نشرت مجلة "فوربس" تقريرا تناولت فيه ملف الاستثمار السعودي في مجالات الذكاء الاصطناعي والقطاعات التقنية المتقدمة، واعتبرت أن الأخيرة تشكل العامود الذي باتت ترتكز عليه العلاقة بين الولايات المتحدة و"السعودية" في ظل إدارة دونالد ترامب الثانية، بدلًا من التركّز فقط على النفط. إذ أنه ومع إنهاء محمد بن سلمان زيارته إلى البيت الأبيض، "تعزّزت الشراكة بين "السعودية" والولايات المتحدة، إذ تركزت مساعي الرياض على التقدم التكنولوجي. ومع ذلك، فإن جعل "السعودية" قائدًا عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي لا يزال مهمة صعبة".
وأشارت مجلة الأعمال الأميركية "فوربس" إلى "مبادرة مستقبل الاستثمار، المعروفة أيضًا باسم "دافوس الصحراء"، وهي فعالية سنوية تُقام في الرياض تستعرض خطط "رؤية 2030"، موقع المركز في جهود تطوير الذكاء الاصطناعي". وأكدت أن "السعودية"، التي تتأخر حاليًا عن قادة مجال الذكاء الاصطناعي مثل الصين والولايات المتحدة، تهدف إلى أن تصبح لاعبًا رئيسيًا في سباق البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي والبيانات. ورأت أن "تحوّل البلاد نحو قطاع الذكاء الاصطناعي يمثّل أكثر من مجرد إمكانية تنويع اقتصادي للمنطقة بينما تسعى لحماية نفسها من تقلبات أسعار النفط، فإذا نجحت، قد يُشكّل ذلك أيضًا تحوّلًا في ميزان المنافسة على القوة العالمية في الشرق الأوسط والعالم العربي. لكن الطريق أمام هذه الطموحات مليء بالعقبات".
على الرغم من طموحات "السعودية" لتصبح قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي، رجّحت "فوربس" في تقريرها أن تحدّ القيود من تطوير البنية التحتية الضرورية لنمو هذا القطاع. " فمراكز البيانات تحتاج إلى كميات هائلة من المياه، بينما موارد الرياض المائية محدودة. وبالنظر إلى موقع "السعودية" الجغرافي، فإن توفير المياه اللازمة لتبريد مراكز البيانات يمثل تحديًا. وتحلية المياه عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة، والطاقة الشمسية الوفيرة حاليًا تنتج مياهًا مكلفة للغاية بحيث لا تصلح للشرب، فضلًا عن استخدامها في تبريد مراكز البيانات".
وعلى الرغم من إنتاج "السعودية" كميات هائلة من النفط، إلا أنها تفتقر إلى إمدادات وفيرة من الغاز.
كما أن درجات الحرارة المرتفعة في الصحراء العربية تجعل التبريد عبر المياه أكثر تكلفة وصعوبة في الصيانة. بالإضافة إلى ذلك، يترتب على بناء البنية التحتية في بيئة صحراوية تكاليف إضافية في مجالات مثل كفاءة التبريد بالهواء واستقرار الشبكة الكهربائية.
وأشارت "فوربس" إلى عامل آخر مهم، ألا وهو "رأس المال البشري والموارد البشرية". وأكدت أن "السعودية" تمتلك حاليًا قاعدة مواهب ضحلة، إذ سمحت الرياض لعقودٍ بالتعليم الديني حتى المرحلة الجامعية على حساب مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) وغيرها من مجالات الدراسة، ما أدى إلى تخرّج ملايين من الأشخاص بدون مهارات قابلة للتسويق في سوق العمل.
وأضافت أن "الاعتراف بهذه الفجوة هو الخطوة الأولى نحو النمو، لكنه لا يزال عقبة أمام تنفيذ الرؤية التي يتبنّاها محمد بن سلمان لمستقبلها. وبمجرد بناء البنية التحتية وجعلها جاهزة للاستخدام، ستحتاج طموحات البلاد في أبحاث الذكاء الاصطناعي التنافسية والمنتِجة إلى دعم بمليارات الدولارات، إضافة إلى خبرات واسعة."
وقالت المجلة أن " بن سلمان من يدرك ضرورة الانتقال من اقتصاد نفطي يعود إلى القرن العشرين إلى مجتمع قائم على التكنولوجيا المتقدمة في القرن الحادي والعشرين. لكن اندفاع البلاد نحو الذكاء الاصطناعي يتطلّب أكثر من مجرد عقد لقاءات مع مسؤولي شركات التقنية وبناء علاقات مع قادة صناعةٍ يسعدون بتلقّي أموال الرياض؛ فهو يستلزم أيضًا فهمًا عميقًا لما سيكون مطلوبًا للنجاح".
ورأت أن "القيود الجغرافية والتكنولوجية ورأس المال البشري تحدّد ما هو ممكن في الوقت الراهن، وما يجب تجاوزه إذا كان لمنظومةٍ للذكاء الاصطناعي أن تتطور".
وختمت "فوربس" تقريرها بالقول أنه "على الرغم من أن تحوّل "السعودية" نحو صناعات المستقبل أمر مفهوم ومرغوب فيه، يتعيّن على قادتها ضمان وجود تأييد مجتمعي واسع، وأن تكون البلاد مجهَّزة تمامًا لاستقبال هذه الحقبة الجديدة من العلوم والتكنولوجيا."
وفقا لصحيفة "التيليغراف" البريطانية، فقد أثارت حالة الاقتصاد السعودي تساؤلات حول مدى قدرة الرياض على مواصلة هذا الإنفاق الهائل. فمع تراجع الطلب العالمي على النفط، تكافح الرياض للحفاظ على نمو اقتصادي قوي وضبط ميزانيتها العامة. قبل عامين فقط، كان الاقتصاد السعودي ينمو بمعدل يقارب 10% مع فائض في الميزانية. لكن تباطؤ الاقتصاد العالمي والانتقال إلى السيارات الكهربائية قلّص الطلب على النفط، ما أجبر الرياض وحكومات أوبك الأخرى على خفض الإنتاج لدعم الأسعار.
ورغم أن “السعودية” رفعت إنتاجها النفطي مؤخرًا، إلا أن إيرادات النفط لعام 2025 أقل بنحو 25% من العام السابق، ما يضع الرياض على مسار عجز في الميزانية يتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي — أي أكثر من ضعف التقديرات السابقة، بحسب “تيليغراف”.