منذ سنوات، والتقارير الاستخباراتية والطبية الدولية تتطابق حول حقيقة لم تعد سراً:
الملك سلمان بن عبد العزيز بات غائباً تماماً عن المشهد السياسي الفعلي وإدارة الدولة، وسط تأكيدات متواترة بتدهور قدراته الإدراكية وخروجه الكلي من دائرة القرار، واقتصار ظهوره على لقطات بروتوكولية مقتضبة ومعدة مسبقاً بعناية فائقة في غرف القصر المغلقة.
وعلى الضفة الأخرى، يبدو نجله وولي عهده، الأمير محمد بن سلمان، في ذروة تفرده بالقرار؛ فقد جرد سائر المؤسسات من نفوذها، وأصدر أمراً ملكياً التفافياً في سبتمبر 2022 بتعيين نفسه رئيساً لمجلس الوزراء كـ “استثناء شكلي” من نص المادة (56) من النظام الأساسي للحكم (التي توجب أن يكون الملك نفسه رئيساً للوزراء)، محاولاً بذلك انتزاع الحصانة السيادية المباشرة، ومستأثراً بملفات الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية.
ومع ذلك، يظل السؤال الأكثر إثارة للريبة في أروقة السياسة الإقليمية والدولية:
إذا كانت مقاليد السلطة كلها بيده والملك غائب أو عملياً متوفى سريرياً ، فلماذا لا يخطو الخطوة الأخيرة ويعلن نفسه ملكاً رسمياً للمملكة؟
ما الذي يمنعه، وممن يخاف؟
إن الإجابة لا تكمن في “الوفاء للوالد” كما تروج بروباغندا النظام، بل في شبكة من المخاوف الوجودية، والمعضلات الدستورية، والحسابات الأمنية المعقدة التي تكشف أن ابن سلمان، رغم مظاهر القوة والبطش، يقف على أرض بالغة الهشاشة تكاد تنفجر تحت قدميه.
أولاً: خديعة “القبضة المطلقة” وفخ الصبر الاستراتيجي
تروج الآلة الإعلامية وجيوش “الذباب الإلكتروني” أن ابن سلمان أحكم سيطرته التامة على مفاصل الدولة ولم يعد أمامه أي منازع، إلا أن قراءة المشهد من داخل أروقة الحكم تكشف واقعاً مغايراً تماماً؛ فالاستقرار الظاهري ليس إذعاناً ولا اعترافاً بشرعيته، بل هو “صبر استراتيجي” تمارسه مراكز قوى تقليدية، وأجنحة مهمشة في الأسرة الحاكمة، وقيادات وازنة في الأجهزة العسكرية.
تلك الأطراف تتعامل مع الوضع الراهن كـ “مرحلة انتقالية طارئة” محمية بوجود الأب كغطاء شرعي أخير.
وإدراك ابن سلمان لهذه الحقيقة يجعله يرتعب من لحظة الحسم؛ فهو يعلم أن إعلان الوفاة والتتويج سيكون بمثابة “لحظة الصفر” التي تُسقط مبرر الصمت وتفتح الباب على مصراعيه أمام تمرد معلن واصطفافات مضادة، بعد أن تنكشف حقيقة اغتصاب العرش وتجريده من شرعية الأب.
ثانياً: المأزق الدستوري وتعطيل هيئة البيعة
يقف ابن سلمان أمام معضلة قانونية ونظامية معقدة تحاصره من الداخل:
1. فخ العجز الصحي: ينص نظام “هيئة البيعة” (الصادر عام 2006) بوضوح على أنه في حال عجز الملك الدائم عن ممارسة سلطاته لأسباب صحية، تشكل الهيئة لجنة طبية معتمدة لإثبات ذلك قبل نقل السلطة.
ابن سلمان يرتعب من تفعيل هذا البند؛ لأن فتح ملف “الأهلية الطبية” دستورياً سيعيد إحياء دور كبار أمراء الهيئة، ويمنحهم فرصة دستورية لا يمكن التنبؤ بنتائجها لمساءلة أهليته هو شخصياً وشرعية القرارات الصادرة باسم الملك.
2. شبح البيعة الجديدة: يعلم ابن سلمان أن إعلان نفسه ملكاً يلزمه قانوناً وعرفاً بطلب “بيعة عامة وخاصة” من فروع الأسرة، وهي اللحظة التي ستعرّي حجم الرفض والقطيعة داخل البيت الحاكم، وتلغي فكرة “الإجماع الأسري” التي قامت عليها شرعية الحكم منذ تأسيس الدولة.
ثالثاً: ولاءات عميقة تحت الرماد ورعب الانشقاقات المسلحة
ورغم كل حملات التطهير، وإعادة هيكلة الأجهزة، وتعيين الموالين في حاشيته، يظل الواقع الأمني غير محسوم بالكامل لصالحه:
هذه القوة الضاربة التي تأسست لعقود على يد فرع الملك عبد الله، لا تزال روابطها القبلية وعقيدتها العسكرية تكنّ الولاء لقياداتها المغدورة، ولا ترى في ابن سلمان سوى مغتصب أهان رموزها وسجن قادتها وصادر ممتلكاتهم.
المؤسسة التي صاغتها يد الأمير نايف ثم نجله المعتقل محمد بن نايف، تُدار اليوم بالخوف والترهيب لا بالولاء؛ والضباط الذين رأوا قادتهم التاريخيين رهن الإهانة والاعتقال يمثلون كتلة صامتة قد تنقلب في أي لحظة ضعف أمني.
مسلسل الإقالات والمحاكمات العسكرية المستمرة لقيادات كبرى بتهم الخيانة يعكس قلقاً دائماً من غياب الثقة داخل المؤسسة العسكرية النظامية.
يدرك ابن سلمان أن قبضته الأمنية مصطنعة وقائمة على الردع المؤقت، وأن محاولة انتزاع المُلك رسمياً قد تفجر هذه التناقضات المكتومة، وتدفع قطاعات مسلحة نحو الانشقاق والاصطفاف خلف رموز العائلة، مما ينذر باندلاع صراع أجنحة دموي وحرب أهلية تقتلع أركان مشروعه.
رابعاً: كابوس الـ 40 عاماً من البطش والتنكيل
الدافع الأكبر الذي يجعل أسرة آل سعود والقيادات التقليدية مستعدة لخوض “معركة حياة أو موت” هو الرعب الوجودي من المستقبل.
فإذا كان ابن سلمان، وهو مجرد ولي عهد، ووالده لا يزال “نظرياً” على قيد الحياة، قد ارتكب ما لم يجرؤ عليه أحد في تاريخ الدولة الحديث:
فإن السؤال الحارق الذي يتردد برعب في مجالس الأمراء والوجهاء المغلقة:
ماذا سيفعل هذا الحاكم إذا أصبح ملكاً رسمياً مطلق الصلاحيات، وهو في أواخر الثلاثينيات من عمره، ليحكم بقبضة دموية مطلقة لـ 40 أو 50 عاماً قادمة؟
هذا الخوف هو ما يدفع أطراف الأسرة لاعتبار معركة منع تتويجه مسألة بقاء وجودي، وهو ما يعلمه ابن سلمان جيداً ويخشى تفجيره.
خامساً: عواصم القرار الدولية وحسابات الخط الأحمر
خلافاً للادعاءات التي تزعم وجود ضوء أخضر غربي لصعوده، فإن نظرة واشنطن ولندن وعواصم القرار الكبرى لمحمد بن سلمان لا تزال تتسم بالريبة والحذر الشديد:
سادساً: الداخل يغلي… التفقير، كسر الهوية، وسقوط “الشعبوية”
في الداخل، تسقط تماماً الرواية الزائفة التي تدعي وجود “شعبوية شبابية” داعمة لمشروعه.
فالشارع السعودي يغلي تحت وطأة ثلاثية مدمرة:
سحق الطبقة الوسطى بضرائب غير مسبوقة (15% قيمة مضافة)، وإلغاء الدعم، وموجات الغلاء والبطالة المتفشية، بينما تُهدر مئات المليارات على مشاريع استعراضية خاسرة ووهم “نيوم” الذي تلاحقه الانتكاسات والتقليصات المالية.
محاولة سلخ مجتمع الحرمين الشريفين عن هويته وقيمه المحافظة عبر فرض فعاليات ترفيهية صاخبة يراها الشارع انحداراً متعمداً ومحاولة مكشوفة لتغييب الوعي الجمعي وإشغال الشباب عن حقوقهم وسوء إدارة مواردهم.
ملاحقة كل صوت ناقد، وتجنيد الجيوش الإلكترونية لصناعة وعي زائف، وتوظيف برمجيات التجسس الرقمي لترهيب المواطنين؛ وهو ما جعل الصمت الشعبي الراهن تعبيراً عن الخوف والقمع لا دليلاً على الرضا أو الولاء.
الخلاصة: لماذا يظل العرش معلقاً؟
في المحصلة النهائية، يتضح أن محمد بن سلمان ليس ملكاً لم يُتوج بعد، بل هو سجين حساباته ومخاوفه العميقة:
ولهذا كله، يظل “الملك سلمان”—الذي غيبه المرض أو الموت العملي—هو الدرع الأخير وجدار الحماية الذي يختبئ وراءه ولي العهد؛ لأن خروجه من خلف هذا الجدار وإعلان نفسه ملكاً لن يكون تتويجاً لمسيرته، بل بداية المواجهة الشاملة والفاصلة التي قد تكتب نهاية مشروعه بالكامل.