أن يكتب التاريخ أن الولايات المتحدة الأمريكية عملت على تدمير القضية الفلسطينية ومنحت قبلة المسلمين للصهاينة، فلن يكون خبراً مفاجأً لأحد على اعتبار أن أمريكا هي المساهم الأكبر في زرع الاسرائيليين في منطقتنا ليكونوا قاعدة متقدمة لها تمهيدا لتفتيت الشرق الأوسط الغني بالثروات الباطنية والحصول على ثرواته، ولكن الذي سيصدم الأجيال القادمة إن كان التاريخ صادقاً أن القادة العرب ساعدوا الاسرائيليين والأمريكيين في مشروعهم على حساب الشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية.
التصريحات والتعليقات التي تبعت قرار الرئيس الأمريكي بإعلان صفقة القرن جاءت مخجلة، ولو صمتوا لكان أفضل بكثير، فعلى سبيل المثال وبينما صمت ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان حول تفاصيل "صفقة القرن" التي كانوا متهمين صراحتة في تمريرها والقضاء على "القضية الفلسطينية" جاء صمتهم ليؤكد الشائعات حول هذا الموضوع وخاصة انهم لم يتخذوا اي قرار ولم يدلوا بأي تصريح يكذب الاشاعات التي تحوم حولهم بخصوص هذا الموضوع، وما أكد ذلك ما أعلنته الخارجية السعودية حول "تقديرها" لجهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن "صفقة القرن" المزعومة، داعيةً إلى بدء مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. جاء ذلك في بيان أصدرته الوزارة، الأربعاء، ونشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية، تعليقا على إعلان ترامب عن خطة التسوية الأمريكية المزعومة.
الغريب هنا أن آل سعود لايريدون أن يسمعوا حتى رأي الفلسطينيين وموقفهم من هذه "الصفقة"، وكأن ليس لهم اي اعتبار وأن الكلام الأول والأخير يكون فقط للصهاينة، فالسعودية تقول أنها تشجع على بدء مفاوضات مباشرة للسلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي تحت رعاية الولايات المتحدة –يعني سحب البساط حتى عن المنظمات الدولية-، ومعالجة أي خلافات بخصوص الخطة عبر المفاوضات، ولكن في الوقت نفسه الفلسطينيين وحتى السلطة الفلسطينية يرفضون اجراء اي مفاوضات برعاية أمريكية، لأنهم يعلمون النتائج مسبقا كيف ستكون ولصالح لمن تكون وكما يقول المثل الشعبي "المكتوب مبين من عنوانه".
فلسطين لم تشارك بأي اجتماع سابق له علاقة بالتمهيد لـ"صفقة القرن" بما في ذلك ذلك الاجتماع الذي عقد في البحرين لاقناع الشعوب العربية والفلسطينيين بحجم الاستثمارات التي ((سينعم)) فيها الفلسطينيين وبعض الدول العربية في حال تم تمرير هذه الصفقة، وحينها حاولت بعض الدول العربية لاسيما الخليجية الضغط على الفلسطينيين لقبول الصفقة لكن دون جدوى.
اليوم المباركة علنية جاءت من قبل بعض الدول لهذه الصفقة المشؤومة ولم يخجل هؤلاء من ارسال مندوبين وسفراء إلى البيت الأبيض لحضور التوقيع على هذه الصفقة واعلانها، اذ حضر الاعلان عن الصفقة سفراء دول الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان والبحرين في المؤتمر الصحفي يدلل على ترحيب هذه الدول بالصفقة، وتأمين غطاء عربي لها وجاء موقف السعودية الباهت ليؤكد المؤكد ويفضح آل سعود وسعيهم اللامحدود للتطبيع مع كيان الاحتلال، وسيعلم جميع المشككين بالعلاقة المتينة بين آل سعود والاسرائيليين بأن هذه العائلة يهمها فقط البقاء على كرسي العرش مهما كانت الأسباب والنتائج ولن يتوانوا عن التحالف مع اي جهة كانت للحفاظ على بقائهم في الحكم وما يجري حاليا هو خير دليل على ذلك.
ترامب أعلن صفقة تناسب أنصاره وحلفائه، ولكن ماذا قدم هؤلاء الزعماء العرب للقضية الفلسطينية التي يعتبرونها قضيتهم المركزية ويتغنون بذلك على المنابر وغالبيتهم حصلوا على مناصبهم بعد ان أوهموا شعوبهم بأنهم يركزون جل اهتمامهم على إعادة الحق المسلوب للفلسطينيين؟.
الرئيس الأمريكي أعطى العرب فرصة أخيرة لكي يتوحدوا على الدفاع عن القضية الفلسطينية والاجتماع الطارئ اليوم لوزراء الخارجية العرب سيؤكد الكثير من الأشياء، وسيكون بمثابة تحدى لهذه الأنظمة العربية، التي لم تقدم اي شيء يذكر لدعم القضية الفلسطينية حتى اللحظة سوى جعجعة الكلام دون تحقيق اي شيء فعلي على الارض، والأنكى من هذا أنهم لم يكتفوا بالصمت عن الجرائم التي ينفذها الصهاينة بحق الفلسطينيين بل تآمروا معهم وهاهم اليوم يشهدون الخطوات الأخيرة للقضاء على القضية الفلسطينية مقابل البقاء على عروشهم.
والسؤال الأخير ماذا قدمت هذه الصفقة المشؤومة؛ سوى المال وتبادل أراضٍ على أساس يخفّف هاجس إسرائيل الديمغرافي "ويخلّصها" من فلسطيني داخل حدود 48، ودولةٌ مقطّعة الأوصال بلا حدود نهائية ومحاصرة بالسيادة الإسرائيلية؛ هذا كل ما قدّمه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في خطّته للفلسطينيين، "حتى يبدو منصفًا"، كما قال، مقابل تصفية قضايا الصراع الجوهرية لصالح الاحتلال: اللاجئين والقدس والحدود والاستيطان.