كان من المفترض أن تكون المملكة العربية السعودية جسر تواصل ومحبة وسلام بين الدول العربية لكونها تملك وزناً استراتيجيا مهما على المستوى الاقليمي على الأقل؛ موقع المملكة الجيوسياسي وتوسطها لتسع دول عربية يمكنها من نسج علاقات بسلاسة مع الوسط المحيط، ناهيك عن قدرة تأثير كبيرة فيما يخص مشاكل الأمة العربية لا سيما "القضية الفلسطينية"، ولكن كيف تعاطى ملوك آل سعود مع أشقائهم وإلى أي حد ساهموا في رأب الصدع وحل المشاكل بين الدول العربية؟!.
في السابق كان ملوك آل سعود يحاولون لعب هذا الدور ولو بشكل "صوري" ونجحوا في تسويقه إلى حد كبير في تسعينات القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، لكن قدوم محمد بن سلمان إلى مراكز صنع القرار كانت بمثابة سقوط لقناع هذه العائلة، حيث ساهم بن سلمان من حيث يدري او لا يدري في الكشف عن الوجه الحقيقي لما كان يدار في كواليس صنع القرار في المملكة خلال العقود الماضية، ولنبدأ من "القضية الفلسطينية" لكونها تشكل الأثر الأكبر في ضمير الأمة العربية وأكثر القضايا حساسيةً.
تصفية القضية الفلسطينية
شكل وصول بن سلمان إلى منصب ولي العهد عبئا على الفلسطينيين على جميع المستويات، وكان بمثابة طعنة في الظهر لهم بعد ان كان البعض يعول عليه في دعم هذا الشعب المظلوم لكونه شاب ويفترض أن يملك من الشهامة والمرؤة تجاه أخوانه العرب ما لم يملكه أياً من أسلافه، لكن الأمير الشاب صدم الجميع حتى الصهاينة أنفسهم بحرف سياسة بلاده نحو الاسرائيليين ومد يد الصداقة لهم ضاربا بعرض الحائط كل القيم والمبادئ، واليوم وبحسب مجلة فورين بوليسي التي نشرت تقريرا بعنوان "محمد بن سلمان رمى الفلسطينيين تحت الحافلة" تقول فيه إن الدول العربية والولايات المتحدة تخلت عن القضية الفلسطينية وتعتقد أنها تستطيع إخضاع الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وجاء في التقرير أن ولي العهد السعودي لجأ إلى استغلال نزاعات المنطقة، المختلفة لمواجهة إيران وصرف الأنظار عن القضية الفلسطينية. وتفيد فورين بوليسي بأن السعودية والإمارات تحركتا من محاولات التعاون السري مع إسرائيل إلى الحديث علنا عن استعدادهما ورغبتهما في بناء علاقات أبعد من الصلات السرية.
وبحسب المجلة التي نسبت إلى الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد قوله، نقلا عن مصدر داخل غرفة اجتماعات جمعت بين بن سلمان ويهود مؤيدين لإسرائيل في نيويورك مارس/آذار الماضي، إن تصريحات بن سلمان التي انتقد فيها القيادة الفلسطينية لعدم استفادتها من فرص السلام وتقليله من شأن القضية الفلسطينية أدهشت اليهود في الاجتماع إلى حد سقوط بعضهم (حرفيا) من مقاعدهم.
وقالت أيضا إن سماح السعودية للطيران الهندي عبور أجواء المملكة إلى إسرائيل صدم الفلسطينيين، وأضافت المجلة إن القادة العرب يصرحون بدعمهم للقضية الفلسطينية، لكن الفلسطينيين يعلمون أن هذه التصريحات مجرد ادعاءات. فأغلبية المساعدات التي تعهد بها العرب لإعادة تعمير غزة بعد حرب 2014 لم يتم الوفاء بها.
أما مجلة نيويوركر الأميركية فقد ذكرت أن جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي ومحمد بن سلمان وضعا الخطوط العريضة لتحالف شرق أوسطي يركز على مواجهة إيران وإخضاع الفلسطينيين للموافقة على صفقة القرن، وتردد أن بن سلمان قال في وصف إستراتيجيتهما بأنه سيتولى أمر الفلسطينيين، بينما سيتولى ترمب أمر إسرائيل.
العرش
لا يرى بن سلمان سوى العرش نصب أعينه ولكنه حتى اللحظة وبالرغم من جميع القرارات التي اتخذها والتي خلط فيها الحرية بالقمع وجميع الجولات المكوكية التي جال فيها على زعماء الشرق والغرب والاعتقالات التي نفذها بحق أقربائه ومنافسيه داخل الأسرة الحاكمة، إلاانه لم يستطع حتى اللحظة ان تطأ قدميه محيط "كرسي العرش" فكيف بالجلوس عليها.
قد يعود هذا إلى "لعنة اليمن" التي كبلت بن سلمان وشوهت الصورة التي أراد تصديرها إلى العالم عن نفسه، حيث شوهت تصرفاته في اليمن جميع القرارات التي اتخذها في سبيل كسر الصورة النمطية للبلاد، فالأمير الشاب يمارس أبشع الجرائم بحق الانسانية ضد جارته الشقيقة اليمن، وهاهي اليوم على حافة مجاعة لم يشهد التاريخ مثيلا لها، ويحاول حاليا إلقاء قنابله الأخيرة في تلك البلاد فوق "الحديدة" التي قال أنه سيسيطر عليها خلال ايام معدودة ولا يزال يقف عاجزا هناك أمام صمود الحوثيين المدعومين من الشعب والقبائل المعادية لآل سعود.
طبعا لم نذكر تصرفاته الصبيانية تجاه قطر وسوريا والعراق ولبنان، كل هذا وغيره من الأسباب يحول بينه وبين "كرسي العرش"، إلا أنه لم يستسلم حتى اللحظة، فبحسب الأمير السعودي المنشقّ عن العائلة الحاكمة، خالد بن فرحان آل سعود ، واللاجئ في ألمانيا، فإن هرولة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لتمرير "صفقة القرن" تهدف إلى إقامة علاقة وطيدة مع "إسرائيل"، وتحقيق جميع مصالحه على مبدأ السمع والطاعة لتسهيل وصوله إلى السلطة. وكشف بن فرحان، في حوار خاص مع "الخليج أونلاين"، أن "بن سلمان اختار أحد أبناء الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز آل سعود، أمير منطقة الرياض الحالي، وليّ عهد جديداً تمهيداً لتولّيه المُلك خلفاً لأبيه"، مشيراً إلى أن "شخصية ولي العهد الجديد تتّسم بالضعف والتبعيّة العمياء لبن سلمان"، وقال الأمير المنشقّ: إن "هناك غضباً كبيراً داخل العائلة المالكة بسبب تصرّفات بن سلمان"، مشيراً إلى أن "إزاحته من السلطة مسألة وقت لا أكثر".
في الختام الأوضاع في البلاد تشي بأن القادم من الأيام سيشكل تحديا كبيرا لولي العهد على المستوى الشخصي والمحلي والاقليمي والدولي، وهناك ملفات شائكة جدا يجب حلها، فهل سيبدأ بالحل أم إنه سيبدد كل الفرص المتاحة له في ظل "غرور أعمى" لم يعد يفرق فيه ما هو جيد وما هو سيء.