عاجل:
الحج بين قدسية العبادة وتوظيف القمع السياسي
حدث وتحليل 2026-06-01 14:06 356 0

الحج بين قدسية العبادة وتوظيف القمع السياسي

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

الحج في جوهره عبادة عظمى، لكنه ليس عبادةً معزولة عن وعي الأمة ومسؤوليتها الأخلاقية.

فهو ليس رحلةً روحية فردية فحسب، بل موسمٌ تتجلّى فيه وحدة المسلمين، وتُستعاد فيه معاني الأخوة والنصرة والشهادة على أحوال الأمة. ومن هنا، فإن اختزال الحج في بُعد تعبدي ضيق، ثم استخدام هذا الاختزال لمنع أي تعبير عن قضايا المسلمين، ليس حفاظًا على قدسية الشعيرة، بل تفريغٌ لها من أحد أعمق معانيها الجامعة.

 

قال تعالى:

{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ}

وقال سبحانه:

{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}

 

وهذه المنافع لا تُختزل في أداء الأعمال التعبدية بصورتها الفردية، بل تشمل ما تقوم به حياة الأمة من مصالح الدين والوعي والتعارف والتناصر.

فالحج، بحكم طبيعته، ليس تجمعًا صامتًا بلا رسالة، ولا لقاءً بشريًا هائلًا منزوع الصلة بما يعيشه المسلمون من ظلم وعدوان وحصار.

وفي السُنة النبوية، لا تنفصل العبادة عن المسؤولية، ولا التدين عن الانحياز الأخلاقي.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه"، وقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد".

وعليه، فإن الصمت المفروض على قضايا الأمة لا يمكن تقديمه بوصفه من جوهر التدين، لأن التدين الذي يُطلب منه أن يغضّ الطرف عن المظلوم يفقد أحد أعمق معانيه الأخلاقية.

 

من التنظيم المشروع إلى القمع السياسي

لا خلاف على ضرورة تنظيم الحج، ومنع الفوضى، وحماية الحجاج، لكن المشكلة تبدأ حين يُوسَّع هذا العنوان حتى يتحول من إجراء تنظيمي مشروع إلى قمعٍ سياسي للتعبير.

فشعار: "الحج عبادة فقط، وليس ساحة للشعارات السياسية" يبدو في ظاهره دعوة إلى الانضباط، لكنه في التطبيق لا يعمل إلا في اتجاه واحد: إسكات كل ما يتصل بفلسطين.

 

في الواقع، لا يجري استبعاد "السياسة" من الحج بقدر ما يجري فرض سياسة بعينها:

·       سياسة الصمت.

·       سياسة نزع الصوت من أكبر تجمع إسلامي في العالم.

·       سياسة تحويل الموقف الأخلاقي إلى مخالفة، والتضامن مع المظلوم إلى شبهة، والوعي العام إلى شيء يجب تحييده.

 

وهكذا لا يعود الحديث عن "عدم التسييس" دعوةً للحياد، بل يصبح أداةً انتقائية تمنع اتجاهًا واحدًا من الكلام: الاتجاه الذي يناصر فلسطين ويفضح الظلم.

أما الخطاب الرسمي، والاحتفاء بالسلطة ورموزها، وتكريس الرواية الرسمية، فكل ذلك لا يُعامل بوصفه "سياسة"، مع أنه في الحقيقة أوضح أشكال التسييس.

 

فلسطين: الممنوع الذي يكشف الحقيقة

إذا كان الحج موسمًا لتجديد الإيمان، فالإيمان لا ينفصل عن العدل، وإذا كان موسمًا للوحدة، فالوحدة لا تكون بإسكات أكثر قضايا الأمة جرحًا.

ومن هنا فإن منع الحديث عن فلسطين، أو التضييق على أي رمزٍ لها، لا يمكن فهمه باعتباره حيادًا، بل هو ينتهي إلى نتيجة سياسية واضحة: شطب فلسطين من المجال الإسلامي العام، ولو مؤقتًا، وتجريد المسلمين من حقهم في تحويل اجتماعهم الأعظم إلى موقفٍ أخلاقي جامع.

إن فلسطين ليست "تفصيلًا سياسيًا" يمكن تأجيله خارج أبواب الحرم، فلسطين اليوم عنوانٌ لمظلوميةٍ مكشوفة، ومقياسٌ لصدق الخطاب الإسلامي حين يُختبر بين العبادة والعدالة.

ومن هنا فإن كل خطاب يطلب من المسلمين أن يجتمعوا ثم يصمتوا، وأن يحجوا ثم يتناسوا، وأن يبكوا لذنوبهم الفردية لكن لا يرفعوا صوتهم لمحاصرين هُدمت على رؤوسهم منازلهم، وعن الخيام التي قُصفت بمن احتمى بها، وعن الأطفال والنساء والمدنيين الذين سقطوا بعشرات الآلاف، ثم يُقال لهم إن إظهار هذا الألم في الحج خروجٌ عن قدسية الشعيرة – كل هذا خطاب يفصل الدين عن مسؤوليته ويحوّله إلى طقسٍ فلكلوري منزوع الأثر لا يحرج ظالمًا ولا ينصر مظلومًا.

 

التضييق والاعتقال: حين يُجرَّم التضامن

وليس هذا مجرد تحليل نظري، فثمة شواهد متكررة على أن أي تعبير متصل بفلسطين في موسم الحج يُقابل بالمنع والتضييق، وأحيانًا بالاحتجاز أو الترحيل أو التدخل الأمني.

عمليًا، يُمنع رفع علم فلسطين، ويُنظر بعين الريبة إلى أي هتاف أو دعاء يتصل بها، ويُراد للحاج أن يفهم أن التضامن مع المظلومين ليس من المسموح إظهاره في هذا الموسم.

 

وهنا تنكشف الحقيقة كاملة:

·       المشكلة ليست في الفوضى، بل في المعنى.

·       وليست في الإرباك الأمني، بل في الرسالة.

 

فحين يصبح علم فلسطين سببًا للمنع أو التوقيف، فإن المقصود ليس فقط ضبط السلوك، بل ضبط الوعي.

وحين يُضيَّق على الدعاء لفلسطين أو التذكير بها، فإن الأمر لا يتعلق بحماية الحج من التسييس، بل يوظَّف لصالح صناعة حجٍّ منزوع الدلالة، لا يقول شيئًا عن الجريمة الجارية، ولا يسمح للأمة أن تقول شيئًا عن نفسها.

إن تجريم التضامن مع فلسطين داخل الحج ليس إجراءً محايدًا، إنه يصبّ في خدمة واقعٍ تُراد فيه القضية الفلسطينية ملفًا صامتًا، ويُراد فيه للمسلمين أن يتعايشوا مع الاحتلال كأنه قدر، وأن يتعاملوا مع المذبحة كأنها شأن خارج دائرة التعبير المشروع، وهذا أخطر أشكال المصادرة؛ لأنه لا يمنع الكلام فقط، بل يعيد تعريف ما يجوز للمسلم أن يشعر به ويعلنه.

 

الحج الذي يُراد له أن يصمت

عندما يُقال إن الحج "عبادة خالصة" ثم يُبنى على ذلك منع الموقف العام، فإن النتيجة في الواقع ليست حماية قدسية الشعيرة، بل إنتاج نسخة مفرغة من الإسلام:

·       إسلامٌ يكثر فيه الذكر ويقلّ فيه الحق.

·       إسلامٌ يكثر فيه االأحكام ويغيب فيه الموقف.

·       تكثر فيه المناسك وتضعف فيه النصرة.

·       إسلامٌ يكثر فيه التعبد ويقلّ فيه الانحياز للمظلوم.

·       ويُربّى فيه المسلم على أن يكون صالحًا في نفسه، صامتًا تجاه أمته.

 

وهذا المسار لا يحفظ الدين، بل يحوّله إلى وظيفةٍ منزوعة الأثر.

لأن الحج الذي لا يسمح للمسلمين أن يتذكروا فلسطين، ولا أن يرفعوا رمزًا للمظلوم، ولا أن يعلنوا براءتهم من الجريمة، ينتهي إلى تدجين الوعي الديني نفسه، وإقناع الناس بأن من تمام العبادة ألّا يروا الدم، وألّا يسمّوا القاتل، وألّا ينحازوا للضحية.

 

الخاتمة

عمليًا، لم يعد المنع مقتصرًا على الشعارات الفوضوية أو الممارسات المربكة، بل تجاوز ذلك إلى ملاحقة كل تعبير يخص فلسطين، حتى لو كان عَلمًا أو دعاءً أو موقفًا تضامنيًا سلميًا.

وهذا لا يمكن وصفه بأنه "تنظيم للحج"، بل هو توظيفٌ للحج لصالح سياسة إسكاتٍ ممنهجة، تُجرِّم الانحياز إلى المظلوم وتمنح الحماية المعنوية للظالم.

 

في الواقع، يجري التعامل مع فلسطين بوصفها ملفًا محرَّمًا داخل أقدس مواسم المسلمين، وهو ما يكشف أن القضية ليست إدارةً للمناسك، بل إدارةٌ للوعي.

آخر الاخبار