شهدت المملكة العربية السعودية خلال الفترة من 13 إلى 19 ديسمبر سلسلة أحداث متزامنة عكست طبيعة المرحلة التي تُدار فيها البلاد بسلطة شديدة التركّز بيد محمد بن سلمان، في ظل تراجع ملحوظ لمساحات المحاسبة، وتشدد أمني وقضائي، وضغوط اقتصادية متزايدة على المجتمع.
في الملف الحقوقي، سُجّل تصعيد غير مسبوق في تنفيذ أحكام الإعدام، حيث تجاوز عدد المنفذ بحقهم القتل خلال عام واحد أرقامًا قياسية سابقة.
بعض هذه الحالات نُفذت في وقت كانت فيه القضايا لا تزال محل مراجعة قانونية، ما أظهر تسارعًا في استخدام عقوبة القتل كأداة ثابتة ضمن منظومة الحكم، وليس كاستثناء قضائي.
هذا النهج ترافق مع استمرار احتجاز معارضين وناشطين، وتوسيع التهم المرتبطة بالإرهاب والتعبير الرقمي.
دينيًا وإعلاميًا، فجّر حذف مقطع من خطبة الجمعة في المسجد الحرام جدلًا واسعًا، بعدما أُزيلت جملة تشيد بأطفال فلسطين بوصفهم نموذجًا للرجولة والمقاومة، مع الإبقاء على بقية الخطبة.
الواقعة عكست مستوى غير مسبوق من ضبط الخطاب الديني عبر الإعلام الرسمي، وأظهرت أن سقف المسموح لم يعد يتجاوز التعاطف الإنساني، فيما يُحاصَر أي توصيف سياسي للاحتلال.
الخطوة لم تكن حدثًا معزولًا، بل انسجمت مع مسار يقوده محمد بن سلمان لإعادة مواءمة الخطاب الديني مع أولويات السياسة الخارجية.
اقتصاديًا، كشفت مؤشرات الأسبوع عن فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي المتفائل والتحذيرات المتعلقة بالعجز المالي واستدامة الإنفاق.
ورغم الترويج لتنويع مصادر الدخل، أظهرت الأرقام استمرار ضعف الأداء في سوق الأسهم، وتراجع قدرة البلاد على جذب الاستثمارات الأجنبية، في ظل تغيّر السياسات وتذبذب إدارة المشاريع الكبرى.
كما برزت سياسات الخصخصة وبيع الأصول العامة كخيار متسارع لتوفير السيولة، ما أعاد طرح تساؤلات حول مستقبل الخدمات وسيطرة صندوق الاستثمارات العامة على قطاعات حيوية، في ظل غياب أي رقابة مستقلة على قرارات البيع أو وجهة العوائد.
في المقابل، واصل المواطن تحمّل العبء الأكبر لهذه السياسات.
فقد سجّل تضخم الإيجارات ارتفاعًا لافتًا، ما وضع شريحة واسعة تحت ضغط معيشي متزايد، في وقت يتواصل فيه الإنفاق الضخم على مشاريع ترفيهية ومدن مستقبلية ذات كلفة عالية، دون انعكاس ملموس على مستوى المعيشة.
سياسيًا، عاد ملف كأس العالم 2034 إلى الواجهة، ليس بوصفه حدثًا رياضيًا، بل كأداة لتلميع الصورة الدولية للمملكة، وسط تحذيرات من استخدامه كواجهة لتجاوز الانتقادات الحقوقية.
هذا المسار عزز صورة إدارة تعتمد على القوة الناعمة لتغطية سجل داخلي مثقل بالانتهاكات.
جميع هذه الملفات تقاطعت خلال أسبوع واحد، وأكدت أن القرار في المملكة بات مرتبطًا بشخص واحد، يدير السياسة والاقتصاد والإعلام والأمن بشكل مباشر، في نموذج يربط مصير الدولة برؤية فرد، دون مؤسسات قادرة على الاعتراض أو التصحيح.
خلاصة الأسبوع
ما جرى بين 13 و19 ديسمبر يظهر نمطًا متكاملًا في إدارة السعودية: تشديد في القمع، استخدام مكثف للعقوبات القصوى، ضبط صارم للخطاب الديني والإعلامي، إنفاق ضخم وخصخصة متسارعة، مقابل أعباء معيشية متزايدة على المواطن.
ليست هذه أحداثًا منفصلة، بل ملامح مرحلة تُدار فيها البلاد بمنطق السلطة المطلقة، حيث تُدار الأزمات بالردع، وتُقدَّم المشاريع الكبرى بوصفها إنجازات، فيما تغيب المحاسبة، وتتراكم الكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.