عاجل:
ثروة بلا سيادة
حدث وتحليل 2026-01-01 12:01 782 0

ثروة بلا سيادة

عائدات النفط السعودية كيف تُدار ؟

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

رغم أن السعودية تُعد أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، وتمتلك واحدة من أضخم الثروات الهيدروكربونية عالميًا، فإن الواقع المالي والاقتصادي يكشف فجوة متزايدة بين حجم العوائد النفطية المتحققة ومسار إدارتها الفعلي، في ظل استمرار العجز المالي، وارتفاع الضرائب، وتوسع الخصخصة، وتزايد الدين العام.

وفق بيانات وزارة المالية السعودية، شكّل النفط ما بين 60٪ و65٪ من إجمالي إيرادات الدولة خلال عامي 2022 و2023، مستفيدًا من ارتفاع الأسعار عقب الحرب في أوكرانيا.

مع ذلك، لم تثمر هذه الطفرة عن فوائض مستقرة أو تخفيف ملموس للأعباء المالية الداخلية.

ففي ميزانية 2024، عادت السعودية إلى تسجيل عجز مالي، وتشير التقديرات الرسمية إلى استمرار العجز حتى عام 2026، رغم بقاء النفط المصدر الأساسي للدخل.

وتُظهر أرقام الوزارة أن إيرادات عام 2024 بلغت نحو 1.18 تريليون ريال، مقابل مصروفات تقارب 1.25 تريليون ريال، بعجز يتجاوز 79 مليار ريال، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.

هذه الأرقام تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف تستمر دولة بهذا الحجم من العائدات النفطية في الاقتراض، وفرض الضرائب، وبيع الأصول العامة؟!!

وفق المنطق الذي يحكم هذا المسار الاقتصادي، لا تكمن المشكلة في نقص الموارد، بل في وجهتها، فجزء كبير من عائدات النفط السعودية لا يُعاد ضخه في الداخل، بل يتحول إلى الخارج عبر شراء سندات الخزانة الأميركية، والاستثمار في صناديق وأسواق غربية، وتمويل مشاريع عملاقة خارج الحدود، في مقابل ضغوط داخلية تتجسد بارتفاع التضخم، وزيادة الدين العام، وخصخصة ممتلكات الدولة تحت عنوان «الإصلاح».

وتؤكد تقارير صندوق النقد الدولي أن السعودية من أكبر حائزي الأصول الأجنبية المقومة بالدولار في المنطقة، وأن قدرًا معتبرًا من فوائضها النفطية يُعاد تدويره داخل النظام المالي الأميركي، في انسجام مع نظام «البترودولار» القائم منذ سبعينيات القرن الماضي، والذي يربط بيع النفط بالدولار مقابل ترتيبات أمنية وسياسية.

هذه الآلية تؤدي عمليًا إلى نتيجة ثابتة: عوائد النفط، بدل أن تتحول إلى رافعة لبناء اقتصاد إنتاجي مستقل، تعود تلقائيًا إلى الولايات المتحدة على شكل سندات حكومية واستثمارات مالية، وفي المقابل، يظل الاقتصاد المحلي عاجزًا عن استيعاب هذه الفوائض دون التسبب بتضخم، بسبب ضعف القاعدة الصناعية، ومحدودية الاكتفاء الذاتي الزراعي، واعتماد شبه كامل على الاستيراد.

وفي الداخل السعودي، تتجلى هذه المفارقة بوضوح.

فعلى الرغم من سنوات الإيرادات القياسية، جرى رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 15٪ منذ 2020، وهي من أعلى المعدلات عالميًا، واستمر العمل بها رغم تحسن أسعار النفط، كما تم تقليص الدعم عن الطاقة والمياه، وتوسيع برامج الخصخصة، بالتوازي مع توسع كبير في الاستدانة.

وبحسب بيانات وزارة المالية وصندوق النقد، ارتفع الدين العام السعودي من أقل من 120 مليار ريال في 2014 إلى ما يقارب 1.1 تريليون ريال بحلول 2024.

وتؤكد رويترز أن الحكومة تعتمد بشكل متزايد على السندات المحلية والدولية لتمويل الإنفاق، رغم استمرار التدفقات النفطية الضخمة.

في هذا السياق، تبرز فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والأرقام الفعلية.

فالخطاب الحكومي يصف المرحلة بـ«التحول التاريخي» و«تنويع الاقتصاد» و«الاستدامة المالية»، بينما تكشف البيانات أن:

  • الاعتماد على النفط لم يتراجع فعليًا،
  • العجز المالي مستمر،
  • نمو القطاعات غير النفطية ما زال مدفوعًا بإنفاق الدولة لا بإنتاج مستقل، وفق صندوق النقد،
  • وضبط المالية العامة يتم أساسًا عبر الضرائب غير المباشرة وتقليص الدعم، أي تحميل المجتمع كلفة التكيف.

بالتوازي، تدفع المؤسسات المالية الدولية نحو سياسات «تحرير الاقتصاد»، والتي تُترجم عمليًا ببيع أصول الدولة، وخفض الإنفاق العام، ورفع الضرائب، وتقديم ذلك بوصفه إصلاحًا ماليًا.

غير أن هذه السياسات، في جوهرها، تشكل مسارًا لتقليص السيادة الاقتصادية لا لتعزيزها.

كما ترسّخ هذه المنظومة نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على صناعة الاعتماد: استيراد التكنولوجيا بدل تطويرها، شراء السلاح بدل تصنيعه، واستثمار الأموال في الخارج بوتيرة تفوق توظيفها داخل الاقتصاد الوطني. وهو نموذج لا يبني استقرارًا طويل الأمد، بل يعمّق الارتهان للأسواق والنظم الخارجية.

وتختصر هذه المعادلة بقاعدة واحدة تحكم المشهد: الدفع من أجل البقاء، لا البناء من أجل النهوض.

فالنفط يُنتَج محليًا، لكنه يُسعَّر ويُدار ضمن منظومة خارجية، والمال يُجمع في الداخل، لكنه يُدار في الخارج، بينما يتحمل الشعب أعباء الضرائب والتقشف.

 

الإصلاح بلا سيادة… إدارة أزمة لا مشروع دولة

في المحصلة، لا تتعلق الإشكالية بضعف الموارد أو تقلب الأسواق، بل بغياب السيطرة الحقيقية على مسار الثروة.

فالاقتصاد السعودي، رغم ضخامته، يعمل داخل إطار يحدّ من استقلاله، ويعيد توجيه فوائضه خارج حدوده، مقابل تحميل الداخل كلفة الاستمرار.

إن استمرار الربط القسري بالنظام المالي الغربي، وإعادة تدوير عائدات النفط عبر الدولار والسندات، والتوسع في الخصخصة والاستدانة، لا يشكّل مشروع نهضة، بل إدارة دائمة للاعتماد.

مع كل ميزانية جديدة، يتضح أن الخيار السياسي ما زال واحدًا: الحفاظ على الترتيب القائم، مهما كانت كلفته الاجتماعية والسيادية.

وهنا لا يعود السؤال اقتصاديًا نظريًا، بل يمسّ حياة المواطن مباشرة.

فحين تُدار عائدات النفط خارج الدورة الاقتصادية المحلية، تكون النتيجة أن تُحمَّل كلفة الدولة على الداخل: ضرائب أعلى، رسوم متزايدة، غلاء معيشة، وتآكل في الدخل الحقيقي، دون تحسنٍ متناسب في الخدمات أو الأمان الاقتصادي.

المواطن لا يدفع الضرائب لأنه يعيش في دولة فقيرة، بل لأنه يعيش في دولة لا تُستخدم ثروتها لتخفيف أعبائه، بل لإدامة نموذج مالي قائم على تحويل الفوائض إلى الخارج. ومع كل ميزانية جديدة، يتكرر المشهد نفسه:

  • رفع ضريبة،
  • خفض دعم،
  • خصخصة أصل،

بينما تبقى الأسئلة الأساسية بلا إجابة—أين تذهب عائدات النفط؟ ولماذا لا تنعكس على مستوى المعيشة؟

لذلك فالقضية ليست اختيارًا بين الغنى والفقر، بل بين نموذجين واضحين:

  • نموذج يموّل نفسه من جيب المواطن ليبقى مندمجًا في ترتيبات خارجية،
  • ونموذج يستخدم ثروة البلاد لتقليل الضرائب، خلق وظائف إنتاجية، وبناء أمن معيشي حقيقي.

وحتى يُحسم هذا الخيار، سيبقى المواطن يدفع الكلفة، لا لأنه عاجز، بل لأن القرار ليس بيده، ولا الثروة تُدار لمصلحته.

آخر الاخبار