معادلات جديدة تشهدها منطقة الشرق الأوسط على وقع التهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشن ضربات عسكرية ضد مواقع معينة في ايران ولكنه سرعان ما تراجع عن ذلك ليترك خيار الحرب مفتوحا وسط "تصاعد" التوتر إلى مستويات كبيرة جدا. في هذا الأثناء انتفض الغرب في بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية ضد آل سعود لمحاولة منع حكومات هذين البلدين من بيع الأسلحة للسعودية على اعتبار أن هناك الكثير من التقارير التي تفيد بأنها تستخدمها في الحرب على اليمن. في بريطانيا نجح نشطاء بالفوز بمعركة قضائية ضد الحكومة البريطانية بشأن بيع الأسلحة للسعودية، وعلى اثر ذلك قررت بريطانيا تعليق منح السعودية عقود تسلح جديدة مخافة استخدامها في الحرب الدائرة في اليمن. وجاء إعلان الحكومة البريطانية إثر اعتبار محكمة الاستئناف في لندن صفقات الأسلحة تلك غير قانونية.
الحكومة البريطانية غير سعيدة بهذا القرار لكونه يلغي صفقات مسقبلية بمليارات الدولارات، وهذا ما دفع وزير التجارة الدولية ليام فوكس ليقول أمام البرلمان "لسنا موافقين مع الحكم وسنطلب الإذن بتقديم طعن" مضيفا "في هذه الأثناء لن نمنح تراخيص جديدة (لبيع أسلحة) إلى السعودية وشركائها في التحالف، يمكن استخدامها في النزاع في اليمن". وبناء على سياسة التصدير البريطانية، لا ينبغي منح تراخيص بيع معدات عسكرية إذا كان هناك "خطر واضح" بأن تلك الأسلحة قد تستخدم في "انتهاك خطير للقانون الدولي الإنساني".
بريطانيا تعلم جيدا بان الأسلحة التي تبيعها للسعودية تستخدم ضد المدنيين في اليمن ومع ذلك تمنع وقف مبيعاتها، لكون هذه المبيعات تساهم في الحفاظ على آلاف الوظائف الهندسية في بريطانيا، كما أنها توفر مليارات الجنيهات من العوائد لتجارة الأسلحة البريطانية، ولابد أن نذكر بأن بريطانيا منحت تراخيص بيع أسلحة بأكثر من 4 مليارات و700 مليون جنيه استرليني إلى السعودية منذ بدء حملتها العسكرية وغاراتها على اليمن في مارس/آذار 2015. في مقابل ذلك وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش القرار البريطاني بأنه "تاريخي" وصرحت بينيدكت غينروود من منظمة هيومن رايتس ووتش "أن قرار محكمة الاستئناف بلندن تاريخي ويوجه رسالة قوية جدا للدول الأوروبية، مثل فرنسا، التي تواصل بيع الأسلحة للسعودية رغم الانتهاكات المنهجية ضد المدنيين في اليمن"، وتابعت "على الحكومة الفرنسية أن تأخذ العبرة من ذلك وتوقف فورا شحنها للسلاح إلى هذا البلد". من جهته رحب ممثل الحملة المناوئة لبيع الأسلحة، أندرو سميث، بالحكم، قائلا إن النظام السعودي هو أحد أكثر الأنظمة وحشية وقمعا في العالم، ولكنه ظل على مدى عقود، مع ذلك، أكبر مشتر للأسلحة البريطانية. وأضاف: "لا يزال النظام السعودي، بغض النظر عن الفظائع التي يسببها، يعتمد على دعم بريطانيا السياسي والعسكري غير المنتقد"، وقال: "أدى القصف (في اليمن) إلى خلق أسوأ أزمة إنسانية في العالم". مجلس الشيوخ مجلس الشيوخ أيضا انتفض في وجه آل سعود بالتزامن مع القرار البريطاني، وتبنى المجلس قرارات تمنع مبيعات الأسلحة للسعودية وحلفائها، وهي بقيمة 8,1 مليارات دولار، ولكن هل سيقبل ترامب بتمرير مثل هذا القرار؟. ترامب ومجلسه ليس افضل حالا من الحكومة والنواب البريطانيين وكلاهما يبحث عن الربح المادي وتوفير الوظائف لشعوبهم على حساب دماء الشعب اليمني ودماء شعوب المنطقة. كان يقول الغرب في حال ثبت استخدام اسلحتهم ضد المدنيين في اليمن سينظرون في وقف بيع الاسلحة، ولكن السؤال هل اسلحة السعودية هي صناعة محلية وهل طائرات التحالف الذي يقوده آل سعود صناعة محلية سعودية؟. الغرب يعلم والجميع يعلم أن أل سعود دمروا اليمن من خلال أسلحة أمريكية بريطانية فرنسية الصنع، لكنهم لا يريدون ايقاف ملايين الدولارات من التدفق إلى جيوبهم، وفي حال استمرت هذه المنظمات غير الحكومية في الغرب ومجلس الشيوخ في أمريكا في منع تصدير الاسلحة إلى السعودية، لا نستغرب ان يقول هؤلاء وبكل وقاحة بانه لم يكن لديهم علم بأن السعودية تستخدم اسلحتهم ضد المدنيين. اليوم ترامب يعي تماما ما يفعل فهو يصعد من التوتر في الشرق الأوسط ويكبر من موضوع "ايرانفوبيا" لكي يجبر السعودية والامارات على شراء المزيد من الاسلحة لحماية انفسهم ومصالحهم من اندلاع اي حرب محتملة مع ايران، وهو يعلم جيدا أن اندلاعها أمر غير ممكن، ولكننا نستغرب عدم استيعاب بعض دول المنطقة لذلك. ترامب سيدفع السعودية لشراء المزيد والمزيد من الاسلحة وسيستخدم حق النقض "الفيتو"، ضد اي قرار يصدر من مجلس الشيوخ لمنع تصدير الاسلحة الى السعودية، وأيّد مجلس الشيوخ بأغلبية 53 مقابل 45 صوتاً ثلاثة قرارات تمنع مبيعات الأسلحة البالغة قيمتها 8,1 مليارات دولار، والتي تم إعلانها في وقت سابق هذا العام، بعدما أخذ عدد من الجمهوريين صفّ الديموقراطيين. وقال مؤيدون للتشريعات إنهم يعتقدون أن هناك فرصة جيدة لإقرارها في مجلسي الشيوخ والنواب، لكنهم أقروا بصعوبة الحصول على تأييد الثلثين المطلوب لتجاوز الفيتو المتوقع أن يصدره ترامب. بكل الأحوال يمكننا أن نلاحظ جيدا بأن ترامب يعمل على توريط ابن سلمان اكثر وأكثر في أزمات المنطقة، ويريد أن يبقيه في وحلها لكي يبقى رهن اشارته، ولا نبالغ اذا قلنا أن ترامب سيستغل التقرير الأممي الأخير الذي يؤكد تورط ابن سلمان في مقتل خاشقجي.