لم يستطع آل سعود منذ سيطرتهم على حكم المملكة السعودية من أن يتخذوا قراراً مستقلاً واحداً يبرهن للعالم أنهم أصحاب رأي مستقل ولهم خصوصيتهم في اتخاذ مواقف مؤثرة لصالح بلادهم ولصالح الأمة العربية والإسلامية، ولكن سلسلة المواقف التي اتخذتها المملكة عبر تاريخها، لا تؤكد سوى تبعيتها لهذه الدولة أو تلك، ومنذ عدة عقود والتبعية للولايات المتحدة الأمريكية أصبحت هي الأبرز، وما كشف عنهم الستار أكثر هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي اتخذ مجموعة قرارات لم تستطع المملكة أن تقف في وجهه وتقول "لا"، حتى لو كان القرار يخالف سياسة المملكة وينعكس سلبا على مستقبل البلاد ويسبب لها خسائر فادحة، ومثال ذلك ما جرى فيما يخص صفقة القرن وانصياع حكام آل سعود للقرار الامريكي وطعن القضية الفلسطينية في الظهر لصالح العدو الصهيوني والاتجاه نحو التطبيع معه، وآخر الأمثلة هو ما يحصل اليوم في شمال شرق سوريا، والأخبار التي تكشف عن انخراط السعودية في دعم وتشكيل "قوة عربية" تعمل تحت ادارة "قسد" (قوات سوريا الديمقراطية) بتوجيه من الولايات المتحدة الأمريكية.
الخبر جاء مفاجأً ليس من ناحية دعم آل سعود لتشكيل هذه "القوة العربية" وصرف ملايين الدولارات في هذا الخصوص، وانما لتذبذب سياستها والازدواجية التي تعاني منها المملكة في ظل حكم محمد بن سلمان، الذي يعاني من عدم ثقة دولية على خلفية القرارات الفاشلة التي اتخذها والتي تصب جميعها في صالح الغرب وتحديدا الادارة الامريكية، ومؤخرا كانت السعودية تمضي نحو اصلاح ذات البين مع سوريا إلا أنها انعطفت مجددا وانقلبت على هذا الأمر عبر مساعدة الولايات المتحدة في نشر الفوضى مجددا في منطقة شمال شرق سوريا، وتقوية حلفاء واشنطن والمنتمين لها، وهذه المرة عبر العشائر والقبائل العربية التي لم تعط وعدا قاطعا للوفد الذي زار شمال شرق سوريا مؤخرا فيما يخص القتال تحت لواء "قسد".
الاخبار انتشرت عبر مصدر عسكري مُقرب من قوات سورية الديمقراطية “قسد”، كشف أن الرياض وافقت على تقديم التمويل لقوات عربية تدعمها الولايات المتحدة في مدينة الحسكة السورية. المصدر أوضح أن خطوة الرياض هذه اتُخذت عقب إجتماع عقده مسؤولون سعوديون وأمريكيون في منتزه الخابور بمدينة الحسكة مؤخراً. وقد طالبت واشنطن الرياض بتحمل العبئ المالي بغية مواجهة ما وصفته “التمدّد الإيراني في شمال شرق سوريا” أي في منطقة شرق الفرات. وهي المنطقة التي تسيطر عليها قوات حزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي” بدعم أميركي.
وبحسب المصدر الذي تحدث لصحيفة “العربي الجديد” دون الكشف عن اسمه، وافق مسؤولون سعوديون على تمويل وتدريب ما يعرف بقوات "الصناديد" التي تعدّ أحد مكوّنات (قوات سورية الديمقراطية)، والتي يقودها حميدي الدهام شيخ عشيرة شمر، وهو من الشخصيات العربية المتحالفة مع (الإتحاد الديمقراطي)”. وأردف بالقول “الوفد (السعودي) وافق أيضاً على دعم وتدريب (قوات النخبة)، وهي قوات عسكرية تابعة لـ(تيار الغد) الذي يرأسه أحمد عاصي الجربا، الرئيس السابق للائتلاف الوطني السوري، وقريب حميدي الدهام”. إلى ذلك، بيّن أن “شركة أمنية أميركية سوف تتولى تدريب القوتين، على أن يتم تشجيع الشبان العرب على الانضمام إليهما فيما بعد، لزيادة عددهما، حيث أن أعداد القوتين لا تتعدى في الوقت الحالي بضع مئات من العناصر”.
يذكر أن السلطات السعودية سبق وأن أعلنت رسمياً عام 2018 عن تقديمها مبلغ 100 مليون دولار للمناطق “المحررة من (تنظيم داعش) الإرهابي في شمال شرق سوريا”، في إشارة واضحة إلى المناطق التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية”، المدعومة من قبل الولايات المتحدة. إعلان الرياض عن المنحة نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية “واس”، التي بالرغم من أنها لم تذكر قوات “قسد” بالإسم لكنها استخدمت بعبارة “التحالف الدولي”. وزعمت حينها أن “هذه المنحة تأتي من أجل التصدي لمخططات (تنظيم داعش)”. ويأتي ذلك في سياق سياسة إثارة زعزعة استقرار الدول العربية التي تنتهجها “السعودية” لتنفيذ إملاءات واشنطن على حساب الشعوب العربية مُسخِّرةً لها (أي لواشنطن)، مليارات الدولارات بشكل سنوي في الوقت الذي تمر فيه البلاد بأزمات إقتصادية خانقة تهدد مختلف القطاعات الإنتاجية.
ودعمت السعودية في نيسان الماضي، وحدات حماية الشعب الكردية بمساعدات عبر العراق، ضمت سيارات إسعاف، ولم يصدر أي تصريح رسمي من السلطات السعودية حول محتوى الشحنة، حسب وكالة الأناضول.
وفي تشرين الأول من العام الماضي، زار وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان قرى عدة بريف الرقة، والتقى وجهاء من المنطقة ومسؤولين في “قوات سوريا الديمقراطية”.
اذا ال سعود يتجهون مجددا للعب بالنار في سوريا وخلط الاوراق من جديد في محاولة لكسب رضا واشنطن، بعد أن تراجعت الثقة من جديد بولي العهد السعودي على خلفية اختراقه لهاتف أغنى رجل في العالم "جيف بيزوس"، وكذلك في محاولة فاشلة من جديد للعودة لصدارة المشهد السوري وهذا الأمر الذي لن يحصل.