عند الحديث عن التطبيع العلني الذي تم بين الإمارات والكيان الاسرائيلي يجب في البداية أن ننظر لهذه القضية من زاويتين، الأولى: مالذي أدى إلى علاقة وثيقة بين الجانبين، ثم ما الذي جعل من الضروري الاهتمام بإعلان اتفاقية السلام.
الإمارات العربية المتحدة هي مشيخة صغيرة على الخليج، تعتمد حياتها على صناعة السياحة وصادرات الطاقة، هي تتحالف مع السعودية في كل شيء لكنها في الوقت نفسه تخشاها، ورغم أنها تعمل على تسمين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وتحرضه على هذه الدولة وتلك الدولة لكنها في الوقت نفسه تخشى من ان يتحول إلى حوت يبتلعها، وتعطي الامارات أولوية كبيرة للاقتصاد والاستثمارات ولكي تدع شلال الاستثمارات يستمر بالتدفق على الامارات اتخذت من اجراء "التسويات" المستمرة نهجاً لها.
تعتقد الإمارات أن الاخوان المسلمين يشكلون خطرا كبيرا عليها إن كان في تركيا او مصر أو قطر أو حتى سوريا، ولذلك تعمل على اضعاف هذا الحزب وتشويه صورته أينما وجد من خلال ماكيناتها الاعلامية، ويبدو انه ليس لديها مشكلة للتحالف مع الشيطان مقابل حماية نظامها واقتصادها واستثماراتها وهذا ما فعلته بالضبط مع كيان العدو، فالاتفاق الذي وقعته مع اسرائيل لا مبرر له اطلاقا لكونه لا يحقق للامارات اي منفعة مذكورة، خاصة أنها لم تكن في اي وقت من الأوقات في حالة حرب مع اسرائيل ولا تربطها بها اي حدود مشتركة، إذا لماذا "السلام" إن كان موجوداً بشكل اتوماتيكي، هل تريد الامارات أن تقول من خلال هذا الاتفاق انها كانت جزء من الأمة العربية والاسلامية وانها اليوم انسلخت عنها الى الابد، ربما يكون هذا الكلام منطقياً، لانه لا معنى للجامعة العربية والأمة العربية دون الدفاع عن أهم قضاياها وبالتالي التحالف مع اسرائيل هو طعن للفلسطينيين والعرب ولغايات شخصية لا نعتقد أنها ترتبط بالامارات كدولة بقدر ما ترتبط بالعائلة الحاكمة هناك، ويبدو ان هناك مصلحة خاصة مع الرئيس دونالد ترامب غير واضحة المعالم حتى اللحظة.
وتظن الامارات أن تحالفها مع اسرائيل جاء في سياق مواجهة الأعداء المشتركين، ولكن من هم الأعداء المشتركون؟، "ايران"، هل حقا تشكل ايران خطرا على الامة الاسلامية والعربية؟، وما هي المعايير لقول ذلك؟، هل تحتل ايران ارضا عربية، كما تفعل اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وان كانت الامارات بحاجة لتكنولوجيا اسرئيل فهي تملك علاقات ممتازة مع جميع دول العالم بما فيها اوروبا والولايات المتحدة لماذا لا تستعين بقدراتهم التكنولوجية.
العلاقات بين العدو الاسرائيلي والامارات ليست بالجديدة وهي تعود للعام 2007 على أقل تقدير، وكان الاسرائيليين يفاخرون كلما ذهبوا للامارات، وشهدت السنوات الماضية زيارات على اعلى المستويات من قبل القادة الاسرائيليين إلى الامارات وكذلك زارت الامارات فرق رياضية، ومؤخرا أرسلت الامارات طائرتين محملتين بمساعدات إلى مطار بن غوريون وقالت أنهما مساعدات طبية للفلسطينيين ليتبين أن الفلسطينيين أنفسهم لم يكونوا يعلمون بهم.
الامارات في الاتفاق الذي عقدته مع الصهاينة خاسرة بشكل مطلق، إلا ان كان هناك أمر لا نعلمه سيكشف عنه في المستقبل القريب، لكن جميع المعطيات تدل على انها الخاسر الكبر في هذه الصفقة، في المقابل حققت اسرائيل مالم تستطع أن تحققه في الحروب التي شنتها على العرب برمتهان واصبح الصهاينة يجولون في بعض الدول العربية بكل سلاسة ويلتقطون الصور التذكارية من قلب مقدسات المسلمين التي لم تدافع عنها لا الامارات ولا غيرها من الدول العربية في فلسطين، بل على العكس اعترفت الامارات في الاتفاق الاخير بسيادة اسرائيل على المقدسات الفلسطينية، حيث جاء في نص الاتفاق أنه :"يمكن لجميع المسلمين الذين يأتون بسلام زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، ويجب أن تظلّ الأماكن المقدسة الأخرى في القدس مفتوحة للمصلين المسالمين من جميع الأديان".
واذا كانت الامارات تفاخر بأنها قامت بتعليق خطة الضم الاسرائيلية فإنها تضحك على نفسها قبل ن تضحك على العالم الاسلامي، حيث لم يخجل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والذي كذب الامارات وقال صراحة أن الضم سيجري في الوقت المناسب، إذاً ماذا حققت الامارات لنفسها؟.
ما فعلته أنها جعلت نفسها أداة بيد اسرائيل لاختراق الدول العربية تباعاً والأهم بالنسبة للصهاينة اختراق الخليج وجر دوله للتطبيع وهذا ما تخطط له اسرائيل في المرحلة المقبلة، وفي حال حصل ذلك لن يرحم التاريخ حكام الامارات والأيام قادمة.