هل أضعف محمد بن سلمان الأسرة الحاكمة التي كان يفترض أن يعزز قوتها ويؤمّن استمرارها؟
بهذا السؤال يدخل الكاتب زاكر حسين، في مقاله المنشور في «آسيا تايمز» بعنوان «هل ينفد وقت محمد بن سلمان؟»، إلى مناقشة مستقبل ولي العهد السعودي، رابطاً بين إخفاقات السياسة الخارجية وضغوط الاقتصاد وطبيعة الصراع على السلطة.
يستهل الكاتب مقاله باستحضار فكرة ينسبها إلى ابن خلدون عن تراجع الأسر الحاكمة بعد ثلاثة أجيال عندما تعجز عن إنتاج خلفاء قادرين على استمرارها.
ومن هذا المدخل، يضع تجربة محمد بن سلمان أمام سؤال يتجاوز أداء الحكومة إلى مصير الحكم نفسه:
هل أسهم تركيز السلطة وإقصاء المنافسين والاندفاع في رهانات كبرى في تقوية الدولة، أم في إضعاف قدرتها على مواجهة الأزمات؟
بحسب المقال، تواجه السعودية ضغوطاً داخلية وخارجية متزامنة، بينما تتعثر ثلاثة رهانات مركزية لولي العهد:
هزيمة الحوثيين وإقامة سلطة يمنية تابعة للرياض، وتحويل الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على النفط، والتعويل على الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب بوصفها حليفاً يمكن الركون إليه.
تغيير القيادة والإصلاح الديمقراطي
لا يكتفي الكاتب بتشخيص تعثر السياسات، بل يطرح مسألة تغيير القيادة نفسها.
فهو يقول إن «كثيرين» باتوا يرون أن المخرج الأفضل يتمثل في نقل السلطة، واستبدال محمد بن سلمان بخليفة مناسب، وإعادة بناء السياسات الدبلوماسية والاقتصادية، وتنفيذ إصلاحات ديمقراطية طال انتظارها.
ولا يحدد المقال هؤلاء «الكثيرين»، لكنه يستخدم هذا الطرح للانتقال من نقد قرارات ولي العهد إلى مناقشة استمراره في السلطة.
فالمشكلة، في بناء حجته، لم تعد محصورة في تصحيح مشروع اقتصادي أو تعديل سياسة إقليمية؛ وإنما تشمل القيادة التي اتخذت تلك القرارات وربطت مستقبل الحكم بنتائجها.
ويقرن الكاتب تغيير القيادة بإصلاحات سياسية، فلا يحصر المخرج الذي يعرضه في استبدال شخص بآخر، بل يضم إليه تغييراً في طريقة إدارة الدولة وفي سياساتها الداخلية والخارجية.
البلقنة: كيانات يحكمها أمراء متنافسون
يذهب المقال إلى أن عدم إجراء هذا التحول قد يفتح الباب أمام «بلقنة» السعودية، بمعنى تفككها إلى كيانات أصغر يحكمها أمراء متنافسون، وانتهاء المملكة بصورتها الحالية.
ويضيف الكاتب بعداً خارجياً إلى هذا السيناريو، إذ يرى أن قوى تطمع في الثروات النفطية والمعدنية السعودية لن تتردد في اقتسام البلاد إذا تهيأت الظروف.
ويشير، في هذا السياق، إلى تقدير يورده عن وجود نحو 114 مليون طن من المعادن النادرة والخامات الحاملة لليورانيوم، إلى جانب احتياطيات الوقود الأحفوري.
وبحسب تصوره، فإن القوى التي لم تحقق أهدافها في إيران قد تتجه إلى السعودية باعتبارها هدفاً تالياً، وربما أسهل.
ويربط الكاتب هذه الفرضية بما يصفه برفض ترامب والقوى الغربية مساندة ولي العهد في مواجهة الحوثيين.
هكذا يصل المقال بين ثلاثة مستويات:
- خصومات داخل الحكم
- وضعف القدرة على حماية الدولة
- وأطماع خارجية في مواردها
اليمن: إنفاق ضخم وعجز عن الحسم
في الملف اليمني، يصدر الكاتب حكماً مباشراً بأن محمد بن سلمان ألحق بالمملكة، منذ صعوده، ضرراً يفوق ما حققه لها من منفعة، وأنه راكم خصوماً من دون أن يضمن أمن البلاد.
ويورد المقال أن السعودية تنفق نحو 83 مليار دولار سنوياً على الدفاع، بما يعادل قرابة 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي ونحو 3% من الإنفاق العسكري العالمي.
ويستحضر عام 2015، عندما كان محمد بن سلمان وزيراً للدفاع وبلغ الإنفاق العسكري، بحسب الأرقام التي يستخدمها الكاتب، نحو 13% من الناتج المحلي.
في ذلك العام، أطلقت السعودية، بالتنسيق مع الإمارات، حملتها العسكرية في اليمن.
ويصف الكاتب الحرب بأنها امتدت ثماني سنوات، ويربط القصف والحصار ونقص الغذاء والدواء بحصيلة يوردها تبلغ نحو 700 ألف وفاة يمنية.
ويقول المقال إن السعودية أنفقت نحو 200 مليار دولار على الدفاع، ومع ذلك لم تتمكن من التغلب على خصم يقدّر ميزانيته العسكرية بأقل من ستة إلى سبعة مليارات دولار.
وينقل عن منتقدين تفسيراً لهذا التناقض مفاده أن جانباً كبيراً من الإنفاق استهدف حماية حكم ولي العهد وتثبيته أكثر مما استهدف تعزيز الأمن الوطني في مواجهة الأخطار الخارجية.
ويستشهد الكاتب بما يورده عن ضربة حوثية استهدفت مطار الرياض الدولي في 10 أكتوبر، وأسفرت، وفق رواية المقال، عن مقتل 13 شخصاً على الأقل.
ويستخدم هذه الواقعة لتأكيد حجته بأن التفوق في التسليح لم يتحول إلى حماية كافية للمنشآت الحيوية، وأن انكشاف المطارات يضرب أيضاً الثقة بأمن السفر إلى المملكة.
«رؤية 2030»: مشروعات مكلفة واستنزاف للثروة
في الاقتصاد، يتبنى الكاتب موقفاً حاداً من «رؤية 2030»، معتبراً أن ولي العهد بدد ثروات المملكة على خطط اقتصادية باهظة وغير مجدية.
ويشير إلى مليارات الدولارات التي يقول إنها ذهبت إلى أتعاب الاستشارات والترويج لرؤية يصف معالمها بالضبابية، رغم إعلانها استهداف تقليص الاعتماد على صادرات الوقود الأحفوري.
ويستحضر المقال جمال خاشقجي، الصحفي الذي قُتل وقُطعت أوصاله في إسطنبول، ناقلاً عنه تحذيراً من أن فشل المشروعات العملاقة قد يجعل السعودية من أفقر دول المنطقة.
أما نيوم، فيعرضها الكاتب بوصفها نموذجاً مكثفاً لأزمة هذه الرهانات.
وينسب إلى «وول ستريت جورنال» تقريراً يستند إلى تدقيق مسرّب يفيد بأن المشروع يواجه إفلاساً فعلياً.
وبحسب ما ينقله المقال عن ذلك التقرير، فإن إغلاق مشروع «ذا لاين» قد يكلف السعودية نحو 16 مليار دولار.
ويشير أيضاً إلى تقليص المشروع، الذي أُعلن بطول 170 كيلومتراً، مع تحويل الأموال إلى البنية التحتية المرتبطة بإكسبو 2030 وكأس العالم 2034.
وتتمثل حجة الكاتب هنا في أن كلفة المشروعات لا تنتهي عند تعثر التنفيذ؛ إذ قد يفرض تقليصها أو إغلاقها أعباء مالية إضافية، بينما تتنافس التزامات ضخمة أخرى على الموارد نفسها.
تعطل النفط وانتقال الاقتصاد من النمو إلى الانكماش
يربط المقال بين الضغوط المالية والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما يورده عن حصار مضيق هرمز، ثم باب المندب، واستهداف خط أنابيب النفط السعودي «شرق–غرب» بهجمات ينسبها إلى الحوثيين وفصائل عراقية.
وبحسب عرضه، أدت هذه التطورات إلى تعطيل صادرات النفط واستنزاف أهم مصادر الإيرادات السعودية.
وبذلك يضع الكاتب الاقتصاد أمام مأزق مزدوج:
- مشروعات تحتاج إلى تمويل هائل
- ومصدر دخل رئيسي يتعرض للتعطيل
ويورد المقال أن الاقتصاد السعودي، بعدما كان صندوق النقد الدولي يتوقع له نمواً بنسبة 4% في عام 2026، بات يتجه إلى انكماش بنسبة 3.3%. ويستخدم هذا التحول لتأكيد أن اضطراب البيئة الإقليمية يصيب الأساس المالي الذي تقوم عليه وعود التحول الاقتصادي.
القصور والملاجئ وخصوم الداخل
ينتقل المقال من أمن الدولة إلى أمن ولي العهد شخصياً.
وينسب إلى تقرير آخر لـ«وول ستريت جورنال» أن محمد بن سلمان يتنقل بصورة متكررة بين قصور وملاجئ محصنة في ظل التهديدات الأمنية.
ويفسر الكاتب هذا التنقل بأنه قد يرتبط بمحاولة تجنب اغتيال بواسطة طائرات مسيّرة، ثم يضيف أن الحوثيين، وإن لم يصلوا إلى موقعه، قد يستطيع خصومه الداخليون ومنافسوه من الأسرة الحاكمة ذلك.
ويستدعي في هذا السياق اغتيال الملك فيصل على يد أحد أفراد الأسرة، ليذكّر بأن قتل الحاكم من داخل العائلة له سابقة.
كما يورد مزعماً عن تحريض قوى أجنبية على اغتيال فيصل، ضمن محاولته الربط بين الصراع الداخلي والتدخل الخارجي.
وبذلك يضع زاكر حسين يده على عمق الأزمة:
محمد بن سلمان خلق لنفسه أعداءً في الداخل أشد خطورة عليه من أعداء الخارج، لتصبح معركة بقائه مواجهة مفتوحة مع عائلته قبل أي طرف آخر.
إقصاء محمد بن نايف وتحول قواعد الخلافة
يربط الكاتب مخاوف الصراع الداخلي بطريقة وصول محمد بن سلمان إلى ولاية العهد.
ويصف انتقال الحكم التقليدي بين أبناء عبد العزيز بأنه انتقال أفقي من أخ إلى أخ، مقابل انتقال عمودي من الأب إلى الابن.
وبحسب المقال، كسر محمد بن سلمان، بدعم من والده، هذا المسار عام 2017 عندما أُبعد ولي العهد ووزير الداخلية آنذاك محمد بن نايف.
ويصف الكاتب ما جرى بأنه انقلاب قصر فعلي، ويورد أن بن نايف ما زال، وفق تقارير يستند إليها، رهن الإقامة الجبرية.
وينقل المقال عن منتقدي ولي العهد وصفهم ما حدث بأنه استيلاء صريح على السلطة، كما يعرض شكوكاً في أنه لم يكن ليحدث من دون دعم أمريكي، إن لم يكن بمشاركة أمريكية.
ويشير الكاتب إلى مفارقة مفادها أن أمراء محتجزين اتُّهموا بالتواصل مع قوى أجنبية لتنفيذ انقلاب، بينما يطرح منتقدو محمد بن سلمان تساؤلات عن دور الدعم الخارجي في صعوده هو نفسه.
ثم يترك سؤال المقابل الذي ربما قُدّم لواشنطن بلا إجابة، معتبراً أنها لا تقدم مثل هذه الخدمات مجاناً.
التحول البراغماتي لم يغب عن المقال
وفي سياق تحولاته السياسية، يشير الكاتب إلى أن محمد بن سلمان لجأ منذ عام 2021 إلى البراغماتية التكتيكية لتفادي مآزقه؛ فأنهى حصار قطر، وسعى لتسوية مع الحوثيين، واندفع نحو صفقة تطبيع مع إسرائيل برعاية أمريكية طمعاً في ضمانات أمنية لحكمه، قبل أن تنفجر حرب غزة في 7 أكتوبر 2023 وتخلط أوراقه وتعطّل هذا الرهان.
من تعثر السياسات إلى سؤال بقاء القيادة
تتجاوز أطروحة زاكر حسين مجرد القول إن محمد بن سلمان يواجه أزمات اقتصادية أو أمنية عابرة يمكن احتواؤها؛ بل يضع الأصبع على مأزق وجودي يضرب بنية النظام
فهو يجمع الحرب في اليمن، وتعثر المشروعات الكبرى، وهشاشة التعويل على واشنطن، وخصومات الأسرة الحاكمة، ضمن حجة واحدة:
أن سياسات ولي العهد قد تكون أضعفت أسس الحكم الذي أراد إحكام قبضته عليه.
ومن هنا يأتي حديث الكاتب الصريح عن نقل السلطة واستبدال ولي العهد وإجراء إصلاحات ديمقراطية، وتحذيره من أن استمرار المسار قد يقود إلى صراع بين أمراء وكيانات متنافسة وتدخل خارجي في ثروات البلاد.
وعليه، فإن سؤال «هل ينفد وقت محمد بن سلمان؟» يحمل في المقال معنى أشد من التساؤل عن قدرته على تجاوز أزمة عابرة؛ إنه سؤال الكاتب عن الكلفة التي قد تتحملها المملكة إذا بقي مستقبل الدولة مرتبطاً برهانات رجل واحد، وعن إمكان أن يصبح تغيير القيادة، في التصور الذي يعرضه، مدخلاً لمنع أزمة أوسع تطال كيان الدولة نفسه.