
هذا فيما كشف الخبير في الشؤون الاقتصادية (رشيد الحداد) ان الحظر البحري الذي تفرضه القوات اليمنية المسلحة في البحر الأحمر ألحق بكيان الاحتلال الصهيوني خسائر فادحة تتجاوز ٣٠ مليار دولار..
ورغم ذلك يرى المراقبون ان النظام السعودي يقوم بدور مهم ومحوري الى جانب دويلة الإمارات في مساعدة العدو على التخفيف أو حتى التخلص من الأزمة التي ألمت به بسبب الحصار الذي فرضة اليمن على هذا العدو..
على ان تلك المعطيات المشار إليها وغيرها كثيرة تؤكد ما يلي:
1ـ على الرغم من تظاهر النظام السعودي بأنه يرفض التطبيع مع العدو والاعلان عنه بشكل رسمي، إلا أنه يمضي قدماً بهذا التطبيع وراء الكواليس بدليل هذا الدعم الاقتصادي الذي تقدمه السعودية للعدو، ثم تزايد التعاون الأمني والاستخباراتي بين الطرفين.. ولذلك فأن التطبيع مع العدو يعتبر خياراً استراتيجياً بالنسبة لابن سلمان وهذا ما يؤكده المحللون الصهاينة أنفسهم يقول الكاتب الصهيوني مايكل كلايز، في مقال له في صحيفة معاريف "إن التراجع الظاهر في موقف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من مسار التطبيع .. لا يعكس تخلياً نهائيا عن هذا الخيار، بقدر ما يعكس هواجس داخلية متصاعدة تتعلق بأمن حكمه واستقراره السياسي" واوضح هذا المحلل "إن ابن سلمان لا يزال ينظر إلى التطبيع كخيار استراتيجي مؤجل"!!
2ـ رغم ان النظام السعودي يتظاهر بالاستقلالية عن المحور الأمريكي الصهيوني في المنطقة ويتظاهر اعلامياً برفض مشاريع وسياسات هذا المحور، ومنها التهديد بالهجوم على ايران، إلاّ ان النظام السعودي ما زال مرتهن للسياسات الأمريكية والصهيونية في المنطقة بدليل ان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان التقى على هامش (مؤتمر ميونخ) الأخير للأمن بالمبعوث الأمريكي الخاص بـ(مكافحة معاداة السامية) الحاخام (يهودا كابلون) واعتبر بعض الخبراء ان هذا اللقاء هو خطوة علاقات عامة ضرورية لتمهيد الطريق أمام قطار التطبيع مع العدو، ومحاولة لخطب ود اللوبي الصهيوني في واشنطن وتأكيداً لارتهان السياسة السعودية للسياسة الامريكية التقى ابن فرحان أيضاً كبير ومستشاري ترامب لشؤون العربية والأفريقية (مسعد بولص) وتحت لافتة (تعزيز الاستقرار) حيث جرى التنسيق حول أدوار السلطات السعودية القادمة في المنطقة بما يضمن بقاء النظام السعودي كأداة تنفيذية للمصالح الأمريكية في ملفات السودان واليمن والقرن الافريقي طبقاً لما يقوله الخبراء!!
3ـ الإمعان في اتخاذ القرارات التي تقيد حركة الوعاظ والدعاة السعوديين، في شهر رمضان، ومنعهم من التعرض للعدو الصهيوني وامريكا، والخوض في المسائل السياسة في خطبهم ووعظهم، كما عزز ابن سلمان إجراءاته في هذا الشهر بمنع مظاهر التكافل الاجتماعي وتجسيد القيم الاسلامية وتقليص مظاهر التدين وطمس الهوية الاسلامية، فعلى سبيل المثال أصدر النظام اوامر بمنع نصب خيام الصائمين داخل هذه المساجد خلال هذا الشهر الفضيل لإفطار الصائمين، واصر ابن سلمان على ان تكون هذه المظاهر عبر منصات رسمية تابعة لنظامه، ليظل التكافل الاجتماعي تحت النظام، وايضاً يقوم هذا الأخير بضبط واعداد خطب الوعاظ والدعاة بحسب ما يراه مناسباً ومتناغماً مع سياساته، فلا حديث عن أمريكا واستهتارها بشؤون المسلمين ولا عن إسرائيل وخطورتها على العالم العربي والاسلامي وعلى السعودية خصوصاً وارتكابها الجرائم المروعة بحق الشعب الفلسطيني المحروم والمظلوم!! و الاخطر من ذلك، من جملة القرارات التعسفية لتقييد حركة المجتمع في هذا الشهر المبارك، هو منع اصطحاب الاطفال فيه والفتيان إلى المساجد مع آبائهم وذويهم وذلك تنفيذا لأوامر امريكية وصهيونية بضرورة تنشئة جيل ممسوخ ومنفصل أو بعيد عن هويته الإسلامية وقيمه الدينية!!