في أسبوع جديد من الصخب السياسي والاقتصادي، بدت السعودية وكأنها تعيد إنتاج نفسها في مشهد مأزوم يتراوح بين الدعاية الفارغة والفضائح الأخلاقية والسياسية. ما بين واشنطن والرياض، يتكرّر اسم محمد بن سلمان بصفته محور الأزمات ووجهها الأكثر وضوحًا: رجل سلطة يتماهى مع المال والهيمنة، ويخوض مغامرته الكبرى بلا شبكة أمان.
هذا التقرير المفصل يستعرض أبرز الأحداث والتداعيات التي شكلت المشهد السعودي خلال الفترة من 15 إلى 21 نوفمبر 2025.
من واشنطن إلى المنشار: استعراض السلطة والذل
عاد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واجهة الإعلام الدولي مع زيارة أثارت جدلاً واسعًا في الولايات المتحدة، عقب سلسلة تسريبات ومقاطع مصوّرة تظهر تفاصيل لقائه بالرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب. لم تكن هذه الزيارة مجرد لقاء دبلوماسي روتيني، بل كانت استعراضًا مكشوفًا للسلطة والخضوع.
مسرح الإذلال العلني في واشنطن
الزيارة، التي رُوِّج لها إعلاميًا كفتح سياسي واقتصادي ضخم، تحولت القاعة البيضاء إلى مسرح إذلال علني، حيث تُرجمت العلاقة بين الرياض وواشنطن إلى تبادل تجاري قاسٍ. في المقاطع المسربة، ظهر دونالد ترامب وهو يستعرض الأموال السعودية بوقاحةٍ تجاريةٍ صرفة، وكان ابن سلمان يبتسم بخضوع، متعهدًا برفع الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة من 600 مليار دولار إلى التريليون دولار.
الهدف من هذا الاستعراض كان واضحًا ومباشرًا: شراء الصمت الأميركي على الجريمة التي وُصفت بـ"جريمة المنشار" – مقتل الصحافي جمال خاشقجي – مقابل صفقات سلاح ونفط واستثمارات مقدّرة بمئات المليارات.
هذا التبادل يُعَدُّ نموذجًا مكتملاً لكيفية تحويل السيادة الوطنية إلى سلعة تُباع بأبخس الأثمان، وهو ما يرسخ مفهوم "الولاء القسري" الذي تفرضه القوى العظمى على الأنظمة التابعة.
عشاء الأوليغاركية الجديدة
أثناء عشاء أقيم على شرف ولي العهد، تجسد المشهد بصورة أكثر رمزية وقوة. جلس أغنى أغنياء العالم إلى طاولة واحدة: ترامب، إيلون ماسك، وأبرز الأسماء في عالم المال والأعمال، إلى جانب محمد بن سلمان. المشهد، كما وصفه أحد المعلقين الأميركيين في مقطع فيديو مسجل، كان يمثل "أمراء المال في العالم وهم يقعدون مع ابن سلمان لتقسيم الكوكب بين الأوليغاركية الجديدة والحرب على الديمقراطية."
هذه الشراكة، التي تُبنى على استبدال القيم بالاستثمارات، وعلى مقايضة الدم بالنفوذ، تظهر هشاشة النظام القائم على علاقات شخصية بدلًا من المؤسسات الرسمية. إنها شبكة من المصالح العابرة للقارات، حيث يصبح الولاء لـ"الرجل الأقوى" هو المعيار الأوحد للتعامل.
صفقة "أف-35"… شراء السلاح بلا سيادة
تُعتبر صفقة المقاتلات الأميركية من طراز F-35 إحدى أبرز النقاط التي كشفت حجم التبعية العسكرية والسياسية للسعودية.
التقارير الموثقة التي تسربت خلال الأسبوع أكدت أن النسخة السعودية من هذه الطائرات ليست سوى نسخة منقوصة ومشوّهة من المشروع الأصلي.
القدرات المنقوصة ومفتاح الإيقاف
الصفقة تضمنت مقاتلات "أف-35" خاضعة لقيود صارمة:
أنظمة الحرب الإلكترونية: الطائرات مجرّدة بالكامل من أنظمة الحرب الإلكترونية المتقدمة، مما يحد من قدرتها القتالية في بيئات النزاع الحديثة.
مفتاح الإيقاف (Kill Switch): النسخة السعودية خاضعة بالكامل لما يسمى "مفتاح الإيقاف" الأميركي، والذي يمكّن واشنطن من تعطيل الطائرات بشكل كامل وفوري متى شاءت الإدارة الأميركية.
ورغم دفع المليارات، تبقى الدولة السعودية رهينة إذلال تكنولوجي دائم؛ فإما أن تمتلك طائرات "معطلة عن بعد" أو لا تمتلك شيئًا. هذا يعني غيابًا تامًا للسيادة على السماء، وغيابًا للاستقلال في قرار التشغيل العسكري.
التفوق النوعي الإسرائيلي كحاجز
يتباهى ترامب بما يسميه إنجازًا استراتيجيًا بضمان استمرار تدفق الأسلحة، لكن الحقيقة أن القرار النهائي بشأن القدرات العسكرية السعودية يظل بيد طرف ثالث. إذ يضمن قانون التفوق النوعي لإسرائيل (Qualitative Military Edge - QME) أن تبقى كل صفقات الأسلحة الموجهة للدول العربية دون مستوى السلاح الممنوح لتل أبيب.
هذا المشهد هو مثال آخر على الإهانة العلنية التي يبتلعها محمد بن سلمان في سبيل البقاء مقبولاً على الطاولة الأميركية، حيث تُباع المصالح الوطنية بأثمان باهظة للحفاظ على علاقة شخصية مع الرؤساء الأميركيين.
إبستين والظل الأخلاقي الثقيل
في الخلفية المظلمة للزيارة، كشفت وثائق الكونغرس الأميركي ومراسلات إدارة تركة الملياردير جيفري إبستين خيوط علاقة مثيرة للريبة تربط ولي العهد السعودي بالشبكة الأخلاقية الأشهر عالميًا.
هذه الوثائق تضيف بعدًا إضافيًا لـ"ثمن البقاء" في دوائر النخبة الغربية.
الروابط الشخصية والمالية المشبوهة
تشير الرسائل والمراسلات المسرّبة إلى ضيافات وروابط شخصية ومالية متعددة بين رجال مقربين من محمد بن سلمان وشبكة إبستين. من بين التفاصيل المثيرة للقلق:
هدية "الخيمة الفاخرة":إشارة إلى هدية فاخرة قُدمت لإبستين من جهات سعودية مرتبطة بولي العهد.
الاستثمارات في شبكة النفوذ:وثائق تتحدث عن استثمارات سعودية ضخمة وراء الكواليس في شبكة نفوذ دولية بعيدة عن الرقابة، غالبًا ما تكون مرتبطة بصفقات مشبوهة.
الأمر لم يقتصر على المراسلات؛ إذ أظهرت صور تم العثور عليها في قصر إبستين في مانهاتن، والتي عُرضت جزئيًا، وجود ملامح تشير إلى محمد بن سلمان في إحدى القاعات. هذا يضيف بُعدًا سياسيًا قاتمًا للمشهد؛ علاقة تتقاطع فيها المصالح الاستثمارية والابتزاز، والجنس، والسياسة، مما يمثل ورقة ضغط محتملة.
أوراق الضغط المستقبلية
يرى مراقبون أميركيون أن هذه الوثائق، حال نشرها بالكامل، قد تُستعمل كورقة ضغط مستقبلية لتقييد نفوذ ولي العهد في أي صفقة دولية قادمة، خاصة مع استمرار الضغوط داخل الكونغرس للمطالبة بنشر ملفات إبستين كاملة دون تورية أو حذف.
إنها التركة التي تركها "الفساد الأخلاقي" المرتبط بالعرش الجديد.
الاقتصاد… زخم دعائي فوق أرض رخوة
على الصعيد الداخلي، تتواصل الأزمة البنيوية للاقتصاد السعودي رغم كل الزينة الإعلامية والإنفاق الهائل.
التقارير الاقتصادية الواقعية تصف ما يجري بأنه "تحفيز مصطنع" قائم على قرارات فوقية سريعة تهدف إلى إظهار إنجازات غير مستدامة.
قرارات الإجبار والهيمنة
من أبرز مظاهر هذا التحفيز المصطنع:
نقل المقرات: إجبار الشركات العالمية الكبرى على نقل مقارها الرئيسية الإقليمية إلى الرياض تحت طائلة الحرمان من العقود الحكومية الكبرى. هذا يخلق كثافة زائفة للشركات دون نمو عضوي حقيقي.
الخصخصة غير المنضبطة: موجة سريعة من الخصخصة تفتقر إلى الضوابط الشفافة، مما يؤدي إلى تركيز الأصول في أيدي جهات مقربة من السلطة، بعيدًا عن مبادئ السوق الحرة.
سوق العمل والواقع المعيشي
سوق العمل يشهد انكماشًا مقنَّعًا. فبينما تُنشر أرقام بطالة رسمية منخفضة، يظهر الواقع أن نسبة كبيرة من السعوديين إما يعملون في وظائف حكومية غير منتجة أو يعتمدون على دعم مباشر. في الوقت نفسه، يشهد قطاع الإيجارات اشتعالًا غير مسبوق، مع ارتفاعات قياسية في أسعار العقارات التجارية والسكنية، مما يثقل كاهل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأفراد.
السياسة الاقتصادية المتهورة توصف بأنها "لعب بالنار على أرض مشبعة بالنفط والدَّين"، حيث يتم الاعتماد الكلي على الإنفاق الرأسمالي الضخم الذي يمول بالاستدانة، وليس بالنمو الإنتاجي الحقيقي.
التغريب الشكلي مقابل الاستبداد العميق
يتواصل الهدر الأخلاقي في مشهد "الانفتاح الشكلي".
المهرجانات الضخمة، والفعاليات الترفيهية الصاخبة، وافتتاح "البارات الخالية من الكحول"، كلها تُستخدم كأدوات تغليف سريعة لصورة التغريب، وهي مغلفة بورق توت ديني مشدود يهدف لإرضاء الحلفاء الغربيين.
لكن في العمق، كما يصف أحد المحللين، لا يزال كل شيء يدور في فلك الرجل الواحد الذي يحتكر الرؤية والقرار والمال، دون أي مساحة للمعارضة أو الرأي المخالف.
بين واشنطن ومكة… موت بلا كرامة
في خضم هذا الصراع المحموم على تلميع الصورة الخارجية، تسرّبت معلومات حاول الإعلام الرسمي دفنها، وهي تمثل الوجه الآخر لنظام الترفيه والإنفاق الفلكي.
التعتيم على وفيات المعتمرين
تأكدت معلومة وفاة أربعة وخمسين معتمرًا من الجنسية الهندية بسبب الإهمال والظروف القاسية التي أحاطت بموسم العمرة الأخير.
الخبر مرَّ بلا ذكر أو تغطية في الإعلام الرسمي، وتم التعتيم عليه كليًا لمنع تضرر صورة "النجاح التنظيمي" للمواسم الدينية.
إنها الحكاية ذاتها كل أسبوع:
تلميع خارجي مبالغ فيه وتنكيل داخلي بالحقوق والكرامة. دماء تُهدر بصمت تحت أقدام أبهةٍ مصطنعة، والقيمة الحقيقية للحياة الإنسانية تُسحق أمام ضرورة الحفاظ على السردية الإعلامية المعتمدة.
خلاصة الأسبوع: الولاء القسري كعقد بقاء
لم يكن الأسبوع بين 15 و21 نوفمبر سوى مرآة مكبّرة لمرحلة كاملة من الحكم تحت قيادة محمد بن سلمان.
دولة يغرق ولي عهدها في صفقات مهينة، تختلف عناوينها بين السلاح والجنس والتطبيع، لكنها تلتقي جميعًا في جوهر واحد هو الولاء القسري للغرب مقابل البقاء على السلطة.
كل ما يُشترى بالمال يُباع بالإهانة والتبعية، وكل صمت أميركي جديد له ثمنه المدفوع إما بالدولار في صورة استثمارات مُوجهة أو بالدم في صورة تنازلات سيادية أو إهمال داخلي.
وفي النهاية، يطلّ محمد بن سلمان كظلّ دولة منهكة، يكدّس صورته المصقولة فوق رماد الواقع المعاش، معتقدًا أن التاريخ يمكن شراؤه مثل صفقة سلاح، أو دفنه مثل جثامين المعتمرين الذين سقطوا بغير اسم على أرض الحرمين الشريفين.
إنها تركَة الفساد المستمر والولاء المفروض الذي يهدد استدامة أي نظام سياسي يقوم على هذه الأسس الهشة.