بقلم: عبدالعزيز المكي...
في مطلع هذا العام (٢٠٢٦م) أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن اكثر من ثلاثة ملايين وخمسمائة الف صفحة من وثائق متعلقة بقضية (جيفري إبستين)، شملت مراسلاته مع شخصيات عالمية مؤثرة في عالم السياحة والمال والاجتماع وما إليها، وايضا علاقاته واعماله الدنيئة في جزيرته، والسقوط الأخلاقي الذي اوقع فيه كبار الشخصيات العالمية الحاكمة او من طبقات المفكرين والرسامين والفنيين .. وما اليهم، ومنهم من الأمريكان والغربيين وبعض العرب!! و اثارت هذه الكمية من الوثائق زوبعة عالمية من الجدل، حول السقوط الاخلاقي هذه النخب الحاكمة، وحول افلاتها من العقاب ، لأن إبستين تاجر جنس، يقدم الفتيات القصر والغلمان إلى هؤلاء النخب والحكام في جزيرته ليفترسونهم على حد سواء!!
بالطبع لقاء خدمات يقدمها هؤلاء إلى إبستين !! واللافت ان اسم الكيان الصهيوني لم يرد ولا مرة في هذه الوثائق المفرج عنها في حين تكرر اسم ترامب ٣٨ ألف مرة.. مما يطرح ذلك السؤال المهم والجوهري الذي يفك ألغاز باقي التساؤلات الأخرى التي طرحت ، ومنها لماذا أفشيت هذه الفضائح في هذا الوقت بالذات، ولماذا طالت أسماء حكام غربيين وامريكيين وعرب .. وما الهدف من افشائها إلى سلسلة من التساؤلات لا تنقطع..
وللإجابة على هذه التساؤلات لابد من الإشارة إلى حقيقة، وهي أنه طبقاً لما ذكره بعض المؤرخين والخبراء ان الصهيونية ومنذ القدم دأبت على تأسيس مراكز ومدارس ومحافل سرية وغير سرية تستقطب فيها الشخصيات البازرة في المجتمعات، وتربيها وتغذيها بالافكار الصهيونية، حتى ان هذه المحافل خرجت مفكرين وحكام وقضاة وفنانين وفي كل الاختصاصات شقت لهم الصهيونية الطريق وهيأت لهم الظروف ووضعتهم على رأس المؤسسات المسؤولة عن صنع القرار، أو مهدت لاعتلاء بعض المواقع المهمة، فعلى سبيل المثال أن الرئيس المصري الأسبق (أنور السادات) كان أحد خريجي المحافل الماسونية، وكذلك الرئيس الأسبق لفرنسا (فرانسوا ميتران) والرؤساء الأمريكان!! وقصة الرئيس ميتران (الولد) اليتيم الذي احتضنته هذه المحافل اليهودية ومكنته من الدخول الى الكلية ثم ساعدته على الحصول على شهادة الماجستير ثم الدكتوراه وأخيراً رشحته للرئاسة ومولت حملته الانتخابية ولذلك فأن هذا اليهودي الامريكي إبستين وجزيرته هو من صنع العدو الصهيوني، واساليبها الاسقاط الاخلاقي للرؤساء وللشخصيات العالمية البارزة وفي كل المجالات، هي اساليب توراتية يطبقها الصهاينة بحذافيرها من أجل ابتزاز الامم والوصول إلى أهدافهم .. وفيما يخص ابستين فالوثائق تؤكد علاقته الوطيدة بجهاز (الموساد الإسرائيلي)، ولديه صداقة خاصة مع (ايهود باراك) رئيس الوزراء الصهيوني، وهناك زيارات متبادلة بين باراك وابستين، وقد وثقت صحيفة (نيويورك تايمز) هذه العلاقة منذ عام ٢٠١٩ مؤكدة أنها كانت أحد اكثر جوانب القضية حساسية سياسياً.. وفي تقرير لها قالت (صحيفة التايمز) البريطانية إنه بالرغم من رفض إبستين زيارة اسرائيل في عام ٢٠١٧ ، فأنه كان يعمل لحساب جهاز الموساد، في حين قال تقرير صادر في اكتوبر ٢٠١٠ عن مكتب التحقيقات الفيدرالي في لوس انجلس، أن هناك قناعة بأن إبستين كان. عميلاً مجند لصالح الموساد الإسرائيلي!! والى ذلك فأن شخصيات اعلامية أمريكية وفي طليعتها (تاكر كارلسون)، كانت قد المحت أو أشارت إلى ارتباط إبستين بالموساد الإسرائيلي، فهذه الشخصيات اشارت الى علاقات الرجل الذي يملك اكثر من ٥٠٠ مليون دولار ويتاجر بالجنس، بأجهزة أمنية وشخصيات عسكرية وسياسية اسرائيلية، وهناك سجل كامل وطويل حول تبرعاته المالية الطائلة للجيش الصهيوني تحت غطاء شركات امريكية خيرية، ذلك فضلا عن ان (روبرت ماكسويل) والد شريكة إبستين السابقة (غيلين ماكسويل) اتصل أسمه بعمليات الاتجار بالأسلحة عبر أسماء مرتبطة بالموساد من مثل (نك ديفيز وآري بن ميناشي)، وزيادة على ذلك ان دولة الاحتلال أقامت له جنازة عند جبل الزيتون المخصص لاستضافة فاعليات تمجيد "اسرائيل" من تسميهم أبطالها التاريخيين.. ولذلك فأن الرجل ليس عميلاً للموساد وحسب، بل هو كان أحد رؤوس الدولة الصهيونية العميقة وربما قد يكون عرابها الاكبر .. ولما اشرنا، وهنا نذكر مرة اخرى ان هذه المحافل والشخصيات الثرية التي تديرها الصهيونية العالمية مثل إيستين، أنها تستقطب الشخصيات وترعاها وتنصبها حكامًا وفي مسؤوليات كبيرة، وتبتزها ان ابدت نوعاً من التمرد على أوامر هذه الدولة الصورية العميقة، ومنها يمكن ان تعرف السبب أو مجموعة الأسباب لإفشاء هذه الفضائح من خلال الكشف عن ملفات إبستين المعروف بسقوطه الأخلاقي ومنها ما يلي:
1ـ تلكؤ (دونالد ترامب) عن المضي في تنفيذ مطالب الدولة الصهيونية العميقة، وفي اغراق المنطقة بالحروب، والقضاء على خصوم اسرائيل وعلى رأسهم ايران، لاسيما وان اسم ترامب تردد كثيراً في هذه الملفات المنشورة، بل واسماء كل طاقمه الحاكم، والرسالة واضحة، أنه يمكن حذفكم أو القضاء عليكم واستبدالكم بآخرين اكثر منكم ولاءً للصهيونية ولتنفيذ أهدافها في حماية الكيان وفي توسيع رقعته الجغرافية!!
2ـ بعد المجازر المروعة التي ارتكبها (بنيامين نتنياهو) بحق أهالي غزة بعد عمليات (طوفان الأقصى) في ١٧ اكتوبر ٢٠٢٣ ، والتي صعقت العدو وكسرت هيبته... نقول بعد تلك المجازر البشعة وعمليات الهدم والجرف، في مشاهد مروعة وصادمة للضمير الإنساني، كل ذلك أيقظ ضمير الرأي العام في المنطقة الأوربية بعد ان اكتشفت الشعوب الأوربية زيف الدعاية الصهيونية التي كانت تصور الاوضاع في الأرض المحتلة بشكل معكوس تمامًا، بأن الصهاينة (أُناس مظلومون) ومهددون بالإبادة وما إلى ذلك.. ولكن عندما اطلعت الشعوب الأوربية على الحقيقة تحرك فيها الحس الانساني وخرجت بمظاهرات واحتجاجات متكررة وضاغطة بمطالبها من حكوماتها بقطع الدعم العسكري والسياسي للعدو وفعلاً بدأت بعض الحكومات الغربية بأخذ مسافة من العدو وكثرت الانتقادات الغربية للعدو، بل وبعضها قطع فعلا امداداته العسكرية عن العدو مثل إسبانيا، فيما ابدى البعض الآخر تأييده حكم المحكمة الدولية الصادر بحق نتنياهو وعدد من اعوانه بإلقاء القبض عليهم، فعدد من الدول الغربية أعلنت استعدادها لإلقاء القبض عليه، ولذلك فأن هذا التطور في مواقف بعض الدول الأوربية ازعج الدولة الصهيونية العميقة جداً، الأمر الذي دفع الأخيرة إلى توجيه الانذار الصارم لها، بالكشف عن ملفات وفضالح إبستن، من أجل حملها على التراجع واعلان الولاء والإخلاص للصهيونية!! وإلاّ فأن الذي يتمرد ينتظره السقوط الأخلاقي والاجتماعي والرمي في مزابل التاريخ!!
3- لأن السلطات السعودية والإمارات وبعض دول الخليج الأخرى اصبحت قطباً مالياً عالميا، وبدت خصوصاً السعودية منها تميل إلى نوع من الاستقلالية، فعلى سبيل المثال اتجهت كل من السعودية والإمارات الى الصين وعقدتا معها اتفاقات وصفقات اقتصادية بل ان الرئيس الصيني قام بزيارة تاريخية للعاصمة السعودية (الرياض) کما إن كل دول الخليج الحليفة لأمريكا تقريبا أعلنت أنها لن تسمح بأن تستخدم اراضيها واجواءها للهجوم على ايران.. هذه المواقف اعتبرتها الدولة الصهيونية العميقة تمرداً على الصانع الاساسي لهذه الانظمة والذي أوصل قياداتها إلى هرم السلطة، فجاء التذكير من قبل هذا الصانع بأنه قادر على اسقاط هذه الانظمة واستبدالها بأخرى موالية جداً ومطيعة، وجرت عملية التذكير بعرض ثلاثة فضائح هي:
أـ كشف العلاقات بين إبستين وبعض أركان النظام السعودي، فالوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية كشفت عن مئات المراسلات التي جرت بين المستشار في الديوان الملكي السعودي (رأفت الصباغ) والمتهم (جيفري إبستين) وبحسب الوثائق التي تحمل الكود (٠٠٨١٧٤١٤ EFTAA ) تعود إلى الفترة ما بين عامي ٢٠١٦ و ٢٠١٧ وتتضمن رسالة من الصباغ الى إبستين تتحدث عن (ملكة جمال روسية) ترغب في بيع عذريتها مقابل ١٣ ألف دولار. وفي رد إبستين على الرسالة: "أخيراً أرسلت لي شيئاً ذا قيمة".. طبقاً لما ورد في المستندات المنشورة، كما اشارت الوثائق إلى تواصل مستمر بين الطرفين خلال تلك الفترة، إضافة إلى لقاء جمع المستشار السعودي بابستين، بالإضافة الى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بحسب نص المراسلات.. والاخطر من ذلك كشفت الوثائق صوراً لابستين وأمامه على الأرض قطعة من كسوة (الكعبة المشرفة)، مما أثار ذلك استهجان وشجب الرأي في كافة الدول الإسلامية، واثار الكثير من التساؤلات كيف وصلت قطع من كسوة الكعبة الى جزيرة الافساد والسقوط الاخلاقي!؟ فالرسالة واضحة وهي توجيه اهانة كبيرة للمقدسات الإسلامية، وفضيحة بشعة للقيادة السعودية التي تطلق على نفسها لقب (خادم الحرمين الشريفين) ما يعني ذلك ان هذه الفضائح تشير الى ان الذي يقف ورائها بإمكانه تأليب الرأي العام ضد النظام السعودي حتى باستخدام المقدسات الإسلامية!
ب ـ الكشف عن فضائح (سلطان بن سليم) رئيس مجلس ادارة موانئ دبي العالمية والرئيس التنفيذي لها، والعلاقة التي كانت تجمعه مع المدان باغتصاب (الأطفال) إبستين وهي علاقة لم تكن مجرد معرفة عابرة أو مراسلات مجاملة، بل امتدت لسنوات طويلة، واحتوت على رسائل حميمة وإيحاءات جنسية وصور إباحية، إلى جانب مساع للتوسط في صفقات وترتيب وظائف، وتنسيق لقاءات، بل وحتى البحث عن خدمات طبية داخل اسرائيل!! ووفق ما اكدته صحيفة (بلومبرغ) الأمريكية فأن ابن سليم يعد من بين أكثر الشخصيات نفوذاً ممن استمرت مراسلاتهم مع إبستين فترة طويلة، تقدر بأكثر من عقد من الزمان!! وتضيف الصحيفة "ان العلاقة بين الرجلين تجاوزت حدودا. ووصلت إلى مستوى من الحميمية والفظاظة والأثارة للجدل!! وفي واحدة من الرسائل التي بعثها سلطان بن سليم إلى إبستين، تترفع المقالة عن ذكرها لهبوط مستواها الاخلاقي وسقوط أصحابها في الحضيض، وبدون شك ان هذا الصعلوك هو نموذج مصغر للقيادة الإماراتية ولأولاد زايد، أرادت الدولة الصهيونية العميقة توجيه تحذير شديد اللهجة للقبيلة الحاكمة هناك، بأن الكشف عن الفضائح جاهز للنشر.
ج ـ الكشف عن أن الموساد الإسرائيلي، كان له دور مهم ومباشر في تشكيل مجلس الرئاسة اليمني الذي ترأسه (رشاد العليمي) كما كشفت ملفات إبستين عن إرتباط وثيق بين الرئيس السابق (علي عبد الله صالح) وبطل فضائح الجنس والشذوذ إبستين!! وكشفت الملفات عن مراسلات بين إبستين رجل الموساد الأول وتاجر السكر في اليمن (شاهر عبد الحق) تناولت مشاورات حول تشكيل مجلس رئاسي جديد بديلاً عن سلطة (عبد ربه منصور هادي ونائبه محسن الأحمر)، مع اقتراح أسماء ومناطق تمثيلهم، إضافة إلى خطة لاستغلال سفر هادي إلى واشنطن لإقناع مسؤولين أمريكيين بالانقلاب عليه، واكدت المراسلات ان الموساد لعب دوراً محوريا في تشكيل هذا المجلس ما يوضح ذلك إن حجم التدخل الصهيوني كان ضخماً في رسم المشهد السياسي اليمني! وأوضحت الملفات، أن علي عبد الله صالح حاول عبر إبستين، الاستقواء على حلفائه (انصار الله) الحوثيين والانقلاب عليهم، وهو الانقلاب الذي انتهى بمقتله وهلاكه! وكل تلك المعطيات تمثل رسالة تهديد وتحذير للأنظمة العربية، فاذا لم تلب الإملاءات الإسرائيلية والامريكية فأن الدولة العميقة تكشف حقيقة هذه الانظمة خصوصا الخليجية منها وبشكل أخص النظام السعودي، لأن الذي صنعها هو هذه الدولة الصهيونية العميقة راعية صاحب الجزيرة ابسيتن!!