بقلم: جمال حسن
كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية قبل أيام، إن السعودية عجزت عن دفع ديون مليار و400 مليون دولار مقابل حصولها على شاحنات عسكرية صنعتها شركة «جنرال داينامكس» للصناعات الدفاعية، ما دفع بالشركة الى تقديم شكوى ضد الرياض وإن وزارة الخارجية الأمريكية بحثت الموضوع مع المسؤولين السعوديين قبل أسابيع.
كما أن شركة «بيكتل غروب كورب»، وشركة الاستشارات الدولية «بوسطن كونسالتنغ غروب إنك» هي أيضاً من الشركات التي أشتكت من السعودية لعدم دفع فواتير قيمتها مليارات الدولارات، والرياض تحاول جاهدة لإحتواء العجز الكبير في الميزانية العامة الذي يواجهها، وسط استمرار إنخفاض أسعار النفط وزيادة قياسية في النفقات الأميرية والعسكرية؛ وهو ما أعترف به وزير الاقتصاد السعودي محمد التويجري بقوله إن الحكومة لا تؤخر دفع الفواتير بطريقة مقصودة!!؛ متجاهلاً أن الرياض تأخرت في دفع عشرين مليار دولار ديوناً خارجية العام الماضي لتخفيف العجز.
وفقدت السعودية حوالي 37 مليار دولار من الاحتياطي العام الماضي وفق بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي، وخسرت نحو 22% من احتياطيها العام، بعد أن وصل نهاية 2018 الى 130.5 مليار دولار، ما يعني أنها فقدت نحو ثلثي احتياطيها، وبلغت نسبة الخسارة 63% نهاية 2018، قياساً بقيمة الاحتياطي نهاية 2014 والبالغة 353.5 مليار دولار، ما يعكس تضرر اقتصاد مملكة البترول جراء الصراعات السياسية التي تخضوها.
وكشفت التقارير عن تهرّب السعودية من تسديد الديون المتراكمة عليها، لقاء إبرامها صفقات عسكرية مع شركات أجنبية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. موضحة أن الرياض فشلت في تسديد دين قيمته مليار دولار، وهو قيمة عربات عسكرية صممتها شركة الدفاع العملاقة “جنرال إلكتريك” ما دفعها الى نقل شكواها الى شركات غربية محذرة إياها من التعامل مع الحكومة السعودية.
هذه ليست المشكلة الوحيدة التي تعانيها بلاد الذهب الأسود بل أن الأمر تجاوز بكثير، حيث تعاني من أزمة كبيرة ضربت هيئة الإستثمارات العامة السعودية (تدير 200 مليار دولار)، وهو صندوق سيادي تعتمد عليه في الاستثمارات الخارجية بعد أن قدم عدد من مدرائه التنفيذيين الغربيين البارزين الإستقالة وفي مقدمتهم "إريك إبرماير" مدير الهيئة الذي اختاره مدراء الهيئة من البنك الهولندي “إي أن بي ” وهو الفرع الإستثماري في “أمرو غروب أن في”، وكذا مدير الدائرة القانونية البريطانية للهيئة ومدير الإستثمارات العامة السويسري ومدير الأسهم الخاصة الإسباني، ولم يستمروا في مناصبهم طويلاً لسبب الطريقة المصغرة للإدارة التي يتحكم فيها أبن سلمان والتي لم تترك لهم مساحة للإستقلالية وبناء المشاريع التي تحتاجها رؤية 2030 الهادفة لتحديث الإقتصاد السعودي وتنويعه بدلا من البقاء معتمدا على النفط حسب ما أعلن.
لقد فشل محمد بن سلمان على أن يظهر للعالم أن السعودية لا تزال آمنة للمستثمرين، فقد كتبت صحيفة The Wall Street Journal الأميركية من إن ولي العهد السعودي أنفق مليارات الدولارات سراً لدعم سوق الأسهم بالمملكة ومواجهة الارتفاع الكبير في عمليات سقوط وبيع الأسهم التي أعقبت الأزمات السياسية المتتابعة خلال الشهور الأخيرة - إستناداً الى بيانات التداول في البورصة السعودية، ومقابلات أجرتها الصحيفة مع أشخاص عدة على دراية مباشرة بتدخلات أبن سلمان المباشرة وتقدمه بطلبات شراء أسهم ضخمة، بهدف دعم السوق المالية السعودية خاصة وأن سوق البورصة السعودية يشكل إحدى ركائز خطة ولي العهد السعودي، لكنه لم يفلح في ذلك.
واشار أنطوان فان اجتميل، الذي صاغ مصطلح «الأسواق الناشئة» منذ نحو 40 عاماً مضت، ويعمل حالياً مستشاراً لدى مجموعة Foreign Policy الأميركية للنشر، الى الوضع الاقتصادي المتردي في المملكة وقال: إنَّ تدخلات الحكومة السعودية بشخص ولي العهد تجعل من البورصة السعودية «سوقاً زائفة، ما يسهم الى حدٍّ ما، في تقويض ثقة المستثمرين بها على المدى البعيد». فيما أوضح مراقبون الى أن محمد بن سلمان قد إبتاع أسهماً من خلال صندوق الاستثمارات العامة السيادي السعودي (PIF) والذي يمتلك شركات بقيمة 200 مليار دولار مدرجة في البورصة السعودية (أي ما يزيد على نسبة 40% من إجمالي قيمة البورصة)؛ وهو الذراع الاستثمارية الأساسية لولي العهد في داخل المملكة أو خارجها، أشترى عبره حصة ضخمة بشركة Uber Technologies Inc واستثمار مليارات الدولارات في شركة SoftBank Group اليابانية للخدمات المصرفية.
تقارير البورصة العالمية كشفت أنه ومنذ الأيام الأولى من أنباء مقتل خاشقجي، شهد المؤشر العام لسوق تداول الأسهم السعودية (TASI) أدنى معدلات هبوط متتابعة حتى يومنا هذا، حيث فقدت 188 شركة ما يقرب من 90% من قيمتها بالبورصة خلال الأسبوعين الأولين. وفي خطوة تشير الى حجم الضائقة المالية التي تمر بها كبريات الشركات والمؤسسات الإقتصادية الحكومية والخاصة تراجعاً ملحوظاً وتتجه نحو الإفلاس والإغلاق، اعلنت شركة “الراجحي لأعمال البنية التحتية” سجّلاً تجارياً لجميع دائنيها كأول إجراء إفلاس. ونشرت الإعلان في موقع لجنة الإفلاس بناءً على طلب المدين وتحت مسؤوليته، حيث أكدت لجنة الإفلاس أنها غير مسؤولة عن أي آثار قد تترتب عليها تجاه الغير.
وتشير معدّلات النمو الإقتصادي في السعودية الى تراجع كبير مقلق، ما دفع المملكة للعمل على تكثيف حملاتها الهادفة لجذب الاستثمارات الأجنبية منذ أواخر عام 2018 الفائت، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”التي أوضحت أن المملكة تحتاج في الوقت الحالي لجذب 426 مليار دولار من أجل المساعدة في إعادة تشكيل اقتصادها المعتمد على النفط، وبالتالي فإنها ستعمد الى تقديم حوافز كبيرة للمستثمرين الأجانب والمحليين، مع فقدان بوادر الأمل في إمكانيتها جذب حتى 30% من المبلغ المذكور جراء سياسة ولي العهد العدوانية داخلياً وخارجياً، والمعطيات تشير الى هروب جماعي للمستثمرين السعوديين والأجانب جراء القلق من نظام الحكم الاستبدادي، والذي تضخّم في أعقاب حملة الاعتقالات التي قادها أبن سلمان ضد أمراء ورجال أعمال وأثرياء بارزين في محاولة منه لتوطيد حكمه؛ ما دفع بالكثير من المستثمرين الغربيين لإعادة النظر في علاقتهم بالسعودية.
شبكة "بلومبيرغ" الأمريكية أشارت الى أن التدهور الأسوأ في الاقتصاد السعودي هو رفض المستثمرين الأجانب الدخول في المشاريع التي أطلقها أبن سلمان، ووصول التوتر بين الرأسماليين المحليين والأجانب الى مستويات غير مسبوقة. ونقلت عن هاني صبرا، مؤسس شركة "الاف" الاستشارية في نيويورك، قوله أن "اعتقالات الريتز كارلتون كانت تطوراً مفصلياً، على الصعيد الاقتصادي والسياسي، وهي بلورة عملية بينت التوجهات في المرحلة المقبلة".
وقال ستيفن هيرتوغ، المتخصص في الشؤون الخليجية بكلية لندن للاقتصاد: "إن المال يغادر السعودية بسبب تباطؤ الاقتصاد حيث فرضت السلطات قوانين تقشف رداً على انخفاض أسعار النفط"، والمشاركين في تنظيم صفقات دولية للسعودية يؤكدون: أن العملاء باتوا يتهربون من عقد صفقات كبرى ولافتة للنظر. فيما تقديرات بنك "جي بي مورغان" تشير الى إن إجمالي التدفقات المالية خارج السعودية سيرتفع بنسبة 13% هذا العام، ليصل الى 90 مليار دولار.