في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، تُضاء الشوارع بالأخضر، وتُبث المعزوفات الوطنية، وتُلقى الخطابات حول “الملحمة والتوحيد ورؤية المستقبل”.
لكن خلف هذا الديكور الاحتفالي المصطنع، يبقى السؤال المحرم الذي يرفض الخطاب الرسمي مواجهته:
«هل نحن أمام احتفال بولادة وطن، أم تكريس لواقع فرضته عائلة تعاملت مع الأرض والإنسان بمنطق الغنيمة؟»
السطو على الجغرافيا: من “الجزيرة العربية” إلى اسم عائلة
أولى علامات المأزق تبدأ من الاسم ذاته.
في أي عرف سياسي حديث؟!!، في أي تاريخ للأمم المستقلة؟!!، تُشطب أسماء الأقاليم والحضارات العريقة الممتدة لآلاف السنين في الحجاز، ونجد، والأحساء، وعسير، وتُختزل كل هذه الجغرافيا بثرائها وتنوعها في اسم عائلة؟!!
إن تحويل “شبه الجزيرة العربية” إلى “المملكة العربية السعودية” لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان إعلاناً صريحاً عن خصخصة الوطن.
إنه منطق العصابة التي تضع وسمها على ممتلكاتها الجديدة؛ تماماً كما كانت تفعل شبكات النفوذ المغلقة عبر التاريخ حين تحول الفضاء العام إلى ملكية حصرية لقائد العصابة وأبنائه.
أصبح المواطن، بحكم الاسم، تابعاً لاسم السلالة، لا مواطناً ينتمي لأرض تاريخية مستقلة بذاتها.
شراكة الدم والتوحش: حين يتطابق الجلاد والميليشيا
كثيراً ما تسعى السرديات التبريرية إلى حيلة مكشوفة: تحميل مقاتلي “إخوان من طاع الله” وزر المجازر والفظائع وحدها (كما حدث في مذبحة الطائف عام 1924)، لتصوير آل سعود في ثوب “الحكمة” والاعتدال الذي جاء ليردع هؤلاء المتطرفين لاحقاً في معركة السبلة.
هذا الطرح تزييف كامل للحقيقة.
فالإخوان لم يكونوا طرفاً مظلوماً ولا عناصر مدنية بَريئة، بل كانوا صنواً لآل سعود في التوحش وشهوة الغلبة؛ جماعتان تشربتا ذات الفكر الإقصائي الدموي، وخرجتا من ذات المشكاة التي هندستها المصالح البريطانية للسيطرة على المنطقة.
لقد كان الإخوان الميليشيا الوظيفية التي نفذت أعمال القتل والإخضاع، وكان آل سعود هم الموجه والمستفيد الأكبر.
إن محاولة فصل “الميليشيا” عن “المحرّك” هي تبرئة زائفة لطرفين لا أطهر لأحدهما من الآخر.
فالدم الذي أُريق في كل شبر من الجزيرة هو مسؤولية مشتركة لعصابة استخدمت ميليشيا متطرفة لتصفية الخصوم، فلما انتهت المهمة وتعارضت شهوة التوسع مع حدود اللعبة الدولية، تخلصت العصابة من أداتها تماماً كما تُتخلص من أي قطعة سلاح صدئة، لتبني على جماجم الجميع دولتها المركزية الخاضعة للأمر الواقع.
من السيف إلى الجرّافة: استمرار منطق الإخضاع ومصادرة الأرض
قد يظن البعض أن هذا المنطق حبيس كتب التاريخ، لكن الحقيقة المرة هي أن جوهر الإدارة لم يتغير قيد أنملة؛ ما تغير فقط هو الأدوات.
فكما كان الأجداد يُهجرون القبائل ويصادرون الأراضي بحد السيف، يقوم الأحفاد اليوم بنفس الفعل لكن بقوة الجرّافات والقرارات الأمنية.
ما حدث مع قبيلة الحويطات ليس حادثاً معزولاً، بل هو الترجمة العصرية لمنطق السطو؛ حيث قُتل عبد الرحيم الحويطي داخل منزله لمجرد أنه رفض التهجير القسري والتنازل عن أرض أجداده لصالح استثمارات مشروع “نيوم”.
هذه ليست لغة دولة تتعامل مع مواطنيها، بل لغة قوة احتلال تخيّر السكان بين الإذعان أو التصفية.
ولم تكن المدن الكبرى ببعيدة عن هذه العقيدة؛ فما شهدته أحياء مكة والمدينة وجدة تحت وسم (#هدد_جدة، #هدد_مكة، #هدد_المدينة) من هدم واسع النطاق وتهجير لعشرات الآلاف من العائلات دون مراعاة لحقوقهم التاريخية، ثم الاستيلاء على تلك المساحات لتحويلها إلى مشاريع استثمارية حصرية لصناديق تتبع المركز الحاكم، يؤكد قاعدة واحدة:
في هذه البلاد، أنت لا تملك أرضك؛ بل أنت “مستأجر” يمكن طردك متى ما تعارضت حياتك مع مصالح العائلة واستثماراتها.
دولة للمواطنين أم إقطاعية للسلطة؟
تتباهى السردية الرسمية بـ"رؤية 2030" والأبراج الشاهقة والمشاريع البراقة، متجاهلة حقيقة أن التنمية الحقيقية تبدأ من المواطنة وحفظ الكرامة والحقوق، وليس من بناء واجهات دعائية على أنقاض منازل المواطنين.
ما معنى أن تحتفل بـ"اليوم الوطني":
السؤال الحقيقي في 23 سبتمبر
الوطن ليس هو الأسرة الحاكمة، وحب الجزيرة العربية وأرضها وتاريخها يفرض بالضرورة رفض تحويلها إلى علامة تجارية لعائلة واحدة.
في 23 سبتمبر، السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجهه كل حر هو:
هل نحتفل بوطن يملك فيه الإنسان كرامته وأرضه وحقه في التعبير، أم نحتفل بنجاح مشروع أسري تاريخي، أطلق اسمه على الأرض، وأخضع أهلها بالسيف بالأمس، وبالسجون والجرافات اليوم؟
إن التاريخ يكتبه المنتصرون مؤقتاً، لكن الشعوب الحية هي التي تمتلك الذاكرة؛ ويوم الوطن الحقيقي لن يكون بذكرى تأسيس العصابة، بل باليوم الذي يستعيد فيه أهل هذه الأرض حقهم في بلادهم، أرضاً وهوية وكرامة.