حالة طبيب الأسنان المصري (د. محمد صفوت) ليست شذوذاً عن القاعدة، بل هي نموذج تشغيلي متكرر لمطحنة بيروقراطية-أمنية، تبتلع سنوياً عشرات المقيمين الذين دفعوا ثمن تفاعل رقمي عابر ضياعاً كاملاً لعقود من كدهم وشقاهم.
1. اللغز التقني: لماذا يستحيل أن يكون التبليغ “عفوياً”؟
منذ التحديث الأمني الصارم الذي فرضته منصة «إكس» في يونيو 2024، أصبحت قائمة الإعجابات (Likes) مخفية وخاصة بالكامل:
1. برمجيات السحب الآلي للبيانات (Data Scraping): خوارزميات رصد وتحليل استخباراتي (SOCMINT) موصولة بأدوات تفريغ متقدمة تراقب حسابات محددة مصنفة أمنياً كـ “حسابات رادار”.
2. كتائب الرصد والتوجيه: إرث غرف العمليات التي أرسى دعائمها مستشارو الديوان الملكي (وعلى رأسهم سعود القحطاني)، والتي تحولت إلى عقيدة مؤسسية تدير جيوشاً من الحسابات الموجهة لتلقف تلك البيانات وتحويلها في لحظات إلى “قضية رأي عام ومس بأمن الدولة”.
2. سابقة طوفان الأقصى: من فلسطين إلى كل مقيم
ما حدث للطبيب المصري ليس حادثاً معزولاً، بل امتداد لموجة قمع كاسحة ظهرت بأوضح صورها مع اندلاع حرب غزة (أكتوبر 2023):
3. ما بعد الفصل: هندسة الخراب المالي والشخصي
الجانب الأكثر مأساوية والذي يغيب خلف ضجيج وسائل التواصل هو “الإعدام المعيشي” الذي يتعرض له الضحية بعد صدور بيان الفصل:
1. شلل الحسابات البنكية ومصادرة المستحقات: بمجرد صدور بلاغ أمني أو إلغاء عقد العمل من طرف واحد، يتم تعليق الحساب البنكي للمقيم، مكافأة نهاية الخدمة التي جمعها عبر 10 أو 15 سنة تُحتجز تحت بند “النزاع النظامي”، ليجد نفسه بلا سيولة لتأمين طعامه أو محامٍ يدافع عنه.
2. البيع الإجباري برخص التراب: مع صدور قرار “الخروج النهائي” بمهلة لا تتجاوز أياماً معدودة، يضطر المقيم لبيع سيارته وأثاث منزله ومقتنياته بنصف أو ربع قيمتها الحقيقية، لتسديد فواتير مستعجلة وحجز تذكرة الطيران، أو يتركها خلفه لينهبها السماسرة.
3. التشريد الأسري والوصمة: لا يتوقف العقاب عند الشخص نفسه؛ بل تُقتلع عائلته وأطفاله من مدارسهم فجأة، ويعود إلى بلده مدمراً مالياً ونفسياً وموسوماً بأنه “مطرود أمنياً”، ما يحرمه من فرصة العمل حتى في دول الخليج الأخرى بسبب تبادل القوائم الأمنية.
4. خصخصة العصا الأمنية
أخطر ما في هذا المشهد هو تحول القطاع الخاص (مثل مجموعة «عيادات رام») إلى ترس مباشر في الآلة العقابية:
الخلاصة التحليلية: كلفة الأمن المطلق على جسد الاقتصاد
ما يمارسه هذا النموذج ليس مجرد “ضبط أمني”، بل هو تدمير منهجي لمفهوم الأمان التعاقدي والاستقرار الإنساني:
«إن قوة الدول واستقرارها لا يُقاسان بقدرة أجهزتها على رصد «Like» عابر في منصة رقمية، وتوظيفه كذريعة لتدمير حياة طبيب، ومصادرة جنى عمره، أو ترحيل متضامن مع وطنه وقضايا أمته، بل تُقاس بمدى قدرتها على توفير العدالة وترسيخ اليقين القانوني.
والحقيقة أن هذه المنظومة لا تبحث عن إجماع مجتمعي ولا تكترث للسمعة والحقوق ما دامت تشتري الصمت الدولي بنفوذ النفط وصفقات المليارات؛ بل تعتمد على الذباب الإلكتروني وأدوات القمع الرقمي لفرض إذعان قسري شامل وسحق أي صوت مختلف.
غير أن اختزال دولة كاملة في سجن مراقب يُدار بالخوارزميات وكتائب الترهيب—بالتوازي مع سجل مثقل بالبطش، وتصفية المعارضين، ومصادرة الحقوق—لن يصنع استقراراً، بل يراكم ديوناً ثقيلة من القهر والظلم، محوّلاً البلاد إلى فوهة بركان ينفث الدخان والرماد، يبدو هادئاً وخاضعاً على السطح، بينما لا أحد يعلم اللحظة التي سينفجر فيها.»
![]()
*«البانوبتيكون»:
هو مفهوم فلسفي ابتكره جيريمي بنثام وطوّره ميشيل فوكو؛ يُقصد به نموذج لـ «برج مراقبة مركزي وخفي» يرى كل شيء دون أن يراه أحد.
وفي الفضاء الرقمي، يعني شعور المستخدم بأنه مراقب طوال الوقت؛ فيتحول هو بنفسه إلى رقيب على كلماته وتصرفاته، ويمارس الصمت والرقابة الذاتية لتجنب العقاب حتى دون الحاجة لشرطي يقف خلفه.