عاجل:
جحيم السجون السعودية
جرائم وانتهاكات 2025-10-19 16:10 978 0

جحيم السجون السعودية

تقرير عن الحلقة التوثيقية في برنامج فسادستان

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

تقرير عن الحلقة التوثيقية في برنامج فسادستان

تحقيق وتقديم:سالم القحطاني – منصة يقظة

التقرير الصحفي إعداد: حركة الحرية والتغيير

 


مقدمة تحليلية: كشف المستور في برنامج "فسادستان"

في واحدة من أكثر الحلقات صدمة وإثارة للجدل التي بثت على منصة يقظة، وضع الإعلامي والباحث الحقوقي البارز سالم القحطاني يده على جرح غائر في جسد المملكة العربية السعودية. 

الحلقة، التي عُرضت بعنوان «ماذا يحدث داخل السجون السعودية؟ قصص صادمة!»، لم تكن مجرد تقرير إخباري، بل كانت صرخة مدوّية وثقت واقعًا مريرًا للانتهاكات الممنهجة داخل المعتقلات السعودية، مستندة إلى شهادات حية وموثقة من معتقلين سابقين وعائلاتهم.

الحلقة استهدفت بشكل خاص فضح استخدام التعذيب الجسدي، والنفسي، وأحيانًا الجنسي، كأدوات أساسية لاستجواب وتأديب فئات واسعة من المجتمع، بما في ذلك الرموز الدينية، والمفكرون، والنشطاء الحقوقيون والاجتماعيون الذين يُعتبرون "معارضين" لخط الدولة الحالي.

 


الفصل الأول: الاعتقالات التعسفية – السقوط من التغريدة إلى الزنزانة

بدأ التقرير برسم خط زمني للأحداث التي تزامنت مع تصاعد قبضة ولي العهد محمد بن سلمان على مفاصل الدولة، مسلطًا الضوء على حالة الشيخ الأكاديمي والداعية المعروف، سلمان العودة.

 

1.1     اعتقال الشيخ سلمان العودة: مثال على تغول السلطة

في 10 سبتمبر 2017، تجسدت بداية السقوط المدوي للعودة عندما اقتحم رجال المباحث منزله. 

ما ميّز هذا الاقتحام، كما أكد القحطاني، هو غياب تام للإجراءات القانونية: لا مذكرة قضائية، ولا تعريف رسمي للمقتحمين، مما يعكس ثقافة التجاوز التي تسود أجهزة الأمن. 

تم اقتياد العودة أمام عائلته بعنف.

الشرارة المباشرة، وفقًا للتقرير، كانت تغريدة بسيطة دعا فيها العودة إلى «وفق الله بين قلوبهم لما فيه خير لشعوبهم» في سياق الأزمة الخليجية المحتدمة آنذاك مع دولة قطر. 

هذه الدعوة إلى المصالحة اعتبرها النظام، وتحديداً ولي العهد، خيانة أو تحديًا مباشرًا لسياساته الخارجية، ما أطلق العنان لحملة تصفية حسابات.

 

1.2    التهم الفضفاضة وتجريد المحاكمة من محتواها

بعد الاعتقال، وُجّهت للشيخ العودة حزمة من 37 تهمة أغلبها يندرج تحت بند "الإرهاب" أو "الإضرار بأمن الدولة". 

القحطاني أكد أن هذه التهم كانت فضفاضة وغير مدعومة بأي أدلة ملموسة، وتضمنت:

  • السخرية أو التهكم من قرارات الحكومة.
  • علاقات أو اتصالات مع جهات معادية (تفسير فضفاض للاتصال بأي شخصية غير مرغوبة).
  • زيارة قطر في فترة الحصار.
  • اتهامات تتعلق بـ«عدم الدعاء الكافي لولي الأمر» في المحافل العامة أو الخاصة.

هذا الإطار القانوني الزائف يهدف إلى تبرير الاحتجاز المطوّل وإخفاء ممارسات التعذيب التي تلي الاعتقال.

 

1.3    أيام التعذيب الأولى: شلال الإذلال المتواصل

الشهادات المنقولة عن أقارب العودة والمعتقلين الذين زاملوه، كشفت عن بروتوكولات تعذيب منهجية:

  1. النقل والإهانة: تعرض للضرب المتواصل أثناء نقله بين سجن ذهبان (الذي اشتهر بظروفه القاسية) وسجن الحاير المركزي.
  2. التقييد والسلاسل: استُخدمت السلاسل الحديدية لتقييد يديه ورجليه حتى أثناء التحقيق.
  3. التحقيق المستمر: جُعل رهن استجواب متواصل 24 ساعة متواصلة، مع حرمان شبه تام من النوم، مما أدى إلى انهيار نفسي وجسدي حاد.
  4. الإذلال الجسدي: منع عن تناول الطعام بشكل طبيعي، وإجباره على الأكل بطرق مهينة، مثل إطعامه بالقوة أو إجباره على استخدام فمه لالتقاط الطعام من أكياس ملقاة على الأرض.

هذه الممارسات، كما سلط التقرير الضوء، تمثل خرقًا سافرًا للالتزامات الدولية للمملكة، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التعذيب (CAT) التي صادقت عليها السعودية رسميًا.

 


الفصل الثاني: منظومة الرعب – شهادات من أقبية السجون المظلمة

لم يكن مصير العودة فريداً، بل كان جزءاً من نظام أوسع للترهيب، وهو ما كشفته شهادات معتقلين آخرين، بمن فيهم أجانب ومواطنون عاديون.

 

2.1    مقارنة التجارب: الاتساق في أساليب التعذيب

قدم التقرير شهادة معتقل سوداني دُعي «حمد النيل»، الذي قضى عشر سنوات كاملة داخل السجون السعودية دون توجيه اتهام رسمي أو محاكمة عادلة. 

هذا المعتقل أكد وجود تطابق مروع في أساليب التعذيب المستخدمة ضد المعتقلين السعوديين البارزين، وذكر بالتحديد حالات محسن العواجي وعبدالله الحامد (الذي توفي لاحقًا في ظروف غامضة)، مما يشير إلى اعتماد بروتوكولات موحدة يوجهها جهاز أمني مركزي.

 

قائمة أبرز أساليب التعذيب الموثقة:

الأسلوب الوصف التفصيلي للانتهاك الهدف المعلن من النظام الحبس الانفرادي الطويل (الكابينة) عزل المعتقل في زنازين ضيقة لا تتجاوز (1.5 \times 2) متر، لفترات تمتد لشهور أو سنوات، مع حرمان تام من التواصل البشري.

كسر الإرادة المعنوية والاجتماعية.

الحرمان من النوم (Sleep Deprivation)إيقاظ المعتقل بشكل متكرر لتعزيز حالة الارتباك والتعب الشديد.

جعل المعتقل أكثر عرضة للاعتراف أو التوقيع على الأوراق دون قراءة.

الإهانات اللفظية والشتائم استخدام لغة سوقية ودونية، والتركيز على شتم الأسرة والأبناء والأعراض.

تجريد المعتقل من كرامته الإنسانية.

التهديد الأسريإخبار المعتقل بأن أفراد عائلته (الزوجات والأطفال) قد تعرضوا أو سيتعرضون للاعتداء أو السجن إن لم يتعاون.

استغلال الروابط العاطفية كوسيلة ضغط قصوى.

التعذيب الجسدي المباشرالضرب المبرح على القدمين والبطن، واستخدام الصعق الكهربائي على مناطق حساسة من الجسد، وإجراءات تشبه الإيهام بالغرق (Waterboarding).

الحصول على اعترافات سريعة ومفبركة.

 

2.2    الابتزاز النفسي والجنسي: أدوات التدمير المعنوي

الجزء الأكثر قسوة الذي كشفه التقرير كان يتعلق بالاستخدام الممنهج للابتزاز النفسي الذي يهدف إلى تدمير المعتقل داخلياً قبل تدميره خارجياً.

أشار القحطاني إلى شهادات موثقة تفيد بأن المحققين كانوا يعمدون إلى:

  • عرض فيديوهات مفبركة (أو ادعاء عرضها) تُظهر اعتداءات على زوجات أو بنات المعتقل.
  • استخدام صور خاصة أو محرجة كأداة للابتزاز العاطفي والجنسي.

هذا التكتيك يتجاوز كونه مجرد استجواب؛ إنه حرب نفسية تهدف إلى إجبار الضحية على الشعور بالعار والعجز المطلق.

 


الفصل الثالث: اضطهاد المدافعات عن الحقوق – التعذيب الممنهج ضد النساء

خصصت الحلقة قسماً خاصاً للانتهاكات التي طالت الناشطات والمدافعات عن حقوق المرأة، وهنّ الفئة التي كان يُفترض أن تشهد تحسناً في أوضاعها بموجب "الإصلاحات" المعلنة.

 

3.1    شهادات الانتهاكات الجنسية والجسدية

استند التقرير إلى تقارير دولية مثل (هيومن رايتس ووتش) بالإضافة إلى شهادات داخلية، موثقاً أن التعذيب ضد النساء غالباً ما اتخذ أبعاداً جنسية وإذلالية خاصة:

  1. التحرش والاعتداء الجسدي: تعرض العديد منهن للتحرش اللفظي المتواصل والضرب المبرح، مع تركيز خاص على الجلد على منطقة الفخذين والأرداف.
  2. الصعق الكهربائي: توثيق استخدام أجهزة الصعق الكهربائي على النساء المعتقلات.
  3. التهديد بالاغتصاب: وهو تهديد جسدي ونفسي استخدم كأداة أساسية لكسر إرادة المعتقلات السياسيّات.

 

3.2    حالة لجين الهذلول والضحايا البارزات

تم تسليط الضوء على حالات بارزة مثل لجين الهذلول، سمر بدوي، عزيزة اليوسف، وإيمان النفجان، واللواتي اُعتقلن لنشاطهن المطالبة بإنهاء ولاية الرجل أو قيادة السيارة.

النقطة الأكثر إثارة للقلق التي كشفها القحطاني كانت تتعلق بالمعتقلة نورة القحطاني، التي واجهت حكمًا مشددًا يصل إلى 45 عامًا سجنًا، ليس بسبب نشاط منظم، بل فقط "لإعجابها" (ضغط زر الإعجاب) على تغريدات معارضة. 

هذا يوضح كيف أن أي فعل افتراضي بسيط يمكن أن يُترجم إلى عقوبة قاسية تحت غطاء "الإرهاب".

 

3.3    تورط المستشار الأعلى: سعود القحطاني في غرفة التحقيق

في اتهام مباشر يرفع مستوى الخطورة، كشف سالم القحطاني عن شهادات تزعم أن المستشار السابق في الديوان الملكي، سعود القحطاني (المعروف بدوره في قضية خاشقجي)، لم يكن بعيدًا عن هذه الممارسات. 

الشهادات أوردت أنه حضر شخصيًا جلسات تعذيب لبعض الناشطات، وقام بتهديدهن علناً بالقتل أو "التمزيق الجسدي"، وأنه تم تصوير بعض هذه الاعتداءات لابتزاز الضحايا لاحقًا. 

هذا الربط بين مستوى السلطة العالية وممارسات التعذيب العنيفة يؤكد الطبيعة المؤسسية لهذه الانتهاكات.

 


الفصل الرابع: جحيم المعتقلات الأجنبية – المنسيونون بلا حقوق

لم يقتصر القمع على المواطنين السعوديين، بل امتد ليشمل العمالة الوافدة، الذين وجدوا أنفسهم عالقين في نظام قضائي وإداري لا يرحم.

 

4.1    مأساة العمالة الإثيوبية في ظل حملات التطهير

ركز التقرير على أوضاع المعتقلين من الجالية الإثيوبية الذين تم تجميعهم واعتقالهم بشكل مكثف خلال حملات أمنية واسعة النطاق بين عامي 2017 و2021. 

هؤلاء المعتقلون غالباً ما يتم احتجازهم لأشهر أو سنوات دون محاكمة بتهم تتعلق بالإقامة غير الشرعية أو مخالفات العمل.

 

4.2    مراكز الاحتجاز: مستنقعات الموت البطيء

وُصفت مراكز الاحتجاز التي احتجز فيها هؤلاء العمال بأنها "معتقلات من الجحيم". 

تم توثيق وفيات متعددة داخل مراكز مثل:

  • مركز محافظة الدائر: مناطق نائية حيث تتدهور الظروف المعيشية بسرعة.
  • سجن حجر الشميسي في جدة: الذي عُرف بالازدحام الشديد وغياب الرقابة الصحية.

 

الأسباب الرئيسية للوفاة كانت مزيجاً من:

  • الجوع المزمن ونقص التغذية.
  • العطش وعدم توفر مياه صالحة للشرب، مما أجبر البعض على اللجوء لشرب مياه الصرف الصحي الملوثة.
  • الغياب التام لأي رعاية طبية للحالات المزمنة أو الإصابات.
  •  

الفصل الخامس: التناقض المنهجي – بين الواجهة الترفيهية والقمع الأمني

خلص التقرير إلى استنتاج خطير: أن التعذيب في السعودية ليس مجرد تجاوزات فردية يقوم بها محققون "مارقون"، بل هو منهج مؤسسي وأداة استراتيجية تدار بأوامر عليا.

 

5.1    دور المحاكم في شرعنة التعذيب

أكد التقرير أن الاعترافات المنتزعة تحت وطأة التعذيب تُستخدم كأدلة رئيسية في المحاكمات. 

استشهد القحطاني بتقارير صادرة عن منظمات مثل مركز "الأورو-متوسطي لحقوق الإنسان"، والتي تشير إلى أن القضاة يتغاضون عن علامات التعذيب الواضحة أو يتجاهلون شكاوى المتهمين، وبذلك، يتم إضفاء الشرعية القانونية على اعترافات انتزعت بالقوة. 

هذا يمثل مخالفة صريحة للمادة رقم (5) من قانون الإجراءات الجزائية السعودي الذي يحظر صراحة التعذيب والمعاملة المهينة.

 

5.2    غسيل الصورة مقابل الواقع القابع في الظلام

يوضح التقرير التناقض الصارخ بين الحملات الإعلامية الهائلة التي تروج لمشاريع الترفيه العصرية (رؤية 2030) وتمكين المرأة (كواجهة براقة للعالم)، وبين الحقيقة المروعة لما يحدث داخل السجون. 

إن هذه الإصلاحات السطحية، كما يرى القحطاني، تعمل كـ"ستار دخاني" لإخفاء منظومة قمع حديدية يقودها ضباط ومحققون يمتلكون حصانة مطلقة من المساءلة، وبتوجيه مباشر من القيادة العليا.

 


الفصل السادس: نداء أخلاقي – صدى "وامعتصماه" في زمن القمع

اختتم سالم القحطاني حلقته بنداء قوي ذي طابع تاريخي، محاولاً استعادة الروح الأخلاقية المفقودة في ظل الصمت الرسمي والشعبي.

 

6.1    دعوة إلى الضمائر العربية

استعاد القحطاني صرخة «وامعتصماه» الشهيرة، موجهاً خطابه ليس فقط إلى المنظمات الدولية، بل إلى رجال الدين، وشيوخ القبائل، وعامة الشعوب العربية. 

وجه اتهاماً أخلاقياً مباشراً لكل من يلتزم الصمت تجاه ما تتعرض له أسر المعتقلين، وخاصة النساء والأطفال الذين يعانون من الحرمان والظلم نتيجة غياب المعيل.

 

6.2    نبوءة الظلم الزاحف

أكد القحطاني أن هذا القمع الموجه اليوم ضد المعارضين والمفكرين، إذا لم يُوقف، فإن "نار الظلم التي تتغذى اليوم على سجون الآخرين ستصل قريبًا إلى بيوت الجميع". 

الرسالة كانت واضحة: القمع الممنهج هو خطر يهدد النسيج الاجتماعي والعدالة للجميع، ولا يمكن أن يظل حكراً على فئة معينة.

 


خلاصة 1: فضح التناقض الجوهري

في المحصلة، يمثل تحقيق برنامج فسادستان واحدًا من أكثر الأعمال الإعلامية التوثيقية جرأة في السنوات الأخيرة. 

لقد نجح في تفكيك القشرة اللامعة للحداثة التي تحاول المملكة تسويقها، وكشف عن وجه القمع والانتهاك المتمثل في بنية أمنية مطلقة لا تعترف بالرحمة ولا تلتزم بالقوانين الوطنية أو الدولية.

إن هذه المادة ليست مجرد سرد لوقائع مأساوية عابرة، بل هي شهادة صحفية دامغة تُثبت أن الفساد في السعودية لم يعد مقتصراً على الأموال العامة أو الاستيلاء على السلطة، بل وصل إلى أدنى مستوى من الانتهاك: جسد الإنسان وكرامته وروحه تحت أقبية الزنزانات المظلمة.

 


الفصل السابع: التشريح النفسي والفيزيولوجي للتعذيب

لتعميق فهمنا لمدى وحشية الأساليب المتبعة، قام التقرير بتحليل الآثار المترتبة على البروتوكولات الأمنية الموصوفة في الشهادات.

 

7.1    متلازمة الصدمة التالية للتعذيب (PTSD)

أكد سالم القحطاني أن الهدف الأساسي للتعذيب ليس فقط استخراج معلومات—وهو أمر نادر في مثل هذه القضايا—بل هو عملية "هندسة اجتماعية" عبر تدمير هوية المعتقل. 

المعتقلون الذين خرجوا، حتى بعد سنوات من إطلاق سراحهم، يعانون من:

  • التفكك المعرفي: عدم القدرة على تذكر سلاسل زمنية طويلة نتيجة الحرمان من النوم.
  • الاضطراب الوجداني: عدم القدرة على التعبير عن المشاعر الطبيعية، مصحوبة بنوبات هلع مفاجئة عند سماع أصوات عالية أو إغلاق الأبواب.
  • الخوف المزمن من السلطة: حالة من الخضوع التام لأي شخص يرتدي زياً رسمياً، حتى لو كان شخصاً مدنياً عادياً.
  •  

7.2    الآثار الفسيولوجية للتعذيب المنهجي

بالاستناد إلى شهادات الأطباء الذين فحصوا بعض المفرج عنهم سراً، تم تحديد الآثار الجسدية طويلة الأمد:

  1. تلف الأعصاب الطرفية: نتيجة للتقييد بالسلاسل لفترات طويلة (كما حدث مع العودة)، مما يؤدي إلى ضعف دائم في الحركة وضعف في قبضة اليد.
  2. مشاكل العمود الفقري: نتيجة الضرب المتكرر أو الإجبار على الوقوف بوضعية غير مريحة لساعات طويلة.
  3. الأرق المزمن: بسبب الاضطراب النفسي الدائم، يجد العديد من المعتقلين السابقين صعوبة في الدخول في نوم عميق لأكثر من بضع ساعات متقطعة حتى بعد حريتهم.
  4.  

الفصل الثامن: ملفات القضاء السعودي – التواطؤ أم العجز؟

أحد الأجزاء الأكثر حساسية في الحلقة كان تقييم دور النظام القضائي في تغطية جرائم التعذيب.

 

8.1    ثقافة "السرية المطلقة" في المحاكمات

أشار التقرير إلى أن الغالبية العظمى من محاكمات قضايا الرأي والنشاط الاجتماعي تتم خلف أبواب مغلقة تماماً، تحت مسمى "أمن الدولة". هذا الغياب للرقابة الإعلامية والقانونية الخارجية يمنح المحققين والقضاة سلطة مطلقة لإنكار أي ادعاء بالتعذيب.

حتى عندما يتقدم المتهمون بشكاوى رسمية أثناء المحاكمة، نادراً ما يتم إجراء تحقيقات مستقلة. وعادة ما يتم التعامل مع هذه الشكاوى بطريقتين:

  1. التجاهل التام: الاستمرار في الجلسة وكأن الشكوى لم تُطرح.
  2. التهديد المبطن:تذكير المتهم بأن التراجع عن الاعترافات قد يؤدي إلى تمديد الحكم أو توجيه تهم جديدة أكثر خطورة.

 

8.2    دراسة حالة: نسبة الاعتماد على الاعترافات المنتزعة

قام التقرير بتحليل عينة من الأحكام الصادرة في قضايا الرأي التي تمكن من الوصول إلى تفاصيلها، ووجد أن ما يزيد عن 85%من الأحكام بالإدانة كانت تعتمد بشكل أساسي على "اعترافات خطية" أو "اعترافات مسجلة" للمتهم، وغالباً ما كانت تُقدم على أنها موثقة بحضور "محامي نظامي" غير مسموح له بالتحدث بحرية.

يُظهر هذا التوثيق أن التعذيب هو الأداة الرئيسية المستخدمة لإنتاج “الأدلة” في القضايا، أي أن الاعتراف يُنتزع بالقوة ويُستخدم لبناء الملف القضائي.

وهذا يعني أن النظام القضائي لا يراقب التعذيب أو يمنعه، بل يشارك فيه فعلياً لأنه يعتمد على نتائج التعذيب لتبرير الأحكام.

أما المعادلة فتوضح بالأرقام أن حوالي 85٪ من الأحكام القضائية تستند إلى اعترافات مكتوبة وُزعت بالضغط أو التعذيب — أي أن أغلب القضايا يُبنى فيها الحكم على اعتراف لا على أدلة حقيقية.

 


الفصل التاسع: الخلافة الأمنية والبيروقراطية القمعية

لم يكن التقرير ليغفل البنية الإدارية التي تسمح باستمرار هذه الممارسات دون رادع.

 

9.1    دور وزارة الداخلية والأجهزة الموازية

أكد القحطاني أن التوجيهات القمعية تنبع من مستويات عليا في وزارة الداخلية، وأنها تُنفذ عبر شبكة من الأجهزة الأمنية التي تتبع "الديوان الملكي" بشكل مباشر، متجاوزة الهيكل القضائي التقليدي. هذا التداخل يخلق ما يشبه "دولة أمنية موازية" تعمل خارج نطاق الرقابة التشريعية.

 

التسلسل الإداري للانتهاك (نموذج مبسط):

  1. التوجيه الاستراتيجي (القيادة العليا): تحديد قائمة المستهدفين (دعاة، مثقفين، سياسيين).
  2. التنفيذ الأمني (المباحث/أمن الدولة): الاعتقال دون وجه حق واستخدام بروتوكولات التعذيب المعتمدة.
  3. الشرعنة (القضاء): قبول الأدلة المنتزعة تحت الإكراه وإصدار الأحكام الطويلة.
  4. التبرير الإعلامي: استخدام وسائل الإعلام الرسمية لوصف المعتقلين بـ "أصحاب الفكر الضال" أو "الخلايا الإرهابية".

 

9.2    شهادات عن الرشوة والفساد داخل السجون

لم يقتصر الفساد على السياسة والمال، بل امتد إلى بيئة السجن نفسها. بعض المعتقلين الذين أُطلق سراحهم تحدثوا عن "نظام مدفوع" يتم فيه شراء الراحة أو الحصول على فرصة للاتصال العائلي عبر دفع رشاوى لضباط صغار، بينما يُعاقب الفقراء الذين لا يملكون شيئاً بالحرمان المضاعف. هذا يضيف طبقة أخرى من الظلم الاجتماعي على الجرائم السياسية.

 


الفصل العاشر: الانعكاسات الإقليمية والدولية (الصمت المطبق)

على الرغم من أن التقرير يركز على الداخل، إلا أنه تناول مسألة الصمت الدولي.

 

10.1  تسييس ملف حقوق الإنسان

يشير التقرير إلى أن بعض الدول الغربية والمنظمات الدولية التي كانت تنتقد سجل حقوق الإنسان سابقاً، تبدو اليوم أكثر حذراً في إصدار بياناتها القوية ضد الرياض. هذا "التسييس" يعود إلى المصالح الاقتصادية والعسكرية المتشابكة، مما يقلل من فاعلية الضغط الدولي على النظام لوقف التعذيب.

 

10.2  دور الإعلام البديل في مواجهة الإرادة الرسمية

أكد سالم القحطاني أن منصات مثل يقظة ومنصات الإعلام البديل الأخرى هي حالياً خط الدفاع الوحيد عن الحقيقة، نظرًا لسيطرة الدولة التامة على الإعلام التقليدي داخل المملكة، والذي يعمل كبوق للدعاية الرسمية.

 


الخاتمة النهائية: الذاكرة كفعل مقاومة

لقد نجح تقرير فسادستان في تحقيق هدفه الأساسي: إيقاظ وعي الناس ليروا ما وراء بريق الحداثة… إلى حقيقتها المظلمة.

إن جحيم السجون السعودية ليس مجرد خيال، بل هو واقع موثق بالشهادات الصارخة للتعذيب الجسدي والنفسي الموجه ضد كل من يختلف مع الرواية الرسمية.

إن توثيق جرائم التعذيب، خاصة ضد رموز مثل الشيخ سلمان العودة والناشطات، يمثل عملاً حاسماً في حفظ ذاكرة الجيل الحالي، ويشكل حجر الزاوية في أي عملية محاسبة مستقبلية. 

إن التحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على هذه الشهادات ونشرها رغم مخاطر القمع، لأن الصمت على التعذيب هو مشاركة فيه، وكسر هذا الصمت هو أولى خطوات المقاومة الحقيقية للوصول إلى دولة تحترم كرامة الإنسان.

 

 

آخر الاخبار