عاجل:
السلطات السعودية من حضيض الوهابية إلى حفلات الترفيه
الاخبار 2026-08-18 09:52 665 0

السلطات السعودية من حضيض الوهابية إلى حفلات الترفيه

رصد الكاتب البريطاني بول وود في مقال نشرته مجلة The Spectator تحولات عميقة طرأت على موقع الإسلام السياسي والمؤسسة الدينية في الشرق الأوسط، واضعاً السعودية في مقدمة الدول التي شهدت تغييراً واسعاً في العلاقة بين السلطة والدين، ولا سيما منذ صعود ولي العهد محمد بن سلمان إلى مركز القرار ونهجه القائم على إعادة تشكيل بلاد الحرمين.

وأشار وود إلى أن التحول السعودي يختلف عن التجارب التي شهدتها دول أخرى، بحيث لم يقتصر على تقليص نفوذ الإسلاميين، بل امتد إلى إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية والثقافية للمملكة، بالتوازي مع إحكام السيطرة السياسية على مختلف أشكال المعارضة.

 

ووصف الكاتب وضع محمد بن سلمان للمؤسسة الدينية الوهابية بأنه “سحق” لنفوذها، في إشارة إلى التراجع الكبير في الدور الذي كانت تؤديه المؤسسة الدينية داخل الدولة والمجتمع السعودي.

 

وربط ذلك بسياسة أوسع اتبعها ولي العهد تجاه خصومه، شملت، الناشطين المؤيدين للديمقراطية والمؤسسة الدينية على حد سواء.

 

ولفت المقال إلى أن التحول لم يبدأ من الصفر مع صعود محمد بن سلمان، إذ كانت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تعرضت قبل ذلك لتقليص كبير في صلاحياتها.

 

وأوضح أن عناصر الهيئة جُردوا من صلاحية الاعتقال، وأصبح دورهم يقتصر على تقديم “النصح” بصورة هادئة، بعدما كانت الهيئة تمثل إحدى أبرز أدوات فرض المعايير الدينية والاجتماعية في الحياة اليومية السعودية.

 

وربط وود بين هذا التغيير وبين المشهد الجديد الذي باتت تظهر فيه السعودية بصورة مختلفة عن صورتها التقليدية.

 

وأشار إلى أن النساء أصبحن قادرات على قيادة السيارات، بينما عادت دور السينما إلى العمل، وانتشرت الحفلات الموسيقية والفعاليات الرياضية، بما في ذلك مباريات الملاكمة، في تحول اجتماعي واسع لم يكن متصوراً قبل سنوات قليلة.

 

وأثار الكاتب جانباً أكثر حساسية من التحول عندما أشار إلى إمكانية شراء الأجانب الأثرياء غير المسلمين المشروبات الكحولية في الرياض، معتبراً ذلك مثالاً إضافياً على اتساع الفجوة بين السعودية الحالية والصورة الاجتماعية والدينية التي ارتبطت بالمملكة لعقود.

 

ويضع المقال هذه التغييرات في سياق أوسع يرى أن الإسلاموية السياسية تتراجع في أجزاء واسعة من العالم الإسلامي.

 

ويستشهد وود برأي أستاذ جامعة أكسفورد فيصل ديفجي، الذي يعتبر أن صعود الإسلاموية السياسية شهد تراجعاً، وأن نماذج الحكم التي تستند إلى رجال الدين أو تدعي التحدث باسم الدين لم تعد تتمتع بالجاذبية نفسها التي كانت لها في مراحل سابقة.

 

لكن الكاتب لا يقدم السعودية باعتبارها نموذجاً علمانياً مكتمل الأركان، بل يشير إلى وجود حدود واضحة أمام مشروع التغيير الذي يقوده محمد بن سلمان.

 

ويبرز في هذا السياق استمرار آل سعود في حمل لقب “خادم الحرمين الشريفين”، واحتفاظ مكة والمدينة بمكانة مركزية في شرعية الحكم السعودي.

 

ويعني ذلك، بحسب قراءة المقال، أن التحول الاجتماعي لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية والدينية التي تحكم المملكة.

 

فمحمد بن سلمان يستطيع إعادة صياغة كثير من مظاهر الحياة العامة، وتقليص نفوذ المؤسسة الدينية، وتوسيع قطاع الترفيه، لكنه يتحرك في النهاية داخل دولة تستمد جزءاً أساسياً من شرعيتها من رعاية أقدس المواقع الإسلامية.

 

ويضع وود التجربة السعودية إلى جانب تجارب أخرى في المنطقة، بينها تركيا وماليزيا وسوريا، للإشارة إلى ظهور أشكال جديدة من العلاقة بين الإسلام والسياسة.

 

ويقول إن هناك نمطاً جديداً يمكن وصفه بـ”الإسلاموية النيوليبرالية”، حيث ينتقل التركيز من مشروع الجهاد أو إقامة دولة دينية إلى نمط حياة واستهلاك يحملان طابعاً إسلامياً.

 

وفي المقابل، يحذر المقال من الاستنتاج المتسرع بأن الإسلاموية انتهت بصورة نهائية. ويشير إلى أن تجارب المنطقة أظهرت قدرة التيارات المتشددة على العودة عندما تتوافر بيئات سياسية وأمنية مناسبة، خصوصاً في الدول التي تشهد حروباً أو انهياراً مؤسساتياً.

 

ويخلص وود إلى أن الشرق الأوسط قد يكون بالفعل أمام مرحلة تتراجع فيها مركزية الإسلام السياسي، لكن ذلك لا يعني اختفاء التيارات المتشددة أو الأفكار التي غذتها.

 

ويطرح تجربة السعودية باعتبارها واحدة من أكثر التحولات وضوحاً: تقليص نفوذ المؤسسة الدينية، إحكام السيطرة السياسية، وتوسيع مساحة الترفيه والانفتاح الاجتماعي، مع إبقاء المرجعية الرمزية للحرمين الشريفين في قلب شرعية الدولة.

 

آخر الاخبار