عاجل:
مملكة الجباية ... الوجه الحقيقي للتحول السعودي في عهد بن سلمان
حدث وتحليل 2026-10-07 17:10 691 0

مملكة الجباية ... الوجه الحقيقي للتحول السعودي في عهد بن سلمان

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

 منذ أن أحكم محمد بن سلمان قبضته على مقاليد الحكم في المملكة، لم تكن التحولات التي شهدتها البلاد مجرد تغييرات إدارية أو تطوير للسياسات العامة؛ بل هي عملية هدم وتفكيك كامل وممنهج لنموذج “دولة الرعاية”.

 لقد تم استبدال هذا النموذج بسياسات تفرض على المواطن دفع الثمن باهظاً مقابل كل شيء، مع تركيز القرار المالي والسياسي في دائرة ضيقة للغاية، وإخضاع الجميع لسياسة الجباية، الخصخصة، وفرض الضرائب.

هذه القراءة تفكك المفاصل الأساسية لهذا التحول، بعيداً عن بريق الإعلانات الحكومية والخطاب الاستعراضي، لترصد كيف انعكست هذه المرحلة عملياً على حياة المواطن البسيط وبنية المجتمع.

 

أولاً: التحول الرقمي… من “تسهيل الخدمات” إلى “آلة للجباية والرقابة”

يُسوَّق “التحول الرقمي” خارجياً على أنه إنجاز تقني، لكنه في الواقع أصبح البنية التحتية الأكثر كفاءة لترسيخ “دولة الجباية القسرية”:

  • سحب الأموال والتنفيذ الآلي:

ربط الحسابات البنكية بالهوية الرقمية جعل سحب الأموال وتجميد الحسابات يتم بضغطة زر دون أي مسار تفاوضي، ترافق ذلك مع اختراع مصفوفة لا تنتهي من الغرامات (مرورية، بلدية، ضريبية) ورفع الرسوم الإدارية، ما حوّل المنصات التقنية إلى شبكات رصد مالي يومي تستنزف دخل المواطن لحساب الميزانية العامة.

  • الرقابة الأمنية:

لم يعد هناك أي خصوصية؛ فكل نشاطك المالي وحركاتك اليومية أصبحت مكشوفة ومرتبطة بمركزية أمنية محكمة، مما أدى إلى تضيق الخناق على الحريات الشخصية.

 

ثانياً: الخدمات العامة… بيع المؤسسات للمواطن

لم يكن التحول في قطاعي الصحة والتعليم إصلاحاً، بل كان انسحاباً تدريجياً للدولة من التزاماتها التاريخية تجاه الناس:

  • تسليع الصحة:

تحويل المستشفيات إلى “شركات” وتجمعات تجارية هو تمهيد لخصخصة القطاع بالكامل.

النتيجة هي تضييق فرص العلاج المجاني، وتكدس المواعيد في المستشفيات الحكومية، وإجبار الطبقات المتوسطة والفقيرة على التوجه للقطاع الخاص المنهك للفواتير.

في الوقت نفسه، تُنفق المليارات على مشاريع استشفائية فارهة مصممة للسياح والنخب، بينما تعاني المستوصفات والمستشفيات العادية من نقص الدعم.

  • تخريب التعليم:
  • إغلاق المدارس المستأجرة بقرارات سريعة ودون بدائل جاهزة تسبب في تكدس الطلاب في الفصول، مما أدى لتردي بيئة التعليم، ودفع العائلات قسراً نحو تكاليف التعليم الخاص.

 

ثانياً: السكن والتهجير… ديون للبنوك واستباحة للأرض

شهد ملف السكن تحولاً هو الأقسى على الناس:

  • عبودية الديّن:

استُبدلت القروض الميسرة التي كانت تقدمها الدولة قديماً بنظام قروض بنكية طويلة الأجل بفوائد مركبة ومرهقة.

تزامن هذا مع تضخم جنوني في أسعار العقارات، مما جعل شراء منزل وسيلة لتكبيل الأجيال الشابة بديون تستمر لعقود.

  • الإزالات والتهجير:

عمليات الهدم الواسعة في أحياء جدة والمدينة المنورة، ومصادرة أراضي القبائل مثل الحويطات، كشفت عن استخفاف بحقوق الملكية.

تم تهجير عشرات الآلاف تحت شعار “تطوير العشوائيات”، مع تعويضات مالية مجحفة لا تغطي تكاليف السكن البديل، لتتحول الأرض لمشاريع استثمارية تخدم الشركات الكبرى.

 

رابعاً: التفكيك الاجتماعي… تدمير التماسك مقابل “ترفيه” زائف

سياسات “الانفتاح” التي فرضها محمد بن سلمان جاءت لأهداف سياسية بحتة:

  • قمع الحقوق:

تزامن منح بعض الحقوق الاجتماعية (مثل قيادة المرأة) مع حملات اعتقال واسعة لكل من طالب بها سابقاً.

الرسالة كانت واضحة: التغيير ليس حقاً مجتمعياً، بل “مكرمة” من السلطة، ويُمنع أي تنظيم شعبي مستقل.

  • التفكيك الأسري:

جرى دفع المجتمع نحو فعاليات ترفيهية باذخة بعيدة عن أولويات الناس، استُخدمت لإشغالهم عن تدهور مستواهم المعيشي. هذا التغير السريع والفوضوي في المنظومة الاجتماعية والقانونية ساهم في تصاعد غير مسبوق في نسب الطلاق وتصدع الروابط الأسرية.

 

خامساً: وهم تنويع الاقتصاد… مشاريع للنخب وانهيار للمحلات الصغيرة

رغم الوعود بتقليل الاعتماد على النفط، لا تزال الميزانية أسيرة له:

  • استنزاف الثروة في مشاريع خيالية:

تُصرف تريليونات الريالات من الصناديق السيادية على مشاريع ترفيهية وعقارية عملاقة تعتمد على الشركات الأجنبية باهظة التكلفة، دون أن تبني قاعدة صناعية حقيقية تخدم المواطن.

  • سحق المشاريع الصغيرة:

الضرائب العالية (15% ضريبة قيمة مضافة)، ورفع فواتير الكهرباء والوقود، والرسوم الخانقة، أدت لإغلاق مئات الآلاف من المشاريع الصغيرة التي كانت تعيش عليها العائلات السعودية، ليصبح السوق حكراً على الشركات الكبرى المدعومة حكومياً.

 

خلاصة:

إن ما حدث في عهد محمد بن سلمان ليس إخفاقاً إدارياً، بل هو مشروع تجريف كامل لنموذج الدولة الذي عرفناه.

لقد سقط القناع عن أوهام “الرؤية” ولم يتبقَّ للمواطن سوى واقع مرير:

فواتير مضاعفة، ديون بنكية تلاحقه لثلاثين عاماً، ورعب يومي من مقصلة الإيقافات والجباية الرقمية.

إن تحويل مقدرات أغنى دولة نفطية إلى مغامرات استثمارية ونخبوية على حساب قوت الناس وخدماتهم الأساسية، ليس تنمية بل هو استنزاف منظم لمستقبل الأجيال.

وإن سلطة تعتمد على تخدير الناس بالترفيه وإسكاتهم بالبطش، تزرع بيديها بذور أزمة وجودية ستدفع البلاد بأكملها ثمنها عاجلاً أم آجلاً.

آخر الاخبار