بقلم: جمال حسن
"تطورات صادمة في واقع حقوق الإنسان في السعودية، تمظهرت خلال عام 2018 في جرائم وإنتهاكات ممنهجة، شكلت في مجملها مرحلة غير مسبوقة في تاريخ حقوق الإنسان السيئ في البلاد. فلم تقف الحكومة عند القتل خارج نطاق القضاء أو القتل تعسفا، والمحاكمات غير العادلة والتعذيب والإعتقالات التعسفية ونشر الترهيب وسحق الحريات في الداخل، بل مدت أيديها خارج البلاد لتطال نشطاء المهجر الفارين من سياسة القمع الداخلية.. كل هذه المجريات ورثت لدى المواطن وأصحاب الرأي والمال من سعوديين وأجانب قلقا متصاعدا على واقع البلاد عامة، وأثارت قلقا على السلامة الشخصية وفتحت إحتماليات الإستهداف الفردي للأشخاص وذويهم"- من التقرير السنوي للمنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان عن حالة حقوق الإنسان في المملكة لعام 2018.
فقد كتبت صحيفة "المونيتور" الأمريكية أن القرارات السعودية من سيء الى أسوأ منذ صعود سلمان بن عبد العزيز الى العرش عام 2015 وتعيين أبنه محمد بن سلمان ولياً للعهد حيث سياسته أفقدت ثقة المملكة لدى المستثمرين ما تسبب في تسجيل إنخفاض شديد في نسبة الاستثمارات الأجنبية في السعودية الى أكثر من 80%، الى جانب تهرب رؤوس الأموال السعودية من مملكة البترول عكس ما كان يصبو اليه أبن سلمان بسياسة الطيش التي ينتهجها ضد كل من يقف أمامه.
وقد أظهرت أرقام أصدرتها إحدى مؤسسات الأمم المتحدة تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة في السعودية إلى أدنى مستوياتها في 14 عاما وذلك رغم إصلاحات اقتصادية طموحة تستهدف زيادة تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية. حيث تفيد بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية بانكماش تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الى الصفر عام 2018 من 7.5 مليار دولار في 2016 وهو ما يتماشى مع أرقام نشرها البنك المركزي السعودي في الأسابيع الأخيرة، وفق ما قاله جيسون توفي خبير اقتصاد الشرق الأوسط لدى كابيتال إيكونوميكس في لندن.
من جهته قال كاتب الرأي دومنيك دادلي في مجلة فوربس إن الاستثمار الخارجي في السعودية قد انهار العام الماضي، وإن الاقتصاد السعودي يخسر مقارنة مع الاقتصاديات التي تكسب حصصا كبيرة من كعكة الاستثمارات. ونسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية انخفاض الاستثمارات في السعودية الى بيع المصالح التجارية والقروض السلبية داخل الشركات من الشركات المتعددة الجنسيات.
في هذا الاطار قال بنك "جيه بي مورغان" (أمريكي متعدد الجنسيات للخدمات المالية المصرفية) أن تدفقات رؤوس الأموال السعودية الى خارج البلاد بلغت خلال العام 2018 أكثر من 90 مليار دولار، كما توقّع تزايد حجم الأموال التي ستهرب من المملكة خلال العام الجاري 2019. فيما أكدت تقارير غربية، إن رجال المال السعودي ومنذ حملة فندق "ريتز كارلتون" التي نفذها "بن سلمان" بذريعة "مكافحة الفساد" الكاذبة لإبتزاز الأموال لصالحه الشخصي، باتوا يخفون ثرواتهم ولا يشاركون في تمويل المشاريع بالمملكة.
على الصعيد ذاته كشف تقرير صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أن أثرياء السعودية يتحينون الفرص لتهريب ثرواتهم من البلاد، ما دفع السلطات الى تجميد العديد من الحسابات، وفرض مراقبة لصيقة من البنوك على حركة التحويلات المصرفية خارج البلاد.
تزامناً مع ذلك تتوافد الأنباء عن تصاعد نسبة العاطلين عن العمل في السعودية لتبلغ حوالي 13% نهاية العام 2018 وفق مؤسسة الإحصاء، لكن المصيبة أن هذه النسبة أكبر بكثير بين خريجي الجامعات والدراسات العليا خاصة المبتعثين والتي باتت أكثر إيلاما، لأنهم يفترض أنهم مؤهلون تماما لبيئة العمل، ولكنهم سرعان ما ينضمون الى صفوف البطالة، شاءوا أم أبوا. وقد تجاوز عدد الطلبة المستفيدين من برنامج الابتعاث نحو 58000 مبتعث ومبتعثة ممن أنهوا الدراسة في الجامعات العالمية، وفي شتى التخصصات ، ويواجه هذا العدد أزمة كبيرة في توفير الوظائف الخاصة بتخصصاتهم؛ ما دفع بالكثير منهم الى الهروب الى خارج الحجاز باحثين عن فرصة عمل في البلدان الخليجية المجاورة أو في بلاد الغرب التي باتت هي الاخرى تعاني هذا الأمر.
فهذه المخاوف تزداد يوماً بعد آخر على المبتعثين أثناء البعثة وبعد العودة الى المملكة، والسؤال الكبير العالق في أذهان الشباب السعودي هو هل هناك تنسيق لاحتواء هذه الأعداد في سوق العمل رغم أزمتي البطالة والتضخم المتناميتين في البلاد؟، مع توجه القطاع الخاص والعام نحو توظيف العمالة الأحنبية بدلاً من الوطنية.
هذا وكشف تقرير لمنظمة العدل والتنمية للشرق الاوسط وشمال افريقيا ان حوالى 5 ملايين مواطن سعودى يعيشون تحت خط الفقر ويعانون من الفقر وانتشار العشوائيات والمنازل العشوائية غير اللائقة وذلك نتيجة تكاليف الحرب التى تقودها السعودية على اليمن والتى بلغت وفق اخر التقديرات لحوالى 1500 مليار دولار اضافة لإنخفاض اسعار البترول، وفق ما أكده المتحدث الرسمي للمنظمة زيدان القنائي وقال: ان معاناة الشعب السعودي بدأت تتزايد خاصة الفقراء ومن يعيشون بالعشوائيات بالمملكة نتيجة سياسات الحرب على اليمن التي يقودها سلمان ونجله.
وبسبب حجم الخسائر الكبيرة التي تسبب بها رفض رؤوس الأموال السعوديين الاستثمار داخل بلادهم، توسل أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل، بالسعوديين بعدم نقل أموالهم الى خارج البلاد، واستثمارها في الداخل، وقد نشر الحساب الرسمي لإمارة منطقة مكة تصريحات الفيصل خلال جولة له، قال فيها مخاطباً السعوديين: "اتقوا الله في بلادكم وفي أنفسكم، واستثمروا في الداخل".. أرجوكم، لا تلقوا بأموالكم إلى الخارج، ولا تستثمروها هناك، بل في بلادكم؛ فوالله هي أفيد لكم مليون مرة من الاستثمار خارجها"؛ ما يشير الى حالة عدم الثقة الكبيرة في مستقبل ثرواتهم داخل المملكة.
كما أن إنتهاكات حقوق الانسان الخطيرة المتنامية التي يرتكبها النظام السعودي تعد أهم عامل على هروب رؤوس الأموال والأستثمارات الوطنية والأجنبية، حيث إرتفعت نسبة الإعدامات في المملكة الى 72% خلال الربع الأول من 2018 مقارنة بالربع الأول من 2017، وفق تقارير المنظمات الدولية والأممية ومنها منظمة العفو الدولية والمنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان التي كشفت أن هناك 58 مواطناً سعودياً معتقلاً لأسباب واهية مهددين بالإعدام، بينهم 8 أطفال أحكام إعدامهم نهائية، وهؤلاء جزء بسيط من أعداد تقدر بالمئآت من المهددين بالإعدام في السجون السعودية؛ تزامنت مع إصرار السعودية على سياسة إحتجاز أو إخفاء الجثامين، غير الإنسانية، والتي تتسبب بعذاب نفسي عميق للأسر، حيث بلغت الجثامين المحتجزة حتى الآن خلال العام 2018 أكثر من 35 جثة، ودون حساب أعداد أخرى من الضحايا لاتزال جثامينهم مغيّبة منذ عدة عقود.
السياسات القمعية وانتهاكات حقوق الانسان المستمرة من قبل محمد بن سلمان في قمعه للحريات الدينية والتعبيير عن الرأي وإسكات الاعلام، وإرتفاع الأسعار، وتخفيض القوة الشرائية للمواطنين، أنعكست سلباً على حجم الإنتاج والاستهلاك في السوق السعودي، وبالتالي على الأرباح فدفع بالكثير من المستثمرين للهروب الى الخارج، ودخول الاقتصاد السعودي في حالة من الركود التي قد تتصاعد وتيرته في المستقبل القريب، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة والتضخم وعدم إحساس المواطنين ورجال الأعمال بنتائج ملموسة لرؤية المملكة على أرض الواقع.