بعد سنوات من التكهنات والتسريبات التي طوّقها التعتيم، خرجت الحقيقة الكاملة إلى العلن، موثقة بالحبر الأسود ومن قلب واشنطن.
لم تعد مسألة الإطاحة بولي العهد السعودي السابق، محمد بن نايف، مجرد تحولات داخلية في قصر الحكم، بل كشفت صحافة النخبة الأمريكية عن العملية الأكثر سرية وجرأة في تاريخ العلاقات بين الرياض والبيت الأبيض؛ عملية تمت بمباركة مباشرة وتنسيق استخباري كشفه تحقيق استقصائي مدوٍ نشرته مجلة “ذا نيويوركر” (The New Yorker) الأمريكية العريقة، بقلم الصحفي المخضرم الحائز على جائزة بوليتزر ديكستر فيلكنز (Dexter Filkins).
لماذا لا يمكن التشكيك في الرواية؟
في الصحافة الاستقصائية الأمريكية، وتحديداً في مؤسسة بحجم وثقل The New Yorker، لا يمر سطر واحد للنشر دون المرور عبر قسم التحقق الصارم من الوقائع (Fact-Checking)، وتحت مجهر أعتى الفرق القانونية المتخصصة في قضايا التشهير (Defamation Law).
فالقوانين الفيدرالية هناك لا ترحم الأكاذيب؛ ونشر اتهامات تطال شخصيات دولية وصهر رئيس أمريكي سابق، مع الاستناد إلى نصوص استخباراتية، هو خطوة لا يمكن الإقدام عليها لولا امتلاك الكاتب والمجلة وثائق وتسجيلات غير قابلة للدحض.
إن خروج هذا التحقيق للعلن يعني شيئاً واحداً:
الحقيقة أصبحت موثقة رسمياً، والتسريبات تحولت إلى حقائق تاريخية مثبتة.
تفاصيل المكالمة المعترضة: “الضوء الأخضر”
يكشف التحقيق الأصلي للمجلة تفاصيل الصراع الخفي الذي دار في مطلع عام 2017؛ حيث كانت الدولة الأمريكية العميقة — وتحديداً وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ( ) والبنتاغون — تتمسك بـ محمد بن نايف كـ “رجل موثوق” وشريك أمني إستراتيجي لأكثر من عقد ونصف، وكانت تلك الأجهزة تخشى اندلاع اشتباك مسلح ومواجهة دموية داخل المملكة، بالنظر إلى أن كلاً من بن سلمان وبن نايف كان يسيطر على قطاعات وألوية أمنية مسلحة.
لكن نقطة التحول التاريخية حدثت عبر قناة خلفية سرية؛ إذ كشف التحقيق، بالاستناد إلى مسؤول استخباراتي إقليمي سابق اطلع بنفسه على نص تفريغ المكالمة الهاتفية السرية المسجلة، أن محمد بن سلمان اتصل مباشرة بجاريد كوشنر، مستشار وصهر ترامب، لمناقشة نواياه وخطته للإطاحة بابن عمه.
وجاء الرد الصادم من كوشنر، متجاوزاً مؤسسات بلاده الرسمية، ليبلغ الأمير الشاب:
«إن جميع الأطراف داخل الحكومة الأمريكية تقف معك وتدعمك بالكامل… باستثناء أجهزة الاستخبارات!»
المسؤول الاستخباري أكد للمجلة أن هذه العبارة المحددة لم تكن مجرد رأي شخصي، بل كانت “الضوء الأخضر” الحاسم الذي طلبه بن سلمان لتنفيذ خطوته الجريئة دون خشية من أي رد فعل أو عقوبات من البيت الأبيض.
ليلة التجريد القسري في قصر الصفا… و«كوشنر في جيبي»
تأكيداً لما ورد في التحقيق الأمريكي وما واكبته تقارير نيويورك تايمز وذا إنترسبت، لم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى كُتب الفصل التنفيذي:
وبعد أسبوع واحد فقط، دُشنت حملة “الريتز كارلتون” في 4 نوفمبر لتصفية ومصادرة أموال كل مراكز القوى التقليدية في الأسرة الحاكمة، تحت غطاء الضوء الأخضر نفسه.
ثمن الانقلاب: دولة جديدة وهوية جديدة
صعود بن سلمان لم يكن شيكاً على بياض، بل ارتبط باستحقاقات وتعهدات جرى التنسيق بشأنها غيّرت وجه المملكة التاريخي والسياسي:
1. تفكيك المؤسسة الدينية: إنهاء التحالف التاريخي مع المؤسسة الوهابية، وإسكات واعتقال كبار الدعاة والمشايخ، وتغيير المناهج التعليمية لطمس الإرث الديني المحافظ.
2. العلمنة والانفتاح الترفيهي الصاخب: إحلال الفعاليات الاستعراضية والحفلات كواجهة جديدة لإعادة تسويق الرياض أمام الغرب ورؤوس الأموال.
3. التنسيق الاستخباري والتطبيع: كسر التوازنات القديمة، وفتح خطوط التنسيق المباشر والسري التي مهدت لاحقاً للمسار التطبيعي في المنطقة.
المال يكمل الدائرة: مكافأة الـ 2 مليار دولار
تُغلق ذا نيويوركر ملف التحقيق بالإشارة إلى الامتداد المالي الفاضح لهذه العلاقة؛ فلم يكد ترامب يغادر البيت الأبيض في 2021، حتى ضخ “صندوق الاستثمارات العامة السعودي” الذي يرأسه بن سلمان ملياري دولار في صندوق الاستثمار الخاص بكوشنر، متجاوزاً حتى اعتراضات اللجنة الاستشارية الاستثمارية للصندوق، في مشهد وثّق استحقاق “رد الجميل” للدبلوماسية التي فتحت الطريق نحو العرش.
توقيت التسريب ليس بريئاً: صراع الأجهزة والرسائل المسمومة
خروج هذه الوثائق والتسريبات الحساسة في هذا التوقيت بالذات، ومن صحافة النخبة وثيقة الصلة بمجتمع الاستخبارات، يطرح علامات استفهام كبرى حول الدوافع الحقيقية لما وراء النشر؛ فالأمور في واشنطن لا تُدار بالصدف، وتوقيت الإفراج عن تفريغ مكالمة عمرها سنوات بالتزامن مع مرحلة حرجة وضغوط أمنية وعسكرية تحاصر المملكة في الإقليم يكشف عن سيناريوهين خفيين لا ثالث لهما داخل أروقة القرار الأمريكي:
تمثل هذه التسريبات تحركاً من “الدولة العميقة” وأجنحة الاستخبارات ( ) التي لم تغفر يوماً تجاوزها ولا التفريط برجلها الموثوق (بن نايف).
توقيت النشر يهدف إلى نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن بن سلمان، وحرقه كشريك غير موثوق صعد عبر قنوات ملتوية، ووضعه تحت الابتزاز والضغط الشديد لتركيعه في الملفات الإقليمية، أو حتى التلويح بفتح ملفات الخلافة مجدداً عند أول منعطف حرج.
في المقابل، يرى مراقبون أن تسريب هذه الحقائق في هذا التوقيت قد يكون عملية “تطهير وقائي” وتسوية للحسابات القديمة؛ حيث يُقصد من نشر الملف كاملاً امتصاص الصدمة وحرق كافة الأوراق والاتهامات دفعة واحدة قبل إعلان وفاة الملك سلمان ونقل السلطة رسمياً وتتويج محمد بن سلمان ملكاً، وبذلك يدخل العهد الجديد وقد أُفرغت حقيبة الأسرار ولم يعد لدى خصومه أو الأجهزة الاستخباراتية ما يهددونه به في المستقبل.
الخلاصة
لم تعد حقيقة صعود محمد بن سلمان مادة للشائعات؛ فالتحقيق الصادر عن الصحافة الأمريكية قطع الشك باليقين، وأثبت بالأدلة الاستخباراتية أن “العهد السعودي الجديد” لم يُولد نتيجة خيارات مجتمعية أو استحقاق مؤسسي داخل الأسرة، بل كان نتاج صفقة سرية مع واشنطن، تم خلالها إعطاء الضوء الأخضر لإسقاط الحلفاء، تفكيك هوية الدولة الدينية، وإرساء حكم الفرد المطلق عبر تسويات الغرف المغلقة—وهي الصفقة التي تعود خيوطها اليوم إلى الواجهة لتحدد مصير العرش في لحظة مفصلية بالغة التعقيد.