طلال حايل
ربما أكثر ما يُسيء آل سعود اليوم هو الصراحة الأمريكية المفرطة، والتي باتت تبدو أقرب إلى الوقاحة منها إلى الصراحة، فهم –أي الأمريكان- لا يرون ضيرًا من تهديد أقرب حلفائهم وابتزازه، فمرّة يشبهونهم بالبقرة الحلوب، وأخرى أنّه لولا الأسطول الأمريكي لما استطاعوا البقاء أسبوعًا في قصورهم، وهكذا تمتد سلسلة الابتزاز دونما توقف هدفها الأبرز "حلب" ما استطاعت إليه سبيلا من أموال مواطني الجزيرة العربية.
آخر ما تمّ الكشف عنه هو وثيقة أمريكية مفادها "سنسترد قيمة الخدمات التي قدمناها للسعودية في حرب اليمن"، وكأنّ الحرب على اليمنيين ليست بإيعاز من السيد الأمريكي وتنفذًا لرغباته، فالجميع شهد كيف تمّ إعلان بدء تلك الحرب المشؤومة من العاصمة الأمريكية واشنطن؛ لكن على لسان وزير خارجية آل سعود الحالي عادل الجبير عندما كان سفيرا .
أكثر من ذلك؛ فإنّ ما تُطالب به واشنطن اليوم من نقود مُقابل الخدمات التي قدمتها لآل سعود في الحرب تمّ دفعها مُسبقًا، حيث يؤكد خبراء أنّ ما تمّ دفعه للسيد الأمريكي يفوق قيمة أي حرب، ففي أول زيارة للرئيس الأمريكي للرياض استطاع قبض ما قيمته أربع مائة وعشرة مليارات دولار، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإنّ قيمة العقود التي وقعها بن سلمان في واشنطن لشراء معدّات عسكرية وطائرات وما إلى ذلك، جميعها تصبُّ في خانة "الحلب" المستمر الذي تُمارسه واشنطن بحق آل سعود.
أمريكا وعلى لسان وزير خارجيتها تؤكد مرارًأ وتكرارًا أنّها لا تُريد فقط ثمن ما تدفعه من معدات للتحالف المشؤوم الذي يقوده آل سعود، بل هي تُريد ثمن المواقف السياسية التي تحمي بموجبها حلفائها من الملاحقة القانونية، ففي الثاني عشر من سبتمبر أكد وزير الخارجية مايك بومبيو للكونغرس أن التحالف يحاول تقليل الخسائر في صفوف المدنيين وتمكين تسليم المساعدات الإنسانية إلى اليمن! وهو موقف سياسي تُريد واشنطن ثمنه من آل سعود.
ادعاءات بومبيو تلك تتناقض مع كل تقييم مستقل آخر للحرب، بما في ذلك تقرير صدر مؤخراً عن مجموعة من خبراء الأمم المتحدة وعدة تحقيقات أخرى لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"التي أكدت فيها أن التحالف الذي يقوده آل سعود ارتكب "جرائم حرب".
اليوم وبعد أن أصبح العدوان الذي يقوده آل سعود على اليمنيين على أبواب النهاية؛ بدأت واشنطن تُطالب آل سعود بأثمان المواقف السياسية والمعدات العسكرية التي أمدتها بها طيلة ثلاثة أعوام من الحرب، حيث بات من الواضح أن آل سعود وحلفائهم باتوا مُجبرين على القبول بعملية سلام نتيجة الخسائر الفادحة التي تلقوها، والتي ما عادوا يستطيعون تحملها، ومن جهةٍ أخرى فقد بدأت تظهر أصوات متعددة حول العالم تُدين هذا العدوان ستُجبر جميعها الولايات المتحدة أن تتوقف عن دعم حرباً مفتوحة في اليمن،كما أنّ أصوات عدّة في الكونغرس باتت تُطالب بعدم تقديم المساعدة العسكرية اللازمة للحفاظ على استمرار عمل أجهزة الحرب على اليمن، حيث يؤكد خبراء أنّ الاختيار الحقيقي الوحيد المتبقي هو في الكونغرس، حيث يتساءل المزيد من الأصوات هناك عن السبب الذي يجعل أقوى بلد في العالم يساعد على إدامة أسوأ أزمة إنسانية في العالم!.
الإدعاء الأمريكي الآخر "لحلب" ما تبقى من ثروات أبناء الجزيرة العربية التي تسلط عليها آل سعود هو احتواء النفوذ والتمدد الإيراني، وهي حجة سمجة غير أنّها باتت تُمثل هاجسًا لحكام الجزيرة العربية، فعلى الرغم من تأكيد مايك بومبيو بأنّ سبب استمرار دعم الولايات المتحدة لعدوان آل سعود هو احتواء إيران وتأثيرها على الحوثيين، مع العلم أنّ الحقيقة تُشير إلى أنّ قوات العدوان تُسيطر على كافة المنافذ البحرية والجوية والأرضية الخاصة باليمن، وإذا ما سلمنا جدلًا بأنّ هدف العدوان السعودي على اليمن هو احتواء النفوذ الإيراني؛ فإنّ العدوان فشل فشلًا ذريعًا، حيث تمكنت حركة أنصار الله ودون أن تحضى بخسائر كبيرة بتحقيق هزيمة نكراء للعدوان السعودي الإماراتي، الأمر الذي يُشير حكمًا إلى تمكن طهران من هزيمة هذا العدوان دون صرف مليارات الدولارات كالتي صرفتها دول العدوان.
وفي النهاية فإنّ من يأمر هو السيد الأمريكي ومن ينفذ هو العبد السعودي، أمّا الطامة الكبرى أنّ كلّ تلك الأموال تُدفع من قوت الشعب الذي بات يترنح تحت وطأة الفقر والفاقة التي جلبتها سياسات بن سلمان الارتجالية.