عاجل:
كيف خسرت السلطات السعودية استضافة الألعاب الشتوية الأولمبية
انفتاح وانحلال 2026-02-08 10:14 689 0

كيف خسرت السلطات السعودية استضافة الألعاب الشتوية الأولمبية

أعلن المجلس الأولمبي الآسيوي رسميًا نقل استضافة دورة الألعاب الشتوية الآسيوية المقبلة من مشروع نيوم في "السعودية" إلى مدينة ألماتي في كازاخستان، بعد أشهر من الجدل والتساؤلات حول جاهزية المشروع السعودي وقدرته الواقعية على احتضان حدث شتوي كبير في بيئة صحراوية.

القرار، كما نقلت تقارير إعلامية ومصادر مطلعة على عمل المجلس، لم يكن تقنيًا بحتًا، بل جاء نتيجة تراكم مخاوف لوجستية وبيئية ورياضية وضعت الطموح السعودي في مواجهة مباشرة مع منطق الجدوى.

 

 

 

في الأصل، كانت "السعودية" قد حصلت على حق الاستضافة ضمن سياق استراتيجيتها الترويجية المرتبطة بـ"رؤية 2030"، التي تسعى من خلالها إلى تحويل البلاد إلى مركز عالمي للرياضة والسياحة والترفيه. اختيار نيوم، المشروع العملاق الذي يُقدَّر حجمه بنحو 500 مليار دولار، لم يكن مجرد قرار رياضي، بل رسالة سياسية وإعلامية تهدف إلى إبراز صورة "دولة" قادرة على كسر القيود الجغرافية والمناخية عبر التكنولوجيا، بما في ذلك إنشاء منحدرات تزلج ومرافق ثلج اصطناعي داخل قلب الصحراء عبر منتجع "تروجينا".

 

 

 

غير أن ما روّجت له الدعاية الرسمية اصطدم، بحسب ما أوردته تقارير قريبة من المجلس الأولمبي الآسيوي، بواقع مختلف على الأرض. فالمفتشون، وفق ما نُقل في أكثر من مصدر، وجدوا أن العديد من المواقع الأساسية لا تزال قيد الإنشاء وبعيدة عن الجاهزية المطلوبة للمنافسات الدولية. شبكات النقل، قرى الرياضيين، أنظمة السلامة، وحتى المرافق الرياضية نفسها، لم تصل إلى المستوى الذي يسمح بضمان تنظيم حدث شتوي وفق المعايير الآسيوية والدولية. هذا التأخير البنيوي جعل الجدول الزمني موضع شك، وهو أمر لا تستطيع منظمة رياضية قارية المجازفة به.

 

 

 

إلى جانب ذلك، برز التحدي البيئي بوصفه عاملًا ضاغطًا. فتنظيم رياضات مثل التزلج الألبي والبياتلون والتزلج على الجليد في منطقة لا تشهد تساقطًا طبيعيًا للثلوج يتطلب استهلاكًا هائلًا للطاقة لإنتاج الثلج الاصطناعي والحفاظ عليه في درجات حرارة مرتفعة أصلًا. هذا الواقع يثير تساؤلات حول الاستدامة والبصمة الكربونية، خصوصًا في وقت تحاول فيه المنظمات الرياضية الدولية إظهار حساسية أكبر تجاه قضايا المناخ.

 

 

 

التقارير التي تابعت الملف أوضحت أن القرار استند إلى ما سُمّي "اعتبارات عملية ورياضية"، حيث لا يكفي الابتكار المعماري إذا لم يكن مصحوبًا بموثوقية تشغيلية. فالألعاب الشتوية ليست معرضًا هندسيًا، بل حدثًا تنافسيًا يتطلب بيئة طبيعية أو شبه طبيعية آمنة للرياضيين والجمهور والاتحادات المشاركة. في هذا السياق، فضّل المجلس الأولمبي الآسيوي، بحسب ما نُقل عن مسؤولين فيه، خيارًا يضمن "اليقين والاستدامة وسلامة الرياضيين".

 

 

 

في المقابل، جاءت ألماتي بوصفها نقيضًا واقعيًا لرهان نيوم. المدينة الكازاخستانية تقع بالقرب من جبال تيان شان، وتملك بالفعل بنية تحتية شتوية مجرّبة مثل حلبة "ميدو" للتزلج السريع ومنتجع "شيمبولاك"، وهي منشآت استضافت سابقًا مسابقات دولية ولا تحتاج إلا إلى تطوير محدود بدل مشاريع إنشائية ضخمة. لهذا، اعتُبر اختيار ألماتي، كما ورد في تصريحات رسمية، ضمانًا لمصداقية الألعاب واستقرارها التنظيمي بدل المغامرة بمشروع لم يكتمل بعد.

 

 

 

بالنسبة لـ"السعودية"، لا يمكن فصل خسارة الاستضافة عن سياق أوسع يتعلق بما يُعرف بـ"الدبلوماسية الرياضية". خلال السنوات الماضية، ضخت الرياض استثمارات كبيرة في سباقات الفورمولا 1، وبطولات الملاكمة، واستقطاب نجوم كرة القدم، في محاولة لتلميع الصورة الدولية للنظام عبر الرياضة. وكانت الألعاب الشتوية الآسيوية تمثل خطوة رمزية باتجاه دخول مجال غير تقليدي على بيئة الخليج. إلا أن تراجع المجلس الأولمبي الآسيوي يكشف حدود هذا النهج عندما يصطدم بمنطق الجغرافيا والمناخ والمعايير المهنية.

 

 

 

ورغم البيان المقتضب الذي نقلته وسائل إعلام سعودية عن مسؤولين أكدوا فيه احترام قرار المجلس ومواصلة تطوير نيوم، فإن محللين أشاروا إلى أن ما جرى يعكس توترًا واضحًا بين الطموح السياسي والقدرة التنفيذية. فنيوم، كما قال أحد خبراء السياسات الرياضية الإقليميين في تصريحات نقلتها تقارير متابعة، تمثل رغبة في "إعادة تعريف الممكن"، لكن الأحداث الكبرى تحتاج إلى موثوقية لا إلى استعراض هندسي فقط.

 

 

 

من زاوية أخرى، أثار ملف نيوم أيضًا نقاشًا أخلاقيًا وحقوقيًا. منظمات حقوق الإنسان كانت قد تساءلت، وفق ما أوردته تقارير مرافقة للموضوع، عن ظروف العمل والشفافية في مشاريع البناء الضخمة في المنطقة، إضافة إلى الأثر البيئي طويل الأمد. ورغم أن المجلس الأولمبي الآسيوي لم يعلن رسميًا أن هذه القضايا حاسمة في قراره، إلا أن مراقبين رأوا أنها ساهمت في تعزيز موقف الحذر تجاه المشروع السعودي.

 

 

 

في النهاية، يعكس انتقال الألعاب من الصحراء إلى الجبال عودة إلى منطق الرياضات الشتوية الطبيعي، وتذكيرًا بأن الصورة الإعلامية لا تكفي لصناعة حدث عالمي. تجربة نيوم، كما تظهرها تقارير المجلس الأولمبي الآسيوي والمتابعات الصحفية، تكشف أن الطموح وحده لا يصنع الثلج، وأن محاولة فرض بيئة اصطناعية على رياضة قائمة على الطبيعة تصطدم عاجلًا أم آجلًا بحدود الواقع. وبينما تستعد ألماتي لاستضافة الألعاب بثقة مستندة إلى الجغرافيا والخبرة، تجد "السعودية" نفسها أمام سؤال أكبر من استضافة حدث: إلى أي حد يمكن للمشاريع العملاقة أن تتجاوز المنطق البيئي والزمني دون أن تتحول من حلم دعائي إلى عبء سياسي وتنظيمي؟

 

آخر الاخبار