عاجل:
العرب حلفاء من ورق
قالوا وقلنا 2025-09-17 10:28 1115 0

العرب حلفاء من ورق

في قاموس واشنطن، الحلفاء درجات: أولى لمن يشتري السلاح بابتسامة، وثانية لمن يشتريه ويطلب إيصالًا.

بقلم: خالد الذيب...

في قاموس واشنطن، الحلفاء درجات: أولى لمن يشتري السلاح بابتسامة، وثانية لمن يشتريه ويطلب إيصالًا.

أمّا البقية، فينتظرون في الردهة حتى ينهي السيناتور خطبته عن "الخطر الوجودي" و"رهائن الحرية". تُستهدف قطر سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا، وتُستدعى إلى التحقيق مُتهمًا وشاهدًا في آن واحد. ومن غزّة التي تُباد على الهواء منذ السابع من أكتوبر، إلى الدوحة التي تُلام لأنها لم تصفّق للرواية المُفضّلة، تبدو المنطقة عند مفترق: إمّا إعادة تعريف معنى "الحليف"، وإما قبول دور "الهدف التالي" في لعبة لا تعترف إلا بالقدرة على الردّ، لا بعدد بيانات الشجب.

منذ عقود تُسوَّق العلاقة مع واشنطن بوصفها "تحالفاً استراتيجياً"، لكن أي تحالف يُقاس بكمّ الصفقات لا بقدرة الردع؟ الأميركي يبيع الضمانات، والعربي يشتري الطمأنينة. وفي لحظة الحقيقة تتكشّف كلمة حليف في القاموس الأميركي عن "مستودع وقود مفتوح" أو "رصيد مالي جاهز". تُعرض السعودية والإمارات بكونهما أعمدة استقرار، لكنهما تظلان دائمًا على لائحة الاتهام إن رفعتا أسعار النفط أو خفضتاها. ومصر، رغم نصف قرن من المساعدات، تُهدَّد سنويًا بورقة "حقوق الإنسان" كلّما لزم الضغط.

والأمثلة لا تختبئ: في مصر مثلاً، ظلّ حسني مبارك ثلاثة عقود يُقدَّم "حليفاً استراتيجياً" وركيزة للاستقرار في المنطقة، لكن حين خرجت الجماهير إلى الشارع عام 2011، تخلّت عنه واشنطن في أيّام قليلة، وكأنّها تسلّمه بيدها للمصير. وبعدها بعامين فقط، باركت الانقلاب على أوّل رئيس مُنتخب، محمد مرسي، وقدّمته تصحيحاً للمسار، لا هدماً لتجربة ديمقراطية ناشئة. الرسالة كانت واضحة: التحالف مع واشنطن لا يحميك من السقوط إذا تغيّرت المعادلة، بل قد يصبح أداة لإسقاطك أو لإعادة تشكيلك حسب الحاجة.

قد يَسخر البعض من الحديث عن "الصمت" مع كثافة بيانات الدعم التي انهالت من عواصم عربية وغربية عقب الاستهداف، وحتى تحذير واشنطن الذي وصل بعد الضربة بعشر دقائق. لكن الصمت المقصود هنا ليس صمت الكلمات، بل صمت الأفعال. انتهى المشهد إلى تضامن سياسي غزير واجتماعات طارئة بعد أيّام، من دون أن يُترجم ذلك إلى ردع عملي أو تحرّك جماعي يغيّر قواعد اللعبة. الرسالة التي التقطها الخصم بسيطة: يمكنك استهداف قطر وستُجابَه بطوفان من البيانات، لا بمظلّة ردع فورية. هكذا ينزلق الخليج من "حليف استراتيجي" إلى "ساحة اختبار" تُقاس فيها قدرة إسرائيل على الضرب بلا عواقب.

وإذا كان "درع الخليج" قد صُمِّم مظلّةً دفاعية مشتركة، فقد أثبتت التجربة أنّه واجهة لامعة في المؤتمرات، مثقوبة عند الحاجة. منذ الثمانينيات لم يُختبر هذا الدرع في تهديد خارجي مباشر كما يحدث اليوم. والنتيجة: صور بروتوكولية وبيانات مطمئنة أكثر من إجراءات ردع. إن كانت وظيفته حماية أيّ عاصمة خليجية، فقد كشف القصف الأخير العكس: وجوده لم يمنع العدوان، واكتفى بمواكبته. وللمقارنة، حين غزا العراق الكويت عام 1990 تحوّلت المنطقة خلال أيّام إلى ثكنة دولية وتحالف عريض. أمّا اليوم، فحين استُهدفت الدوحة، انحصر "الدرع" في استدعاء المنابر. الأشد سخرية أنّ إسرائيل، التي يُفترض أنّها التهديد الأوّل، صارت لدى بعض المطبّعين شريكًا مُحتمَلًا لا خصمًا، ومع ذلك حين نفّذت عدوانًا مباشرًا، ظلّ الدرع فاعلًا في التصريحات فقط: درعٌ للعرض لا للحماية.

كلّ ما يجري اليوم يعود إلى لحظة السابع من أكتوبر وما تلاها: حرب إبادة تُبثّ مباشرة منذ نحو عامين، وصمت عربي رسمي يتأرجح بين "قلق عميق" ووساطات شكلية. لو كان هناك تحرّك عربي جاد منذ اللحظة الأولى، أو ضغط خليجي فعلي لإيقاف الحرب، لما بلغنا هذا المفترق. لكن ترك غزّة وحيدة، والتعامل مع مأساة أهلها على أنها ملف مزعج يُؤجَّل، فتح الباب أمام مزيد من التجرّؤ: من استباحة القطاع إلى استهداف خمس عواصم عربية في يوم واحد - دمشق وبيروت وصنعاء والدوحة وغزة - في سابقة تكشف حجم الفراغ العربي. الجذر المنسيّ إذن هو غزّة؛ تجاهلها يضعف الموقف العربي كلّه، والصمت على إبادة شعبها يتحوّل دعوة مفتوحة لتوسيع الاستهداف إلى عواصم أخرى.

ما جرى ليس حادثة عابرة، بل مفترق طرق جديد. إذا كان هذا هو شكل "التحالف" و"الردع"، فالمعادلة مكشوفة أكثر من أيّ وقت مضى: البيانات والقمم تمتص الصدمة الإعلامية، لكنها لا توقف الصواريخ. المشكلة ليست هشاشة "الردع" فحسب، ولا تبعية الحلفاء لواشنطن وحدها، بل في القاعدة التي بدأت من غزّة: عامان من الإبادة تُركت خلالهما المدينة وحيدة حتى صار استهدافها طبيعيًا، ثم تمدّدت الضربات إلى عواصم أخرى. الدرس بسيط حدّ السخرية: من ظنّ أنّ ترك غزة يحميه، يكتشف اليوم أنّ صمت الأمس تهديد مباشر لحاضر عواصمه. ومن لا يردّ اليوم على استهداف الدوحة، فقد لا يجد غدًا من يردّ حين تكون عاصمته الهدف.
 

آخر الاخبار