لكن الهجمات الحوثية الأخيرة بالصواريخ والطائرات المسيرة، ولا سيما الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، كشفت عن تحديات تواجه الدفاعات الجوية السعودية، وأعادت طرح التساؤلات بشأن قدرتها على التصدي لهجمات متعددة المصادر، والخيارات العسكرية والدبلوماسية المتاحة لوقف هجمات الحوثيين.
وذكرت وكالة "أسوشيتد برس" أن السعودية، التي تمتلك واحدة من أغلى الترسانات العسكرية وأكثرها تطورا في العالم، بما فيها الطائرات الحربية الأمريكية وأنظمة الدفاع الصاروخي والتقنيات المتقدمة، واجهت صعوبات في التصدي لوابل الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقها الحوثيون من اليمن.
وأسفرت الهجمات التي استهدفت مطارات سعودية عن سقوط قتلى وجرحى، وأجبرت تلاميذ المدارس ورجال الأعمال على البقاء في منازلهم والعمل عن بُعد، فيما أشارت الوكالة إلى أن المملكة تعاني نقصا في الصواريخ الاعتراضية، ما دفعها إلى طلب مساعدة حلفائها.
وفي 10 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، أفادت هيئة الطيران المدني السعودية بأن صاروخا أصاب مجمعا يضم صالتي الرحلات المحلية 3 و4 في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، ما أسفر عن مقتل 12 شخصا وإصابة أكثر من 300، فيما حملت القيادة المشتركة للقوات المسلحة السعودية الحوثيين مسؤولية الهجوم.
وفي اليوم التالي، أصاب مقذوف آخر الصالة نفسها، وأعلنت السلطات السعودية مقتل شخص وإصابة 11 آخرين.
ورفعت تقارير لاحقة حصيلة القتلى جراء الهجمات إلى 13 أو 14 شخصا، فيما بلغ عدد المصابين نحو 320، ووُصف الهجوم بأنه الأعنف داخل المملكة منذ أكثر من عقد، وسط تقارير عن تعرض المطار لهجمات أخرى في الأيام السابقة واستمرار الهجمات بعد ذلك.
وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجمات، بينما أفادت القيادة المشتركة للقوات المسلحة السعودية، في 12 أكتوبر/ تشرين الأول، باعتراض صاروخين باليستيين أُطلقا باتجاه الرياض.
ويبدو أن الدفاعات الجوية لم تتعطل بالكامل، لكنها لم تتمكن من منع وصول بعض المقذوفات ضمن هجمات استخدمت أنواعا متعددة من الأسلحة.
أسباب اختراق الدفاعات السعودية:
على خلفية هذه الهجمات، فتحت السعودية تحقيقا لمعرفة أسباب فشل دفاعاتها الجوية في اعتراض رشقة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، بحسب ما نقلته وكالة "أسوشيتد برس" عن مسؤولين إقليميين اثنين تحدثا بشرط عدم الكشف عن هويتيهما.
ووفقا للنتائج الأولية التي نقلها المسؤولان، بدأ الحوثيون الهجوم بإطلاق عدد من الطائرات المسيرة بهدف إشباع منظومات الدفاع الجوي وإرباكها، قبل أن يتبعوا ذلك بمزيج من الصواريخ الجناحية والباليستية.
وأضافا أن بعض الأنظمة التي يستخدمها الحوثيون مزودة برؤوس حربية قادرة على تغيير اتجاهها أثناء الطيران، ما يشكل تحديا أمام صواريخ "باتريوت" وغيرها من منظومات الاعتراض السعودية.
ويبحث التحقيق أيضا في أسباب عدم صدور إنذار مبكر كاف، رغم أن المقذوفات قطعت مسافة تتجاوز 1000 كيلومتر من اليمن إلى الرياض.
وفي هذا السياق، قال أندرياس كريغ من "كينغز كوليدج لندن"، وفق ما نقلته "أسوشيتد برس"، إن الحوثيين اكتسبوا خبرة في مواجهة الدفاعات الجوية الإسرائيلية المتطورة، منحتهم معرفة وثقة أكبر في استهداف السعودية، مضيفا: "لقد تعلموا كيفية إشباع الرادارات".
اتساع المساحة وتعدد مصادر التهديد:
لا تقتصر التحديات التي تواجه الدفاعات السعودية على طبيعة الأسلحة المستخدمة، بل تشمل أيضا مساحة المملكة التي تقارب 2.2 مليون كيلومتر مربع، وتضم مطارات ومنشآت نفطية وقواعد عسكرية وبنية تحتية حيوية يتعين حمايتها من هجمات تأتي من اتجاهات مختلفة.
واستثمرت الرياض مبالغ ضخمة في شراء مقاتلات أمريكية ومنظومات دفاع جوي متطورة، أبرزها "باتريوت" و"ثاد"، إلى جانب أسلحة من بريطانيا وفرنسا.
ومع ذلك، يفرض اتساع أراضي المملكة ضرورة توزيع المنظومات الاعتراضية على أهداف متباعدة، ما يزيد صعوبة حماية جميع المنشآت الحيوية في وقت واحد.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الحوثيين يستخدمون مزيجا من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة لإرباك الدفاعات الجوية.
وتتفاقم هذه الصعوبات مع تعدد مصادر التهديدن إذ تأتي الهجمات الإيرانية من الشرق، والطائرات المسيّرة التي تطلقها فصائل عراقية من الشمال، بينما يواصل الحوثيون هجماتهم من اليمن جنوبا.
وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عن خبراء متخصصين في إدارة المخاطر أن المنظومة الدفاعية متعددة الطبقات، التي تجمع بين "باتريوت" و"ثاد" والطائرات المقاتلة وأجهزة الاستشعار الأخرى، لا يمكنها توفير مظلة منيعة بالكامل فوق دولة بحجم السعودية.
الإنفاق العسكري السعودي وصفقات التسلح:
بلغ الإنفاق العسكري السعودي نحو 80.33 مليار دولار في عام 2024، بما يعادل 7.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) المنشورة عبر مواقع متخصصة، فيما أشارت تقارير إعلامية إلى ارتفاعه إلى نحو 83 مليار دولار في عام 2025.
وتكشف بيانات المعهد عن حجم اعتماد المملكة على واردات الأسلحة الأجنبية، إذ كانت السعودية أكبر مستورد للأسلحة الثقيلة في العالم بين عامي 2015 و2019، مستحوذة على 12 بالمئة من إجمالي الواردات العالمية، بعدما ارتفعت وارداتها بنسبة 130 بالمئة مقارنة بالفترة بين عامي 2010 و2014.
وخلال تلك الفترة، تصدرت الولايات المتحدة قائمة الموردين بحصة بلغت 73 بالمئة من واردات المملكة، تلتها بريطانيا بنسبة 13 بالمئة.
واستمر الاعتماد على الولايات المتحدة في الفترات الأحدث، إذ تراوحت حصتها بين 74 بالمئة و77 بالمئة من واردات الأسلحة السعودية خلال الفترتين 2020-2024 و2021-2025، بحسب تقارير المعهد.
وفي إطار التعاون العسكري بين الرياض وواشنطن، وافقت الولايات المتحدة في تشرين الأول/ أكتوبر 2017 على صفقة محتملة بقيمة 15 مليار دولار لتزويد السعودية بمنظومة الدفاع الصاروخي "ثاد" (THAAD).
وشملت الصفقة سبع بطاريات، و44 منصة إطلاق، و360 صاروخا اعتراضيا، وسبعة رادارات من طراز AN/TPY-2.
وفي كانون الثاني/ يناير 2026، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة بقيمة 9 مليارات دولار لشراء 730 صاروخا من طراز "باتريوت PAC-3 MSE" (Missile Segment Enhancement)، إلى جانب معدات مرتبطة بها، وفق إعلان وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA).
وتعد السعودية ثاني أكبر مشغل عالمي لمنظومة "باتريوت" بعد الولايات المتحدة، بحسب تصريحات خبراء، من بينهم نواف عبيد من "كينغز كوليدج لندن".
ولا تقتصر الصفقات الأمريكية على منظومات الدفاع الصاروخي، إذ شملت حزم دعم لطائرات F-15 وذخائر دقيقة خلال عام 2026، بقيمة إجمالية تقارب 20 مليار دولار.
كما اشترت المملكة أنظمة دفاعية أخرى، من بينها منظومة KM-SAM الكورية الجنوبية، وسبق أن أبرمت صفقة مع شركات روسية خاضعة للعقوبات لشراء منظومة دفاع جوي بقيمة تزيد على ملياري يورو، وفقا لتحقيق نشرته منظمة OCCRP في عام 2025.
خيارات الرياض العسكرية والدبلوماسية:
في مواجهة هذه التحديات، أبرمت السعودية مؤخرا ميثاق دفاع مشتركا مع باكستان وتركيا، غير أن الدولتين بدتا حتى الآن على هامش التطورات.
وفي المقابل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يقيم ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة الانضمام إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين، لكنه لم يعلن قرارا نهائيا.
وتسلط الهجمات الأخيرة الضوء على الفجوة المحتملة بين حجم الإنفاق العسكري السعودي وقدرة منظومات الدفاع الجوي على التصدي لهجمات متزامنة تستخدم أسلحة متنوعة، فامتلاك ترسانة متطورة لا يضمن اعتراض جميع المقذوفات، خصوصا في ظل نقص الصواريخ الاعتراضية، واتساع المساحة المطلوب حمايتها، وتعدد الجبهات التي تأتي منها التهديدات.
وفي ظل استمرار الهجمات على المنشآت الحيوية، تواجه الرياض تحديا يتمثل في تعزيز قدرتها على حماية المطارات والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية والبنية التحتية، بالتوازي مع تقييم الخيارات العسكرية والدبلوماسية المتاحة لوقف هجمات الحوثيين، وسط ترقب لموقف الولايات المتحدة ومدى استعدادها للمشاركة في أي تحرك عسكري ضد الجماعة.