معتبراً أن الرياض انتقلت من مرحلة كانت فيها منخرطة في مفاوضات متقدمة للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام إلى تبني رؤية إقليمية مختلفة تقوم على تقليص الاعتماد على المحور الأمريكي- الإسرائيلي والسعي لبناء ترتيبات أمنية بديلة في المنطقة.
ويشير التقرير إلى أن محمد بن سلمان كان قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 منخرطاً في مفاوضات نشطة مع واشنطن حول اتفاق واسع النطاق يشمل تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" مقابل حصول "السعودية" على مجموعة من المكاسب الاستراتيجية، من بينها اتفاقية دفاعية مع الولايات المتحدة وبرنامج نووي مدني. وبحسب التقرير، كانت دوائر القرار الأمريكية و"الإسرائيلية" تنظر إلى انضمام "السعودية" لاتفاقيات أبراهام باعتباره مسألة وقت وشروط سياسية مناسبة أكثر من كونه خياراً محل خلاف داخل القيادة السعودية.
لكن التطورات التي أعقبت الحرب على غزة، وما رافقها من توسع للصراع في أكثر من ساحة إقليمية، دفعت الرياض – وفق التقرير – إلى إعادة تقييم المشهد الإقليمي بصورة أوسع. ويرى الكاتب أن القيادة السعودية باتت تنظر إلى المواجهة المتصاعدة بين إيران و"إسرائيل" باعتبارها مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار في المنطقة، وأن دول الخليج أصبحت مهددة بتحمل كلفة هذا الصراع بغض النظر عن موقعها منه.
ويستعرض التقرير التغير الذي طرأ على الخطاب الرسمي السعودي بعد اندلاع الحرب على غزة، موضحاً أن الرياض انتقلت من تجميد مؤقت لمسار التطبيع إلى رفع سقف شروطه السياسية. ومع تصاعد الغضب الشعبي العربي والإسلامي بسبب الحرب، تبنت "السعودية" مواقف أكثر انتقاداً للعمليات العسكرية "الإسرائيلية"، قبل أن تعلن أن أي علاقة دبلوماسية مستقبلية مع "إسرائيل" يجب أن ترتبط بقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
إلا أن التقرير لا يقدم هذا التحول باعتباره نتاجاً لمراجعة جوهرية للموقف السعودي من القضية الفلسطينية، بل يربطه أساساً بحسابات استراتيجية وأمنية جديدة فرضتها التطورات الإقليمية. فبحسب الكاتب، كانت القيادة السعودية منخرطة في مفاوضات متقدمة بشأن التطبيع قبل الحرب، ولم يبدأ التراجع عن هذا المسار إلا بعد أن أدت الحرب وما تبعها من أزمات إلى تغيير تقديرات الرياض للمخاطر والمكاسب المرتبطة بالانخراط في مشروع التطبيع.
ويولي التقرير اهتماماً خاصاً للعمليات العسكرية "الإسرائيلية" التي توسعت من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن وغيرها من الساحات. فمن وجهة نظر الكاتب، عززت هذه العمليات في الرياض قناعة متزايدة بأن الانخراط في ترتيبات أمنية مرتبطة بـ"إسرائيل" قد يجر دول الخليج إلى صراعات إقليمية أوسع، بدلاً من أن يوفر لها مظلة استقرار طويلة الأمد كما كان يُروّج عند إطلاق اتفاقيات أبراهام.
كما يتوقف التقرير عند الضربة "الإسرائيلية" التي استهدفت وفداً من حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة خلال عام 2025، معتبراً أنها شكلت محطة مهمة في تطور التفكير السعودي. ويرى الكاتب أن تنفيذ عملية عسكرية "إسرائيلية" داخل دولة خليجية تستضيف قاعدة أمريكية رئيسية أثار تساؤلات لدى الرياض بشأن حدود النفوذ الأمريكي وقدرة واشنطن على ضبط سلوك حلفائها أو منع توسع الصراعات في المنطقة.
وفي سياق متصل، يتحدث التقرير عن تزايد التباينات بين "السعودية" والإمارات بشأن مستقبل الترتيبات الإقليمية. فبينما واصلت أبوظبي الاستثمار في مسار اتفاقيات أبراهام وتعزيز علاقاتها مع "إسرائيل"، اتجهت الرياض – بحسب التقرير – نحو بناء شبكة مختلفة من الشراكات والتحالفات شملت اتفاقيات دفاعية مع باكستان، وتطوير العلاقات مع قطر، وتوسيع التعاون مع تركيا ومصر.
ويعتبر الكاتب أن هذه الخطوات تعكس سعياً سعودياً لتأسيس إطار إقليمي جديد لا تكون "إسرائيل" جزءاً مركزياً منه، بل تكون الرياض فيه الطرف القادر على جمع عدد من القوى الإقليمية حول ترتيبات أمنية وسياسية مستقلة نسبياً عن النموذج الذي روّجت له واشنطن خلال السنوات الأخيرة.
كما يشير التقرير إلى أن الحرب اللاحقة بين إيران و"إسرائيل" مثلت اختباراً عملياً للنموذجين المتنافسين في الخليج. فالدول الخليجية المنخرطة في اتفاقيات أبراهام، وفي مقدمتها الإمارات والبحرين، تعرضت وفق التقرير لضغوط وتهديدات إيرانية مباشرة خلال المواجهة، وهو ما استخدمته الرياض لتعزيز حجتها القائلة إن الارتباط بالمحور الأمريكي – "الإسرائيلي" لا يضمن بالضرورة الحماية من تداعيات الصراعات الإقليمية.
كما يلفت التقرير إلى أن "السعودية" حاولت خلال تلك المرحلة تجنب الانخراط الكامل في المواجهة، وسعت إلى المحافظة على هامش من التواصل مع مختلف الأطراف. ويعتبر الكاتب أن هذا النهج ساعد الرياض على تقليل حجم الأضرار التي تعرضت لها مقارنة ببعض الدول الأخرى، كما منحها مساحة أكبر للمناورة الدبلوماسية خلال الأزمة.
ويخصص التقرير مساحة واسعة للحديث عن مذكرة التفاهم التي أُبرمت لاحقاً بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أنها شكلت محطة مهمة في ترسيخ القناعة السعودية بأن واشنطن قد تعطي الأولوية في نهاية المطاف لاعتبارات الاستقرار الاقتصادي العالمي وتجنب التصعيد الواسع، حتى لو تطلب ذلك التوصل إلى تفاهمات مباشرة مع طهران.
وبحسب التقرير، فإن نتائج الحرب وما أعقبها من ترتيبات سياسية عززت لدى القيادة السعودية الشكوك بشأن جدوى التعويل الكامل على التحالف الأمريكي –الإسرائيلي بوصفه أساساً للأمن الإقليمي. كما دعمت التوجه نحو البحث عن صيغ بديلة تسمح للرياض بلعب دور أكبر في إدارة التوازنات الإقليمية.
ويشير الكاتب إلى أن "السعودية" عملت خلال تلك الفترة على الدفع باتجاه أطر تشاور جديدة ضمت دولاً مثل تركيا وباكستان ومصر، فيما سعت أيضاً إلى تطوير حوارات إقليمية أوسع تتناول قضايا الأمن البحري وعدم الاعتداء وخفض التوتر بين دول المنطقة.
وفي ختام التقرير، يقر معهد "جينسا" بأن الحرب في غزة وما تبعها من تحولات إقليمية أضعفت بصورة كبيرة فرص انضمام "السعودية" إلى اتفاقيات أبراهام في المدى المنظور. كما يرى أن الرياض تحاول تقديم نفسها باعتبارها مركزاً لنموذج إقليمي بديل يقوم على قدر أكبر من الاستقلالية عن المحاور التقليدية.
ورغم أن التقرير ينتقد هذا التوجه ويعتبر أن مساواة "السعودية" بين إيران و"إسرائيل" كمصدرين لعدم الاستقرار الإقليمي تمثل قراءة غير دقيقة للواقع، فإنه يعترف في الوقت نفسه بأن التطورات التي شهدتها المنطقة منذ السابع من أكتوبر أدت إلى تراجع جاذبية مشروع التطبيع بالنسبة للرياض، وأسهمت في تعزيز التوجه نحو بناء ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تتجاوز الإطار الذي قامت عليه اتفاقيات أبراهام.
وتبرز أهمية التقرير في كونه صادراً عن مركز أمريكي معروف بدعمه للعلاقات الأمريكية- الإسرائيلية، ما يجعله مؤشراً على تنامي القلق داخل بعض الأوساط المؤيدة للتطبيع من تراجع احتمالات انضمام "السعودية" إلى هذا المسار، ومن سعي الرياض إلى تقديم نفسها كقوة إقليمية تقود ترتيبات موازية قد تنافس النموذج الذي روّجت له واشنطن و"إسرائيل" خلال السنوات الماضية.