مرت 8 سنوات على عمر الأزمة السورية ولا تزال تأخذ الحيز الأكبر من اهتمام الاعلام والصحافة ورجال السياسة والاقتصاد وحتى أنظمة الدول في اقليمنا برمتها، ولذلك أسباب كثيرة تتعلق بموقع سوريا الجيوسياسي بالدرجة الأولى وتوسطها للدول التي تحمل أجندات وايديولوجيات مختلفة، وبالتالي فإن التقرب من دمشق وتطبيع العلاقات مع حكومتها التي خرجت من الحرب منتصرة سيكون بمثابة جسر سلام وحصن متين لحدود أي دولة تربطها بدمشق علاقات جيدة، ومن هنا أدركت السعودية أن تجاوز الحكومة السورية أمر شبه مستحيل، خاصةً وأنها جربت ذلك طيلة سنوات الأزمة السورية، لذلك كان لابد من تغيير المسار نحو فتح صفحة جديدة مع سوريا.
الامارات والبحرين وحتى الاردن ومصر والسودان وغيرهم من الدول العربية؛ أدركوا جميعا أنه لا مناص من اعادة العلاقات مع دمشق، لذلك سارعت هذه الدول تباعا وبدأت حجيجها نحو العاصمة السورية بأساليب مختلفة تراوحت بين اعادة فتح السفارات والتصريحات الرسمية، وبين هذه الدول جميعا بقيت السعودية متحفظة قدر الامكان على اعادة العلاقات مع سوريا لأسباب كثيرة، تتعلق بحفظ ماء وجهها والأموال التي دفعتها لاسقاط النظام السوري والتصريحات النارية من المسؤولين السعوديين والتي أكدت رفض التعاطي مع دمشق تحت أي ظرف، هذه الاسباب وغيرها دفعت المملكة للتريث قبل إعادة العلاقات والتمهيد لها ببطء، لكن هذا البطء قد يكلفها الكثير في منطقة تغلي بالأحداث السياسية والتحالفات الجديدة، لذلك أعتقد أن الرياض ستسارع نحو اعادة علاقاتها مع دمشق لمجموعة الأسباب التالية:
أولاً: وجدت السعودية نفسها أنها أصبحت خارج دائرة التأثير الميداني على الأرض السورية بعد هزيمة التنظيمات المدعومة منها، وحاولت مرارا اعادة انعاش هذه التنظيمات اما عبر المال أو السلاح ولكن دون جدوى، وجميعنا يتذكر الاجتماع الذي عقد في الرياض في (22 آب/ أغسطس 2017) بين "الهيئة العليا للمفاوضات" و"منصة القاهرة" و"منصة موسكو" دون التوصل إلى اتفاق لوضع استراتيجية مشتركة تفاوضية وتشكيل وفد موحد "لجميع أطياف المعارضة السورية" إلى مفاوضات جنيف مع النظام في شهر سبتمبر/أيلول الذي تلاه. غير أن أهم نقطة حالت دون الخروج بنتائج هي "مستقبل الأسد".
ومع مرور الزمن لم يعد رحيل الاسد مطلبا للسعودية وأكثر من كان يطالب برحيله وزير الخارجية السعودي السابق عادل الجبير، أصبح خارج التشكيلة الحكومية الجديدة وبقي الاسد، حتى أن بعض التحليلات ربطت ازاحة الجبير بالسعي نحو التقرب من دمشق كخطوة أولى وبادرة حسن نية، وما يؤكد رغبة السعودية الجامحة لإعادة العلاقات مع سوريا هو صمت المسؤولين السعوديين عن اعادة فتح سفارتي الامارات والبحرين في سوريا وعودة العلاقات الدبلوماسية.
ثانياً: انشغال السعودية بملفات أخرى ترتبط بها بشكل مباشر وأكثر تأثيرا عليها، منها حرب اليمن وأزمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.
حرب اليمن كلفت المملكة الكثير وتسببت في نزيف اقتصادها، وولي العهد السعودي يبحث عن اي مخرج للحل هناك وبأقل الخسائر دون اعلان الهزيمة، ولكن هذا الأمر لم يتحقق حتى اللحظة ولا يزال النزيف مستمرا، وهذا يتعلق بغياب الأهداف وانعدام الرؤية الاستراتيجية لدى ابن سلمان فيما يخص مستقبل المملكة.
أما قضية خاشقجي فلا يزال نزيفها ايضا مستمر، وتقود تركيا الحملة الاعلامية بهذا الخصوص نظرا للخلافات المتراكمة بينهما، وابن سلمان يبحث عن حل لهذه المشكلة ايضا لكن الحلول لا تزال تتعثرة واردوغان لا يزال يستغل هذه الجريمة سياسيا.
ثالثاً: التنافس الاقليمي مع تركيا والجارة الخليجية قطر، حيث تشكل هاتين الدولتين حلفا استراتيجيا قوض احلام ابن سلمان تجاه الاثنين، فلم ينجح الأمير الشاب في حصار قطر ولاحتى بنسبة 1% بل على العكس تماما خدم الدوحة من حيث لا يدري دوليا، أما تركيا فوجدت بهذا الحصار فرصة مناسبة لتعميق العلاقة أكثر مع قطر وارسلت على هذا الاساس جنودها إلى هناك، ومن ثم زاد الشرخ بينهما بعد الحديث عن صفقة القرن وضلوع آل سعود في تمرير هذه الصفقة التي عارضها اردوغان ليزيد الشرخ أكثر بعد مقتل خاشقجي.
من هنا نجد أن سوريا ستكون بمثابة بلسم لآلام ابن سلمان المتزايدة وربما يستطيع من خلال اعادة العلاقات معها من اعادة شيئا من التوازن الذي فقده في المنطقة.
رابعاً: ايران والتي تربطها بدمشق علاقات استراتيجية متينة لا يمكن المساس بها، تشكل عائقا بالنسبة للسعودية لاعادة العلاقة مع دمشق، حيث تحاول الرياض جاهدة فك شيفرة العلاقة بين طهران ودمشق وخلق شرخ بينهما عبر تقديم اغراءات لسوريا مقابل فك الشراكة مع طهران وهذا ما ترفضه دمشق جملة وتفصيلا، على اعتبار أنها رفضته في أحلك الظروف فكيف بها اليوم وهي خارجة من حربها منتصرة، حتى وان كان الاغراء يتعلق بالمال والاقتصاد واعادة الاعمار.