بقلم: فيصل التويجري
تعود جذور النزاع بين جيبوتي وأريتريا الى ما قبل استقلال البلدين، حيث نصت اتفاقية عام 1900 للحدود على أن تكون جزيرة الدميرة وما حولها من الجزر بغير سيادة ومنزوعة السلاح. وكاد هذا الحل أن يصل الى نزاع عسكري عام 1996 لولا تدخل منظمة ايغاد الافريقية (الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا)، لكن العلاقات بين البلدين ازدادت توترا مع توقيع جيبوتي عام 1999 بروتوكول التعاون العسكري مع إثيوبيا، العدو اللدود لإريتريا، والتي تستخدم سواحل جيبوتي متنفسا بحريا وحيدا لها. وبعد أن تحسنت العلاقات عام 2001 وتبادل رئيسا البلدين زيارات دبلوماسية فيما بينهما، تجددت الأزمة في أبريل/نيسان 2008 حين نشرت إريتريا قوات ومعدات عسكرية في جبل وجزيرة دميرة، مما أدى إلى مواجهات عسكرية بين البلدين انتهت بسقوط قتلى وجرحى وأسرى من الطرفين.
وتدخل مجلس الأمن وقتها وطالب الأطراف المتنازعة بوقف القتال فوراً، لتدخل قطر على خط الازمة وتنجح ما فشل فيه الكثيرون، حيث استطاعت في يونيو/حزيران 2010 في حمل حكومتي جيبوتي وإريتريا على إبرام اتفاقية سلام لتسوية النزاع الحدودي القائم بينهما، وبموجب هذه الاتفاقية تم نشر جنود قطريين في جيبوتي قرب المناطق المتنازع عليها انتهت أيضا هذه الوساطة القطرية إلى إطلاق سراح أسرى من جيبوتي كانت تحتجزهم أسمرة. الا أن اشتعال الازمة الخليجية بين قطر والسعودية دفع كلاً من أريتريا وجيبوتي الى قطع العلاقات مع الدوحة مما دفع الأخيرة الى الانسحاب من حدود البلدين ما أشعل الأزمة من جديد.
المطامع السعودية في كلا البلدين
الجديد في الأزمة بين البلدين دخول السعودية على خط الأزمة، حيث ذكرت وكالة الأنباء السعودية “واس” أنّ لقاءً تاريخيًا جمع، مساء اليوم الإثنين، رئيسي جيبوتي وإريتريا في مدينة جدة. وقالت الوكالة: “استجابة لدعوة العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، جمع لقاء تاريخي رئيسي جيبوتي وإريتريا في جدة”، دون تفاصيل.
1-الأهمية الاستراتيجية
الا أن المطلع جيداً على جغرافيا المنطقة والأزمات التي تمر بها يرى أن دخول السعودية على الخط ليس عبثاً، خاصة أنً كلا البلادين يتنازعان على مناطق ذي أهمية استراتيجية كبيرة وهي جبل دميرة وجزيرة دميرة اللتان تطلان على مضيق باب المندب، هاتين الجزيرتين تريد السعودية السيطرة عليهما وان كان بقوات حفظ سلام بين البلدين. ليست أهمية القرن الأفريقي وليدة اليوم، فقد كانت ومنذ العصور القديمة محط أنظار القوى والإمبراطوريات المهيمنة، لأهميتها الاستراتيجية وإطلالها على طرق التجارة الدولية البرية والبحرية، ومنذ القرن الـ 15 ازداد التنافس الغربي على النفوذ بهذه المنطقة، بل وتحول لصراع في حالات عديدة. وبالنظر للأهمية الاستراتيجية التي تشكلها هذه المنطقة الحساسة فقد أصبحت نقطة جذب وتركيز واهتمام من لدن أطراف دولية وإقليمية عديدة تتصارع على مواطن الثروة والنفوذ ومراكز القوة والحضور. وزاد من أهميتها الاستراتيجية كونها تمثل منطقة اتصال مع شبه الجزيرة العربية الغنية بالنفط، فالموانئ وحاملات النفط والغاز والاتجار بالبضائع والأسلحة وعبور الأشخاص عوامل جعلت منها نقطة جذب دولية. ومن هنا تتمثل الأهمية القصوة لهاتين الدولتين بالنسبة للسعودية.
2-تغيير صورة السعودية
يسعى بن سلمان منذ وصوله الى ولاية العهد في السعودية الى تغيير صورة السعودية عبر بروباغندا إعلامية كبيرة، لإيهام العالم أن المملكة قد تحولت من دولة داعمة للإرهاب وشن الحروب في المنطقة والعالم، الى حمامة سلام وداعمة للحوار والديمقراطية، الا أنه كما يقال "فاقد الشيء لا يعطيه"، فمنذ وصوله في عام 2016 وهو ينفذ أبشع وأقذر عمليات اعتقال بحق المواطنين الأبرياء كالعلماء والناشطين الحقوقيين الذين ينتقدونه وينتقدون سياساته الاجرامية، وفي هذا السياق كشف حساب معتقلي الرأي، الذي يعنى بمتابعة اخبار المعتقلين في السجون، أن عدد هؤلاء قد بلغ 2613 معتقلاً بسبب إجراءات بن سلمان القمعية.
وهنا يستهزئ محللون من هذه الخطوة السلمانية ويصفونها بالمسرحية، فعوضاً عن حل مشكلات الدول الخارجية، كان بالأحرى بالنظام السعودي والأسرة الحاكمة حل مشاكلهم مع الشعب بالحوار عوضاً عن الزج بهم بالسجون.
وتوقع محللون فشل السعودية في التوسط بين أريتريا وجيبوتي، لان التاريخ شاهد على فشلها في وساطات كثيرة، فاليمن ليس بعيداً وعوضاً عن حل أزمته دخلت الى جانب طرف ضد آخر وحولت اليمن من دولة فقيرة فاشلة الى دولة تعاني من أزمات تهدد وجودها. او الدخول في وساطة بين اللبنانيين فحرضت طرفاً ضد آخر وادخلتهم في نزاعات تهدد سلمهم الأهلي، او بين السودانيين فعوضاً عن توحيد الأراضي السودانية انقسمت الى دولتين تتنازعان حتى اليوم على الموارد الطبيعية، او بين الفلسطينيين والعراقيين وغيرهم.
ختاماً يمكننا القول ان ما يفعله اليوم الأمير الطائش يمثل محاولات حثيثة لإنهاء صورة دعم الارهاب عن بلاده، وذلك عبر بث صور تشير أن السعودية تدعم الحوار السلمي لحل النزاعات أو من خلال الإصلاحات ونشر مفاهيم العلمانية وإقصاء المؤسسة الدينية عن المشهد السياسي وإفراغ تأثيرها لمصلحة عصرنة السعودية ونقل هذه الصورة إلى الغرب، إلا أنه فشل حتى اللحظة في ذلك، لذلك لا نعلم لأي درجة يستطيع بأن ينهي تفكير الغرب بأن السعودية هي المصدر الأساسي للإرهاب في العالم.