وعلى الرغم من أن الملك سلمان يبقى في قمة هرم السلطة، فإن استمرار محمد بن سلمان على رأس مجلس الوزراء يعكس الدور التنفيذي المتزايد الذي بات يؤديه ولي العهد، بعدما أصبح يمسك بعدد من أبرز الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية في المملكة.
رئاسة مجلس الوزراء ليست موقعاً جديداً بالنسبة إلى محمد بن سلمان، إذ يتولاها منذ سبتمبر 2022. إلا أن إعادة تثبيت موقعه في التشكيلة الحكومية تحمل دلالة سياسية تتجاوز مجرد إعادة توزيع المناصب.
فولي العهد يجمع بين منصب ولي العهد ورئاسة الحكومة، ما يمنحه موقعاً مركزياً في عملية صنع القرار التنفيذي، في وقت يبقى فيه الملك سلمان رأس الدولة.
وبذلك، تتكرس تدريجياً صورة لنظام سياسي أصبح فيه ولي العهد حاضراً بقوة في الإدارة اليومية لمؤسسات الدولة.
هذا التحول لا يمكن فصله عن مسار بدأ قبل سنوات، خصوصاً منذ حملة الريتز كارلتون عام 2017، والتي أعقبها إبعاد عدد من المنافسين والأمراء البارزين.
ومنذ ذلك الوقت، توسع نفوذ محمد بن سلمان ليشمل ملفات الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية، بالتوازي مع مشروع واسع لإعادة تشكيل الدولة السعودية ومؤسساتها.
وأصبح ولي العهد أحد أبرز صناع القرار في المملكة، فيما تراجع الدور التنفيذي المباشر للملك في إدارة التفاصيل اليومية للحكم.
السؤال الذي تطرحه التطورات الأخيرة لا يتعلق فقط بمن يرأس مجلس الوزراء، وإنما بمستقبل شكل الحكم السعودي. فمحمد بن سلمان يمسك اليوم بجزء كبير من مفاتيح السلطة التنفيذية وهو لا يزال ولياً للعهد. وهذا يطرح تساؤلاً حول طبيعة المرحلة التي ستبدأ في حال انتقال العرش إليه مستقبلاً.
هل سيكون الأمر مجرد انتقال للعرش من الملك سلمان إلى نجله؟ أم أن انتقال العرش سيكون في الوقت نفسه انتقالاً كاملاً للسلطة التنفيذية إلى شخص واحد؟
وعلى الرغم من اتساع نفوذ ولي العهد، يبقى الملك سلمان في قمة هرم السلطة السعودية، بوصفه ملك البلاد وصاحب الموقع الأعلى في النظام السياسي.
لكن استمرار محمد بن سلمان في رئاسة الحكومة، إلى جانب دوره في الملفات الأساسية للدولة، يعكس واقعاً أصبحت فيه إدارة الشؤون التنفيذية مرتبطة بدرجة كبيرة بولي العهد.
وهنا تظهر المفارقة: الملك لا يزال في قمة السلطة، لكن ولي العهد يدير جانباً واسعاً من تفاصيل الحكم.
إذا استمر هذا المسار، فإن وصول محمد بن سلمان إلى العرش لن يمثل بالضرورة بداية نفوذه، بل قد يكون تتويجاً لمسار طويل من تركيز السلطة.
فولي العهد لا ينتظر اعتلاء العرش حتى يوسع حضوره في إدارة الدولة، وإنما يرسخ موقعه التنفيذي تدريجياً من داخل مؤسسات الحكم.
وبذلك، فإن السؤال الأبرز لم يعد متى ينتقل العرش، وإنما ما إذا كان الانتقال الفعلي للسلطة قد بدأ بالفعل قبل انتقال العرش نفسه.
وفي هذه الحالة، قد تكون السعودية أمام مرحلة يصبح فيها الملك ورئيس الحكومة وصاحب القرار التنفيذي الأول شخصاً واحداً، بما يعيد رسم طبيعة الحكم في المملكة خلال السنوات المقبلة.