يبدو ان محاولات رأب الصدع بين تركيا والسعودية باءت بالفشل، وما يؤكد ذلك الحساسية المتفاقمة بين البلدين ودفع الامور نحو زيادة هذه الحساسية وتحويلها إلى قطيعة شبه دائمة تقريبا من قبل السلطات السعودية التي تنتهز اي موقف تركي وتعمل على تضخيمه عبر ذبابها الالكتروني.
هذا الذباب فعل فعلته مؤخرا ونقل التوتر مع تركيا إلى مستوى جديد عبر قضية المناهج التعليمية، حيث تم طرح تعديلات جديدة في المناهج الدراسية تتعلق بنشأة الدولة العثمانية وتصفها بأنها "غازية" بعد أن كانت تطلق عليها دولة "الخلافة العثمانية".
وأظهرت صور متداولة من المناهج المعدلة كيف "شن القائد العثماني مصطفى بك حربا على الدولة السعودية الأولى وحرض عليها القبائل في معركة تربة التي انتهت بخسارة العثمانيين أمام قوات السعوديين".
وتحدثت تلك المناهج عن "تعذيب العثمانيين لأئمة الدولة السعودية الأولى وتهجير سكان المدينة ومنطقة الأحساء"، بالإضافة لذلك، سلطت التغييرات الجديدة الضوء على الحضارات والممالك التي تأسست في شبه الجزيرة العربية، قبل ظهور الإسلام.
بغض النظر عن مصداقية هذه المعلومات من عدمها، إلا أن توقيتها هو المهم، في مرحلة تشهد فيها العلاقات التركية_السعودية توترا كبيرا، واسترجاع الماضي على هذا النحو هو محاولة جديدة من آل سعود لزيادة الهوة بين البلدين.
لأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وذبابه الالكتروني يريدون من خلال هذه الحادثة الجديدة ضرب عصفورين بحجر واحد، فهم يريدون تعميق الخلاف مع تركيا والضغط عليها للتوقف عن المطالبة بمحاسبة المتورطين بقضية خاشقجي، وعناد الاتراك في هذا الموضوع أثار حفيظة ابن سلمان على ما يبدو ليصعد بدوره الخلاف من جديد مع انقرة.
الامر الثاني الذي يريده ابن سلمان هو محاربة "الاخوان المسلمين" و"تيار الصحوة" على اعتبار ان الاخوان يرتبطون مع تركيا بشكل مباشر، فقد سبق أن اتهم ولي العهد السعودي بن سلمان جماعة الإخوان "بنشر الأفكار المتطرفة في المملكة إبان لجوء العديد من نشطائها إليها في ستينات القرن الماضي"، هربا من ملاحقات النظام المصري آنذاك.
يريد ولي العهد السعودي بالمختصر القول أن التشدد جاء إلى المملكة على يد الاخوان، متناسيا أن المناهج التعليمية كانت بيد الوهابيين وكانوا يشرفون على كل كلمة فيها، وأن مدرستهم التي جاءت بالتطرف والتشدد هي التي كانت تسود في كل مكان من المملكة.
هروب ابن سلمان من تاريخ الوهابية والتبرء منها لن يغطي على جرائم آل سعود القديمة والحالية في اليمن وداخل المملكة نفسها، واعتقاده بأن نشر الحداثة يكون عبر نشر بروباغندا مؤقتة لن يجدي نفعا، ومحاولاته الاخيرة خير دليل على ذلك، ولن نستغرب اطلاقا أن يتم اعادة كلمة "الخلافة العثمانية" إلى المناهج التعليمية السعودية في حال عادت العلاقات إلى طبيعتها أو تغير اردوغان، لأن التاريخ على ما يبدو مرتبط بمزاجية الحكام ومصالحهم الآنية.
الامر الآخر الذي يتم العمل عليه حاليا هو ابعاد السعوديين عن التفكير بالقدوم إلى تركيا بغرض السياحة، وتأمين بدائل لهم، وتم الحديث حول هذا الموضوع من خلال مستويات عليا، وساعد في هذا الامر تضخيم عدة حوادث تعرض لها المواطنون السعوديون في تركيا، لاسيما قضية "اختطاف" سيدة سعودية في اسطنبول، حيث تواصل قنصلية المملكة في المدينة متابعتها لهذه القضية الغامضة والمشكوك في فاعلها.
وكان تقرير نشره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، كشف عن وثيقة مسربة من مركز فكري إماراتي حول خطة لإسقاط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وإشغاله في أزمات داخلية لتقييد نفوذه الإقليمي.
وقال محرر الموقع الصحافي ديفيد هيرست إن المملكة العربية السعودية بدأت في تنفيذ "خطة استراتيجية" لمواجهة الحكومة التركية، بعد قرار من ولي العهد محمد بن سلمان الذي اعتبر أنه كان "صبورا للغاية" إزاء أردوغان في أعقاب فضيحة مقتل الصحافي جمال خاشقجي.
كشف التقرير أنّه تمّ في شهر مايو في الرياض، إعطاء الأوامر لبدء تنفيذ الخطة الاستراتيجية لمواجهة الحكومة التركية، مشيراً إلى أنّ هدف الخطة كان استخدام كلّ الوسائل الممكنة من أجل الضغط على حكومة "أردوغان"، وإضعافه، وإبقائه مشغولاً بالقضايا الداخلية، على أمل أن تقوم المعارضة بإسقاطه، أو شغله بأزمة تلو الأخرى، ودفعه نحو الانزلاق وارتكاب أخطاء، كانت وسائل الإعلام لتتلقّفها بالتأكيد.
وأضاف أن "المملكة ستبدأ استهداف الاقتصاد التركي والضغط نحو الإنهاء التدريجي للاستثمار السعودي في تركيا، والحد من تدفق السائحين السعوديين نحو تركيا، وخلق وجهات بديلة لهم وتقليل الواردات السعودية من البضائع التركية، والأهم من ذلك مواجهة النفوذ التركي في المنطقة دينياً وسياسياً".